مركز الدراسات القرآنيةتراث

تعليق لطيف، وبيانٌ نفيسٌ، لأفضل تفاسير القرآن عند الإمام أبي علي اليوسي (ت1102هـ)

علم التفسير من أعظم العلوم، ويعرف شرف العلم بشرف المعلوم، وقد تنوعت الجهود في تفسير كتاب الله العزيز، واجتهد العلماء في بيانه، وألفت تفاسير كثيرة، فظهرت كتب في تفسير آيهِ، وشرح غريبه، وبيان محكمه من متشابهه، وإعراب كلماته، وكشف معانيه، واستنباط أحكامه.
فهذا التنوع الكثير جعل بعض الناس يستفسـرون عن الكتب التي يمكن الرجوع إليها لفهم كلام الله تعالى، وهذا هو سبب ورود هذه الرسالة على الإمام الحسن اليوسي (ت1102هـ)، فأجاب رحمه الله عن هذا التساؤل بتعليق نفيسٍ، وبيان شاف لأفضل كتب التفسير.
وهذه الرسالة ضمن رسائل الحسن اليوسي التي جمعتها الأستاذة فاطمة خليل القبلي [1]، وهي نسخة فريدة من مجموع مخطوطات المكتبة الناصرية بالمكتبة الوطنية.
ولعل اختيار العلامة اليوسي لهذه التفاسير واعتبارها الأفضل ليس أن ما دونها لا يعتد به، وإنما باعتبار المكانة العلمية لكل مؤلَّف وموضوعه؛ ولهذا لما ذكر الطبري أولا ذكر ابن عطية وما اختص به كأقوال السلف والأحكام والأحاديث، ثم الزمخشري والبيضاوي وأبا السعود لمن أراد تشقيق الكلام وتحقيق المعاني، والثعلبي لمن يحتاج إلى القصص والأقوال، والفخر الرازي لمن رغب في تحقيق العلوم، والقرطبي في الفقهيات، والبكري في لطائف المتشابهات، وأبا حيان في وجوه الإعراب وهكذا.
أولا: نص الرسالة
يقول أبو علي اليوسي في رسائله:» وأما أفضل تفاسير القرآن، فالمتقدمون يفضلون تفسير الإمام ابن جرير، ويقولون لم يؤلف في الباب مثله. وأما ما بعده فالناس أميل إلى ابن عطية، ولا بد أن يعلم أن ليس منها تفسير يستقل بالحاجة ولا جميعها، ولابد للمعاني الرائم التحقيق والتحصيل من استحضار جملة وافرة منها، فيستعين بها ويأخذ من كل لبابه وما اختص به؛ كأقوال السلف والأحكام والأحاديث من ابن عطية، وتشقيق الكلام وتحقيق المعاني من الكشاف وتباعه البيضاوي، وأبي السعود، وما يحتاج من القصص والأقوال من الثعلبي، وتحقيق العلوم المشار إليها من الفخر الرازي، والفقهيات من القرطبي، ونحوه، ولطائف المتشابهات من البكري، ووجوه الإعراب من أبي حيان وهكذا، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين»[2].
فكان هذا تعليق لطيف، وبيانٌ نفيسٌ، لما فسّر به العلامة الكبير الحسن اليوسي هذا الإشكال، وقد تطرقنا في المقدمة إلى بعض الفوائد، ويمكن أن نضيف توجيها آخر وهو أقرب إلى مضمون الرسالة، بكون هذه التفاسير التي ذكرها الشيخ كانت تدرس في الزاوية الدلائية كما صرح بذلك مترجموه[3].
وقبل الختم لابد من ترجمة موجزة عن حياة الإمام وشيوخه وتلامذته وآثاره، خصوصا وأن الشيخ من أعلام المدرسة المغربية الذين كان لهم الفضل في نشر العلم، وكان علامة مشاركا في مختلف الفنون.
ثانيا: ترجمة موجزة للإمام الحسن اليوسي
هو الإمام المحقق، أعجوبة الدهر، ونادرة العصـر، أبو علي الحسن بن مسعود بن محمد اليوسي، الصنهاجي نسبة إلى قبيلة آيت يوسي. ولد في ( حدود 1040هـ) بمنطقة ملوية بالقرب من جبل العياشي، من أسرة فقيرة متدينة، وكان أبوه مخالطا لأهل الخير والصلاح، أخذ العلوم الأولى بمسقط رأسه قبل أن يرحل إلى تافيلالت رفقة شيخه أبي إسحاق الحداد حيث ختم القرآن الكريم، وأخذ مبادئ العلوم، ثم عاد إلى بلدته حيث واصل مشواره العلمي، وبدأ يدرس كتب التصوف ويزور الصالحين.
فكانت له رحلات علمية بين أهم مراكز العلم بسوس، ومراكش، ودرعة، ولقي ثلة من العلماء، منهم: العلامة الزاهد أبو بكر بن الحسن التطافي، وقاضي الجماعة الإمام الماهر أبو مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني، والفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، والإمام عبد العزيز الرسموكي، والأستاذ الوليّ أبو عبد الله محمد بن ناصر الدرعي، وعنه أخذ الطريقة الناصرية. وانتقل إليها في الستينيات من عمره، وقضى بها مدة طويلة، جمع فيها بين التدريس والطلب والتأليف، إلى أن وقعت معركة بطن الرمان (ت1079هـ) فغربه السلطان المولى الرشيد إلى فاس.
وكان الإمام من المبرزين في التأليف، وكان علامة مشاركا. ومن أبرز تلامذته الإمام الفقيه ابن زاكور الفاسي، وغيره. ولا يخفى على أحد ما كان عليه الإمام من تعطش للعلم والتحصيل، فلقد توسع في كل العلوم النقلية والعقلية وبرز، وتصرف واجتهد وأصبح أستاذا فيها، وألف وكتب فيها حتى قال صاحب نشـر المثاني: »وكان صاحب الترجمة آية في المعقول والمنقول، وإليه المرجع فيهما، وآية في النبل والإدراك». وقال الإفراني: «الشيخ الإمام علم الأعلام شيخ الإسلام، آخر علماء المغرب على الإطلاق، ومن وقع على علمه وصلاحه الإجماع والاتفاق».
فبعد مرحلة الأخذ والتحصيل جاءت مرحلة البذل والعطاء، فخلف الإمام تراثا علميا كبيرا، من مؤلفات ورسائل متنوعة في كل الفنون؛ كالتوحيد، والأدب، والتفسير، والقراءات، والتصوف، والفقه وأصوله، وأصول الدين، وهي: “فتح الملك الوهاب فيما استشكله الأصحاب من السنة والكتاب”، و”حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي”، و”الكوكب الساطع بشرح جمع الجوامع”، و”زهر الأكم في الأمثال والحكم”، و”القول الفصل في تمييز الخاصة عن الفصل”، و”المحاضرات”، و”ديوان شعر”، و”القصيدة الدالية” و”شرحها”، و”القانون”، و”الفهرسة”.
توفي رحمه الله ليلة الإثنين 23 ذي الحجة عام 1102هـ/1691م، بداره بقرية تمزيزت، وقيل إنه توفي مقتولاً، ودفن بمكان يسمى جنان مشكة، ثم نقل جثمانه بعد عشرين سنة إلى العدوة الشمالية من مدينة صفرو.

الهوامش:

[1] رسائل أبي علي الحسن اليوسي جمع وتحقيق فاطمة القبلي منشورات وزارة الثقافة (2/598).
[2] رسائل أبي علي الحسن اليوسي (2/602).
[3] ينظر الزاوية الدلائية لمحمد حجي (ص72).

مصادر ترجمته:

  • صفوة من انتشر:(344-350).
  • نشـر المثاني:(3/25-49).
  • الإستقصا:(7/108).
  • الفكر السامي:(2/337-338).
  • موسوعة أعلام المغرب:(5/1801-1818).
  • رسائل أبي علي الحسن اليوسي جمع وتحقيق فاطمة القبلي (2/598).
Science

د. الحسن الوزاني

باحث بمركز الدراسات القرآنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق