مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةقراءة في كتاب

قراءة في كتاب: مذاهب الحكام في نوازل الأحكام

“مذاهب الحكام في نوازل الأحكام”للقاضي عياض وولده محمد، تحقيق، الدكتور محمد بن شريفة. الطبعة الأولى 1990، والطبعة الثانية 1997. دار الغرب الاسلامي.

كتاب “مذاهب الحكام في نوازل الأحكام” هو في الأصل جذاذات وبطائق للقاضي عياض جمعها بعد وفاته ولده القاضي أبو عبد الله محمد.

وكتعريف لمصطلح النوازل؛ فهي في اللغة النزول وهو: الحلول، يقال: نزلهم، فيتعدى بنفسه، ونزل بهم وعليهم، ينزل نزولا، بمعنى حل. والنازلة: الشديدة تنزل بالقوم، وجمعها النوازل.[1]

واصطلاحا هي: المسائل والقضايا الدينية والدنيوية التي تحدث للمسلم ويريد أن يعرف حكم الله فيها. وتسمى أيضا بالأجوبة وتارة أخرى بالأحكام أو مسائل الأحكام أو الأسئلة. وكلها مصطلحات تطلق على نوع واحد من الكتب الفقهية المهتمة بتبيان هذه الأمور.

وكتب فقه النوازل عامة يتضاربها منهجان: منهج فقهي ومنهج تاريخي، وبالتالي فالاشتغال بها يظل موزعا بين أهل الفقه وأهل التاريخ من غير الجمع بينهما، ونوازل عياض هي من الكتب التي تحمل هذه الميزة – الفقهية والتاريخية- إضافة إلى أن طابعها المزدوج الجامع بين واقعين: الواقع المغربي، والواقع الأندلسي، جعلها تزخر بمجموعة من القضايا الفقهية/التاريخية الخاصة بهذين القطرين. وغالبا ما تكون القضايا الفقهية متضَمَّنة في الوقائع التاريخية.

كتاب مذاهب الحكام في نوازل الأحكام كتاب ذو غلاف أخضر عنوانه مكتوب بخط ذهبي، يحتوي على 346 صفحة، تشتمل على مجموعة من كتب الفقه، جلها داخل في مجال المعاملات والأحوال الشخصية، مرتبة كما يلـي :الأقضية، الشهادات، الدعاوي والأيمان، الحدود، الجنايات، نفي الضرر، المياه، الغائب، المريض، السفه، المديان، المفلس، السمسار، الغصب، الاستحقاق، الوصايا، الأحباس، الصدقات، الهبات، النحلة، المتعة، العمرى، الإسكان، النفقة، الوديعة، الرهون، الحمالة، الوكالات، المزارعة، الشركة، القسمة، الشفة، الصلح، العتق، المدبر، أمهات الأولاد، النكاح، العدة، الطلاق، الأيمان بالطلاق، الخلع، اللعان، إلا الكتابان الأخيران: كتاب الجنائز وكتاب الصلاة، حول فقه العبادات، إضافة إلى تعدد فهارسه التي شملت فهرس الآيات القرآنية، وفهرس الأحاديث، وفهرس الكتب الواردة في المتن، وفهرس الأماكن، وفهرس الأعلام. أما الخط المستعمل في الكتابة خط لا يساعد على القراءة.              

يشتمل الكتاب على مقدمتين، مقدمة المحقق، ومقدمة للمؤلف.

  • مقدمة المحقق

قدم المحقق هذا الكتاب بمقدمة اشتملت على موضوعات لها صلة وثيقة به وبجامعه ولد القاضي عياض، حصرها في خمس نقاط، وهي:

  1. المذهب المالكي قبل القاضي عياض.
  2. مكانة التراث الفقهي في الأندلس والمغرب.
  3. الحركة الفقهية في عهد الموحدين.
  4. مكانة القاضي عياض وولده في الفقه.
  5. العمل في إخراج النص.

النقطة الأولى

تكلم فيها عن المذهب المالكي في المغرب قبل القاضي عياض، وبين فيها أن تاريخ دخول المذهب المالكي إلى أفريقية (تونس وليبيا)، فإن كان معروفا لدا الدارسين لهذا الشأنأن نشأة هذا المذهب وأطواره الأولى في الأندلس، فإن تاريخ دخول المذهب المالكي إلى المغرب بالخصوص يحيط به الغموض، ولا نعرف عنه إلا القليل وأنه ثمة ثغرات وفجوات ما تزال في حاجة إلى دراسة.

فعلى سبيل المثال إن كان تمت عددا طيبا من تلاميذ مالك الأندلسيين والافريقيين، معروفين، فإنه لا يعرف ولو علم واحد من أهل المغرب الأقصى تتلمذ على الإمام مالك. مع أن الاسلام وصل إلى المغرب قبل أن يصل إلى الأندلس. على الرغم  من أن أبرز تلاميذ الإمام مالك في الأندلس وأشهر رواة كتابه ((الموطأ)) هو يحيى بن يحيى الليثي يعتبر مغربي الأصل. ثم استفاض في الكلام عن هذه اللمحة التاريخية التي قدمها والتي في غالبها عبارة عن استفسارات واستشكالات وطرح مجموعة من الأسئلة فيما يتعلق بالمذهب ورجاله، وتاريخ دخوله، ومن أدخله، وفي مؤلفات عياض والتعليق عليها، ويخلص إلى القول بأن بداية الفقه المالكي بالمغرب وتطوره خلال العهود الإدريسية والزناتية وما يكون قد حصل من صراع بين الفقهاء والخوارج والبرغواطيين وغيرهم، كلها أمور ما تزال في حاجة إلى الدرس.

وأن كتاب ((المدارك)) يتبين من خلال قراءته مجموعة من الملاحظات من بينها:

أن ما يقال من أن أبا ميمونة درَّاس بن اسماعيل، أو جبر الله الفاسي هما أول من أدخل الفقه المالكي إلى فاس والمغرب الأقصى، كلام غير دقيق، لأنه وجد أعلام قبلهما.

أن القاضي عياض أغفل كثيرا من أعلام الفقه المالكي أو لم يقف على أخبارهم،  وقد ركز بالخصوص على سبتة وغيرها من مدن الشمال.

أن الفقه المالكي الذي انتشر في المغرب جاءنا في البداية من القيروان أكثر مما جاءنا من الأندلس…إلى غير ذلك من الملاحظات المهمة.

النقطة الثانية

خصصها لمكانة التراث الفقهي في الأندلس والمغرب؛ في كونه يؤلف قسما كبيرا من التراث الثقافي بالغرب الاسلامي، ويشغل حيزا مهما في المكتبة المغربية. والذي امتاز بالنزعة العملية -كما سماها المحقق- والسمة الواقعية، ذلك أن المذهب المالكي مذهب عملي موافق للذهنية المغربية والأندلسية، وأن الفقه سواء في العبادات أو المعاملات كان شديد الارتباط بوقائع الناس الجارية ومشكلاتهم الناشئة، وأقضيتهم الطارئة.

وقد نهض الأندلسيون والمغاربة بالفقه المالكي -منذ أن اختاروه مذهبا رسميا لهم- بالمؤلفات الكثيرة التي بلغت حد التراكم من بين مطولات ومختصرات وشروح، وبعض هذه المؤلفات تشبه أن تكون موسوعات فقهية، مثل المعيار للونشريسي، والبيان والتحصيل لابن رشد.

 وكان الأندلسيون والمغاربة أول من استعمل النظم التعليمي في الفقه لحفظه وتقريبه للدارسين، كتحفة ابن عاصم ولامية الزقاق وغيرها.

وثمة فرع آخر  -هو الذي يهمنا-  برز فيه الفقهاء الأندلسيون والمغاربة وهو ((النوازل)) التي تدعى كتبها أيضا بكتب ((الفتاوى))، وكتب ((الأحكام))، وكتب ((المسائل))، والتي استمر الأندلسيون يؤلفون فيها إلى سقوط مملكة غرناطة، ولعل نوازل (ابن طركاط) آخر مجموع في تراث ((النوازل)) الأندلسي الضخم.

أما في المغرب فهناك قائمة تمتد من أقدم كتاب ألف في أوائل القرن السادس إلى كتاب نوازل سيدي المهدي الوزاني المعروف ((بالمعيار الصغير)).

النقطة الثالثة

اهتمت بالحركة الفقهية في عهد الموحدين وعقد مقارنة بينه وبين عهد المرابطين في كون أن النوازل قبيل العهد المرابطي وفي عهدهم وإن كانت غنية بالدلالات على ازدهار الفقه المالكي بالمغرب، فإنها تدل كذلك على استمرار هذه الحركة الفقهية في العهد الموحدي الأول، العهد الذي أحرقت فيه كتب الفروع وامتحن بسببها عدد من الفقهاء، كما تذكر كتب التاريخ.

النقطة الرابعة

تكلم فيها عن مكانة القاضي عياض وولده في الفقه، والمكانة المرموقة التي حظيا بها في وسطيهما فقد كان عياض مشاركا مشاركة فعالة في علوم كثيرة كالحديث والسيرة والتفسير والتاريخ والأدب واللغة، غير أن صفة الفقيه كانت ألصق به من غيرها، ولم يكن ولده أقل إحاطة من والده، ويدل على ذلك تذييلاته الكثيرة خلال هذه النوازل وتعقيباته على فتاوى والده وغيره. ومن أمثلة ذلك ما جاء في كتاب الخلع، قال:

((سئل أبي – رضي الله عنه –  في مجلس قضائه بمحضر جملة من فقهاء البلد وأهل الفتوى بها عن رجل خالع زوجه على أن أخرته بكالئها بعد حلوله إلى ستة أشهر، فسكت – رضي الله عنه –  عن الجواب [وهذا دليل على رزانة القاضي وتثبته وعدم تسرعه في الإجابة]. فقال أحد الحاضرين: هذا مما لا خفاء به، الخلع لازم للزوجة، فأنكر أبي – رضي الله عنه – ذلك وقال: الخلع لازم وتعجيل المال له لازم)).

ثم عقب ولده على هذا بقوله: ((قال محمد بن عياض: المسألة منصوصة في المدونة ظاهرة بينة، ونصها: قلت: أرأيت إن خالعها على أن أخرت الزوج بدين لها عليه إلى أجل من الآجال. قال: قال مالك: الخلع جائز، ولها أن تأخذ بالمال حالا، ولا مرية أن الكالئ دين من الديون)).

ثم لما قال بن رشد في جواب له: ((وهذا اختلاف لا أعرفه، ولا يصح عندي بوجه)) عقب عليه ولد القاضي عياض بما يلي: ((قال محمد: ما أنكره الفقيه من الاختلاف هو رواية مشهورة في النوادر من كتاب ابن سحنون)).

النقطة الخامسة

أما هذه النقطة الأخيرة فقد خصصها المحقق للكلام عن العمل الذي قام به في إخراج النص والذي اعتمد فيه على بعض النسخ التي توجد فيها بعض نوازل هذا المجموع والتي أعانته في تخريجه وهما كتابان: كتاب “المعيار” للونشريسي وكتاب “نوازل بن رشد”. وتوخى في هذا التحقيق الإيجاز والاختصار كي لا يتضخم الكتاب فجاء متوسط الحجم، ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل.

  • مقدمة المؤلف أبي عبد الله محمد

اشتملت المقدمة التي افتتح بها ابن القاضي عياض الكتاب بتبين المنهج الذي اتبعه في تخريج نصوصه؛ وأصل نصوص الكتاب بطائق كان القاضي عياض يجمعها تحث عنوان (أجوبة القرطبيين) والتي أوردها ولده في كتابه “التعريف بالقاضي عياض” قائلا: “وكتاب أجوبة القرطبيين، رأيت هذه الترجمة بخطه رضي الله عنه، ولم أجد لها مبيضة، غير أني وجدتها في بطائق، فجمعتها مع أجوبة غيرهم، وأجوبته، مما نزل في أيام قضائه من نوازل الأحكام في سفر”[2] ورتبها وهذبها بل ونبه وعلق على بعضها. فإذا اشتمل الجواب على معنيين أثبت المعنى الواحد مع شكله، وأخر المعنى الآخر ليكون إثباته مع شكله أيضا، وكرر السؤال والجواب في الموضعين، وقصده من ذلك أن يسهل طلب ما يراد منها، وأن يتألف شملها، ويقترن بكل نازلة شكلها، فجاء الكتاب كديوان فقه يشتمل على جميعها.

وقد اعتمد المؤلف على مصادر وهي عبارة عن أوراق والده وكتبه الفقهية وغيرها، لا سيما كتاب (التنبيهات)، و(المدارك)، و(الإكمال)، ونوازل ابن رشد، ونوازل ابن سهل، وأجوبة ابن الحاج، ونوازل القرويين، والحاكمة لابن العربي المعافري…[3]

  • التعريف بالقاضي عياض وبولده محمد جامعه

õالقاضي عياض[4]

هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض السبتي اليحصبي بضم الصاد وفتحها وكسرها والصواب بالكسر نسبة إلى قبيلة يحصِب. (476هـ- 544هـ/1083م-1149م) قاض مالكي. يعود نسب القاضي عياض إلى إحدى قبائل اليمن العربية القحطانية، وكان أسلافه قد نزلوا مدينة “بسطة” الأندلسية من نواحي غرناطة واستقروا بها، ثم انتقلوا إلى مدينة  فاس المغربية، ثم غادرها جده “عمرون” إلى مدينة سبتة حوالي سنة (373هـ).

كانت حياة القاضي عياض موزعة بين القضاء والإقراء والتأليف، له مؤلفات مفيدة من بينها:

  • إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم
  • الشفا بتعريف حقوق المصطفى
  • مشارق الأنوار على صحاح الآثار
  • الإعلام بحدود قواعد الاسلام
  • ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك…

ولده أبو عبد الله محمد

بالنسبة لولد القاضي عياض فلا يعرف عنه الشيء الكثير وترجمته في المصادر قصيرة. فقد ترجم له من أصحاب ((الصلات)) ابن الأبَّار في ((التكملة))، وابن الزبير في ((الصلة))، وابن عبد الملك في ((الذيل والتكملة))، وجميع هؤلاء ذكروه في “الغرباء” باعتباره طارئا على الأندلس وليس من أهلها.

يقول بن الأبَّار: ((محمد بن عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض بن محمد بن موسى بن عياض اليحصبي، من أهل “سبتة”، وأصله من “بسطة”، ومنها انتقل أجداده قديما، يكنى أبا عبد الله، سمع من أبيه القاضي أبي الفضل، وابن العربي وغيرهما…دخل الأندلس، وولي القضاء، كان حميد السيرة، نزيها متواضعا، له مشاركة في الأدب والاخبار. توفي بغرناطة وقيل بسبتة سنة 575ه))[5]

  • عرض كتاب مذاهب الحكام في نوازل الأحكام

أحببت أن نعرض بعض النوازل الفقهية الجامعة بين المجالين الفقهي والتاريخي الموجودة في عناوين الكتب الموجودة في الكتاب، وسنقتصر على ذكر النازلة الواحدة في بعض الكتب نظرا لكثرتها والتي وصل عددها إلى تسع وأربعين كتابا.

  • الكتاب الأول: الأقضية، النازلة الأولى، الصفحة: 37.

وهي سؤال عن تعقب الحاكم حكم من تقدمه. ونصها كالآتي: “للفقيه الأجل الفصل في نازلة نزلت اليوم، وذلك أم جماعة من طلبة العلم قاموا عندي يذكرون أن سبعين مثقالا وقفت لهم لتفرق عليهم باسم وصية أوصى بها ميت أن يؤثر بها أهل العلم وطلبته.ودعوى الذي كانت بيده أن جملة المال الموصى به نفذ في وجوهه وإلى مستحقيه، فزعم الطلبة أنه لم يصل إليهم من العدد الموقوف لهم إلا القليل، وطلبوا نسخة تسجيل الحاكم بما تقدم، فهل لهم أخذ نسخة أم لا؟ أم هل لهم حجة بعد ما أشهد به الحاكم على نفسه أم لا؟ بين لنا ذلك مشكورا مأجورا”.

فجاءت الإجابات متمايزة عن بعضها البعض. الجواب الأول لم يعرف قائله، وفيه؛ أن الأصل أن لا تعترض أحكام القضاة العدول إلا أن يثبت جورها، وليس للحاكم أن يتعقبها إلا أن يوافق منها حكما وقع إليه دون كشف منه على حكمه، فإذا وقع إلى يده حكم مخالف للنص أو للإجماع نقضه. وقيام الطلبة في نسخ الحكم، فإن كان الذي أوصى لهم قوم معينون من الطلبة فلهم القيام، وعلى من ادعى الدفع إليهم البينة، وأما المجهولون فالقول قول الدافع إليهم. وفي بعض كتب المدونة أنه يحلف ويبرأ.

ثم تكلم محمد بن عياض وقال ما خلاصته: أن مسألة الرفع إلى معين أو مجهول تأتي عند تكرار المسألة في موضعها من كتاب الوصايا، والقضاة عدل عالم، وعدل غير عالم، وغي عدل.

أما العدل العالم، فلا تعترض أحكامه ولا يتكشف عليها إلا على وجه التجويز إن عرض عارض يوجد خصومة، فإن وجد ما هو مخالف للنص والإجماع نقض.

وبعد استعراض طويل لمجموعة من آراء العلماء المذهب مثل سحنون وابن حبيب والماجشون، أورد محمد قول أبيه. وخلاصته: أن الحاكم إذا كان يلتزم مذهبا ويحكم بتقليده ل باجتهاده فحكم بحكم يرى أنه مذهبه، وغلظ فيه، فله هو أن ينقضه دون غيره.

وأما العدل غير العالم، فيتكشف أيضا على أحكامه، فما كان منها صوابا مضى، وما كان منها خطأ بينا لم يختلف فيه رد

وأما غير العدل، فسواء كان عالما أو جاهلا، ظهر جوره أو خفي، فترد أقضيته كلها صوابا كانت أو خطأ.

نلاحظ من خلال أجوبة الفقهاء على هذه النازلة أنهم لا يوردون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على أجوبتهم إنما يعتمدون أقوال علماء المذهب الذين بلا شك استنبطوا الأجوبة انطلاقا من الرجوع إلى النص، وهذا ضرب من التقليد.

  • الكتاب الثاني: الشهادات، النازلة الثانية، الصفحة: 51-52.

وهي سؤال عن شهادة المشرف والوصي لمحجورهما. ونصها: “جوابك – أعزك الله – في المشرف المستشار في الوصية هل تجوز شهادته لمن يشرف عليه؟ إذ ليس في يديه قبض/مال ولا تصرف له، أم لا تجوز؟، لما له في ذلك من سبب كالوصي، وكيف إن أشهد الوصي بعزل نفسه لتصح شهادته، ومتى يصح انعزاله لذلك؟”

فجاء الجواب من عند ابن رشد وابن الحاج لمراسلة القاضي عياض لهما.

قال ابن رشد:” تصفحت – أعزك الله بطاعته – سؤالك هذا ووقفت عليه، وشهادة المشرف جائزة إذ لا تهمة عليه في شهادته، وأما الوصي فلا تجوز شهادته لمن في نظره، وإن أشهد بعزل نفسه عن الوصية، إذ ليس ذلك إليه بعد التزامه النظر.

أما جواب محمد بن أحمد بن الحاج، فقال فيه: إذا لم يكن إلى الشاهد إلا الاشراف بنفسه والمشارفة برأيه في أمر الأيتام دون قبض شيء من المال ودفعه فشهادته غير مردودة.

  • الكتاب الثالث: الدعاوي والأيمان. الصفحة 67.

نازلة الرجل الذي غاب عن غنمه، ونصها: “جوابك وفقك الله في رجل غاب عن بقره عندما ضرب عليهم العدو وادعى بهم على أهل القرية، فشكى ذلك إلى حاكم الجهة فوجه فيهم، فأتى بمن أمكن منهم فأقر بعضهم وغرم بعض العدة، وأنكر الباقون، فسجنوا وطال سجنهم نحو الشهرين، وهما أخوان من أهل العافية لا يعرف لهم مثل هذا، وأبى صاحب البقر أن يخرجهما حتى يغرموا. بين له وجه الحكم في ذلك، وهل يجوز إقرار هذا الغارم عليهم أم لا؟ مأجورا إن شاء الله”

فجاء جواب عياض قائلا إن لم يتعين أخذ المذكورين للبقر، وإنما سجنا يتهمة عامة أهل القرية وهما كما وصفت أحلفا وأطلقا

ثم عقب ابنه محمد وكان مؤكدا لما أفتا به والده  فقال: “حكى الشعبي في نوازله، أن أبا عمر بن المكوي سئل عن رجلين ادعيا على آخرين أنهما سرقا شيئا، فأنكرا ذلك فطالبهما باليمين، فهل له ذلك أم لا؟ فأجاب: إن كانا متهمين أو شبه عليهما حلفا له وإلا فلا.

  • الكتاب الرابع، الحدود. الصفحة: 75.

والنازلة في رجلين تشاتما فقال أحدهما للآخر حتى تثبت حريتك، وبساط الكلام يقتضي أنه شتمه بالعبودية والرق، والمقول له هذا ينتسب هو وأبوه وجده وأله بأموي، وقد حازوا هذا النسب على مر الأيام فهل يكلف هذا القائل إثبات أنه من الموالي وأبناء العبيد، إذ أصل هذا النسب في صليبة قريش وهو في غيرهم تجوز إضافته إليهم، أم يكلف المقول له إثبات أنه من أنفس بني أمية دون مواليهم، وحينئذ يحد له القائل، وكيف إن كان الحاكم قد رأى هو ومن حضره من أهل العلم إقامة الحد على القائل دون أن يكلف المقول له إثبات أنه قرشي.

وقد أجاب عن هذه النازلة التي ربما وقعت بغرناطة القاضي موسى بن حماد وعبد الحق بن عطية وعبد الحق بن معيشة وأحمد بن أحمد ومحمد بن أسود وأبو القاسم بن الإمام ومحمد بن الجد وكلهم من قضاة الأندلس.

  • الكتاب الخامس، الجنايات. الصفحة: 86

والنازلة سبتية، وتهم رجلا ضرب بطن شاة فألقت جنينها ميتا فأفتي فيها من قبل بعض فقهاء البلد فقال: أن عليه قيمة عشر أمه، وذكر أنه قاسها على مسألة كتاب الحج في المحرم إذا ضرب بطن عنز من الضباء. فأنكر ذلك عليه غيره من فقهاء سبتة. وقالوا عليه ما نقصها، وكلهم لم يدع في المسألة نصا.

أما عياض فأجاب أن فيها القولان جميعا، ثم أخرجها منصوصة القولين جميعا.

ثم تكلم  محمد (ابن عياض) الذي أورد نازلة مشابهة لها أخدها من نوازل القرويين وفيها  أن أبا الحسن القابسي قال: عليه ما نقص ذلك من قيمتها يوم ضربها، وهو قول مالك، وقال غيره: عليه عشر قيمة أمه، والأول أحب إلينا.

وحكى إسماعيل القاضي في مبسوطه، عن أبي الزناد أنه قال: في جنين البهيمة نرى في ذلك أن تقوم البهيمة إذ في بطنها ولدها، ثم تقوم بعد أن يطرح جنينها، فيكون فصل ما بين ذلك على الذي أصاب البهيمة. قلت: وهو القول الذي أختاره.

  • الكتاب السادس، نفي الضرر. الصفحة: 87.

والنازلة في رفع مناكر الأعراس. في هؤلاء السودان والسودانات الذين يجتمعون للعب في الأعراس فجاء الجواب من عند شيخ القاضي عياض “محمد بن عبد الله السبتي، ت:527ه”، أنه ينبغي عليهم أن يمنعوا من ذلك ويزجروا ومن قام معتنيا بهم وذابا عنهم تعاقبه على قدر اجتهادك، والدفوف الذين يلعبون بها تنظر في أمرها على ما توجبه السنة وتبقي منهم أشبههم على قدر الحاجة إليهم، إن كانت الحاجة توجبها السنة والحق. قلت: وهي نازلة تصور لنا الحالة الاجتماعية التي كانت عليها بلاد سبتة مثلها مثل البلاد المجاورة لها، من انتشار للعبيد.

  • الكتاب السابع، المياه. الصفحة: 109

وهي نازلة تتعلق بالمياه. وخلاصتها أن أحد المتنفذين في سبتة وهو عبد السلام الذي كان من أصحاب “سكوت البرغواطي” حاكم سبتة، أجرى الماء المعروف بماء السياح الجاري من بليونش[6] إلى جنانه بموضع كان لمحجة المسلمين وأحفرها وأضر بالمارة بها عبر طريق عمومية وظل الأمر كذلك أكثر من عشرين سنة إلى أن زالت دولة البرغواطي وجاء المرابطون فقام أهل سبتة على عبد السلام المذكور وشكوه إلى القاضي عبود بن سعيد التنوخي الذي عينه يوسف بن تاشفين قاضيا على سبتة فحكم بقطع الماء من الطريق العمومي لضرره بالمارة، ولأنه لم يكن جاريا من قبل.

ولهذه النازلة نظائر في كتاب المياه إذ كان النزاع لا ينتهي حول السواقي وترع المياه التي تسقى بها الجنات والبساتين، وتدور بقوتها الأراحي والطواحين.

  • الكتاب الثامن، الغائب. الصفحة: 128.

والنازلة تتعلق بشحنة قمح وشعير شحنت من مرسى مازيغن إلى سبتة والمتنازعون فيها هم سفيان ابن يعقوب الأنصاري وسليمان الصنهاجي ومحمد بن عبد الله الأنصاري وقد ترافعوا إلى القاضي عياض ثم إلى القاضي بعده حسن بن علي ابن سهل الخشني السبتي من أقران القاضي عياض، وكان حكمهما في النازلة واحدا. وهو بتسليم جميع الطعام لمحمد لأنه اشتراه بوجه حق وتحليفه من الاحتياط لبيت المال. وتدل هذه النازلة على حركة التجارة البحرية بين المراسي المغربية الأطلسية والمتوسطية وعلى شهرة إقليم دكالة بإنتاج الحبوب، وشهرة مازيغن المبكرة بالوسق.

وقد ذكر ابن سعيد في “بسط الأرض” أنها “فرضة مشهورة تحمل منها المراكب القمح إلى سبتة وغيرها”[7]

  • الكتاب التاسع، كتاب المريض. الصفحة: 131.

وهو كتاب كل نوازله تخص مسائل الميراث والوصايا والهبات والديون التي تبقى في ذمة من خيف من موته في مرضه، والنازلة التي اخترتها تخص الإيصاء بأكثر من الثلث وتدخل الأهل في بعض المسائل للتحايل على الشرع من أجل حرمان بعض الأفراد من الميراث، وفيها أن رجلا  كانت له زوجة قريبة عهد بالبناء معه فمرض عندها مرضا شديدا فأمره أهله بالانتقال عنها إليهم وكانت نيتهم أن لا ترث امرأته شيئا من ماله. لأنهم أمروه بأن يوصي بالثلث لامرأة أخيه، وبالثلث الثاني للمساكين، ويترك ديونا أكثر من الثلث الباقي.

فأجاب ابن عياض بأنه لا يجوز من وصيته إلا ثلث ما له فقط، ويقسم على المساكين وامرأة أخيه بنصفين، ويرث أهل الميراث مع الزوجة ما بقي على فراضهم.

  • الكتاب الحادي عشر، كتاب الغصب. الصفحة: 170.

نازلة عبارة عن عقد هذا نصه: “يشهد من تسمى أسفل هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون المعز بن يوسف الرحوي بعينه واسمه إلى أن توفي (عفا الله عنا وعنه)، فأحاط بميراثه في علمهم ابناه يخلف ومدونة لا وارث له في علمهم غيرهما. ويعرفون له المجشر المعروف بمنزل عطية بنظر مدينة ابن السليم من عمل إشبيلية حرسها الله مالا من ماله، وملكا من أملاكه لم يفوته بوجه من وجوه الفوت في علمهم إلى أن توفي وأورثه ابنيه المذكورين، ولا يعرفون يخلف ومدونه المذكورين فوتا شيئا من المجشر المذكور المنجرّ إليهما بالميراث من أبيهما المذكور.  بوجه من وجوه التفويت في علمهم إلى الآن

وبعد هذا العقد سؤال موجه إلى عياض عن أحد ولاة تلك الجهة أراد أن يغصب أرض المجشر وحرثها فرفع أصحاب المجشر شكواهم إلى الأمير وقد أجاب القاضي عياض بأن الوالي غاصب تجب عقوبته وتغريمه.

  • الكتاب الثاني عشر، الأحباس. الصفحة: 193.

وهي نازلة طويلة تتعلق بأحباس أسرة كبيرة في سبتة هي أسرة محمود بن أبي مسلم الصدفي وفيها إحصاء لهذه الأحباس المؤلفة من دور وحوانيت وأفران بحدودها مع تسمية من لهم الحق في هذه الأحباس من أبناء الأسرة المذكورة، وقد أفتى في هذه النازلة كل من ابن رشد وبن الحاج. وفيها أسماء أعلام وأماكن

ومما يلفت النظر في نوازل كتب الوصايا والأحباس والصدقات والهبات في هذا المجموع شيوع الوصية بالثلث على المساكين وتحبيس المرافق والمنافع على المحتاجين مثل “جنان المساكين” و”حانوت أحباس المساكين” مما يعكس روح الخير والإحسان في ذلك المجتمع السبتي الإسلامي الذي كان يوجد فيه كذلك أهل الطمع والجشع.

  • الكتاب الثالث عشر، كتاب الأيمانبالطلاق. الصفحة: 291.

نازلة هذا نصها : “وحكي أن الفقيه محمد بن عبد الله المعروف بابن القوق (ت308ه، بإشبيلية) بلغه أن ابن مريم (ت352هـ)، يفتي بالرخصة في طلاق الثلاث، فرفعه إلى القاضي فأنكر ابن مريم ذلك، فأمر به القاضي إلى السجن، فقال ابن القوق : السجن فقط؛ أقتله ودمه في عنقي، ثم توفي القاضي المذكور وولي بعده غيره، فبعث إلى دار ابن مريم أعوانا أخذوا جميع كتبه، ثم أتوا بها، فلم يدخلها القاضي داره، وأمر بها إلى الجامع، ثم خرج وأرسل في أهل العلم، فرأوا أن يخرج منها موطأ مالك والمدونة، وأن تقطع كتب الشافعي وغيره، فقال شيخ منهم بل تقطع كلها على باب المسجد خيفة أن يقول الناس أخذوا ما أحبوا، وقطعوا ما لم يحبوا.

  • الكتاب الرابع عشر، كتاب الصرة. الصفحة: 311.

وهي نازلة استفتي فيها عياض في موضوع امتناع بعض الفلاحين في إحدى قرى بادية سبتة من دفع نصيبهم في أجرة الإمام مع الجماعة لعدم تمكنهم من الصلاة خلفه بسبب تنقلهم بماشيتهم في المناطق الخصبة.

فأجاب القاضي عياض قائلا: “إن شرائع الاسلام واجبة عليهم وعلى كل قرية إمامة المسجد والجماعة، فإن كان الحضور فيهم من يقوم بذلك، وإلا فعلى الباقين ذلك وإن كانوا يغبون الحضور في المسجد”. ثم أورد ابنه محمد مسألة شبيهة بها حيث سئل بعض الفقهاء المتأخرين (ولم يسمه) عن رجل يسكن قرية ومعاشه في غيرها من القرى، ويرجع إلى هذه القرية يوما بين أيام كثيرة. هل عليه من أجرة الإمام شيء إن وجب عليه؟ فهل هو فيها كغيره؟ فقال: هي عليه كما هي على غيره، وهي من الرؤوس لا من الأموال.

  • الملاحظات:
  • جل المسائل يوردها القاضي محمد بن عياض نقلا عن والده، على هذا النحو؛ فيقول: جواب الفقيه الأجلوفقه الله تعالى عن مسألة كذا وكذا، هل يجوز له أن يفعل أو لا يجوز مع العلم بأن المسألة لها نظائر في موضع كذا وكذا…جاوب عليه موفقا إن شاء الله. أو يقول: قد لاح لي فيه شيء أردت رأي إمامي فيه…، وقليلا ما يعطي القاضي عياض أجوبته في النوازل التي ترد، أو ربما تأتي أجوبته مطابقة لأجوبة شيوخه فيورد أجوبتهم تواضعا؟ وبالتالي صح تسمية الكتاب ب”مذاهب الحكام في نوازل الأحكام” لاشتراك الإجابات تبعا لمنهج كل فقيه على حدة، فلو سمي مثلا: “مذهب الحاكم في نوازل الأحكام” لكان ظلما للآخرين وللقاضي عياض نفسه.
  • استرشاد ومراسلة القاضي عياض للقاضيين ابن رشد، وابن الحاج في الغالب، إلى جانب ابن سهل، وأحمد بن ناصر الداودي، ومحمد بن اسماعيل، وموسى بن حماد، وأبي الحسن القابسي، ومحمد بن محمد القرشي، وعبد الملك بن ميسرة، وغيرهم…
  • جل نوازل “مذاهب الحكام في نوازل الأحكام”، موجودة في كتاب “المعيار” للونشريسي، وفي كتاب “نوازل ابن رشد”.
  • قلة إيراد للآيات القرآنية وللأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد حكم المسألة.
  • الاعتماد على أقوال من تقدم من العلماء في المذهب وهو صنيع القاضي محمد بن القاضي عياض.
  • الحكم في بعض النوازل انطلاقا من قياسها على وقائع ونوازل مشابهة لها في قطر من الأقطار وهو كذلك صنيع القاضي محمد بن عياض.

الإضافة التي يقدمها الكتاب:

انطلاقا مما قيل فكتاب مذاهب الحكام في نوازل الأحكام يضيف مجموعة من المستجدات للبحث الفقهي، والتاريخي كذلك، فإنه يعتبر مادة غنية لدارسي المجالين، ذلك أن فيه مسائل نعيشها في عصرنا الحاضر والتي تعطينا صورة لما كان عليه المغرب عامة والجهة الشمالية خاصة ومدينة سبتة على وجه الخصوص، من بينها ما يقع من ظلم للمرأة  واستغلال لها ويتجلى ذلك في كتاب السفه، وكتاب المتعة، وكتاب اللعان، إلى جانب كتاب الطلاق.

كما يعطينا منهجا في كيفية بناء الفتوى باستقراء ما دون في المذهب وهو صنيع محمد ولد عياض.

الهوامش

[1] لسان العرب، مادة “نزل”، ص:259.

[2] “التعريف بالقاضي عياض” لأبي عبد الله محمد بن عياض، ص:118.

[3] “من أصداء الحياة اليومية في سبتة المرابطية” لمحمد بن شريفة، ص:229.

[4] توجد ترجمته في كتاب ((أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض)) للمقَّري. وكتاب ((التعريف بالقاضي عياض)) لولده محمد

[5] “التكملة” 2/677-678 لابن الأبار. و كتاب “التعريف بالقاضي عياض” لولده أبي عبد الله محمد. تحقيق وتقديم محمد بن شريفة، المقدمة الثانية.

[6] هي المشهورة في الآفاق التي أربت على القرى وفاقت شعب بوان من أقصى العراق كما وصفها الأنصاري في “اختصار الأخبار” وقد أفاض القول فيها المقري في “أزهاره” وفيها شعر للقاضي عياض، يقول:   

بليونش جـــــنة ولــكـــــــن  طريقها يقــــــــــــطع النــــياطا

كجنة الخلد لا يــــــراهــــا    إلا الذي جــــــاوز الصــــراطا

[7] مذاهب الحكام في نوازل الأحكام ص:128. الإحالة (5)

Science
اظهر المزيد

ذ. محمد المنصوري

باحث بسلك الدكتوراه

مركز دراسات الدكتوراه: النظر الفقهي والقضايا الإنسانية.

مختبر: تحليل الخطاب وأنساق المعارف. جامعة القاضي عياض، كلية الآداب و العلوم الإنسانية -مراكش-

 ماستر الاجتهاد التنزيلي في المذهب المالكي، جامعة أبي شعيب الدكالي كلية الآداب و العلوم الإنسانية -الجديدة-

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بالرابطة المحمدية للعلماء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق