مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

الانتصار للشعر والشعراء في نَضْرة الإغْرِيض في نُصْرة القَرِيض للمظفر بن الفضل العلوي المتوفى سنة (656 هـــ) ( الحلقة السادسة)

فيما يجب على الشاعر أن يتوخاه ويتجنبه:

يجب على الشاعر أن يتجنب سفساف الكلام، وسخيف الألفاظ، ونازل المعاني، ووحشي اللغة المتكلفة، ويبتعد عن التشبيهات الكاذبة، والإشارات المجهولة، والأوصاف البعيدة، والعبارات الغثة، ولا يختصر في موضع البَسط، ولا يبسط في موضع الاختصار. [1]

فإذا أراد أن يبني قصيدة أو ينظم قطعة صَوَّر المعنى في قَلبه، ومَثَّله في نفسه كلاما منثورا، ثم أعدَّ له ألفاظا تُطابقه، واختار له من القوافي ما يوافقه، وجَعَلَه على وزن يسلسُ القول عليه، وينقاد المعنى إليه.

ولا يُظهِرُ له شعرا إلا بَعد ثِقَتِه بجودته وسلامتِه مِن العُيوب التي نبه عليها العلماء وأمروا بالتحرز منها، وأما ارتكابُ الضرورات غير المحظورَة فيجوز استعمالها وإن كانت عند المحققين عيبا، وكانَ قائلها عندهم مُسيئا، ولا ينبغي الاقتداء بمن أساء من الشعراء القدماء بل بمن أحسن منهم وأجاد، ولا يحذو إلا حذو الشعر الجيد والنظم المختار والطريقة الحسنة والسنة الهادية، واللفظ الرشيق الآخذ بمجامع القلوب والواصل إلى الأفهام من غير حجاب.[2]

وينبغي للشاعر أنه إذا نظم شعرا يردده برفيع من صوته، فإن الغِناءَ فيه يكشفُ عيوبَه، ويبين متكلف ألفاظه، وذلك كما جاء في قول حسان بن ثابت:[3]

تَغَنَّ في كُلّ شِعر أَنْتَ قَائِلُهُ   ///  إنَّ الغناءَ لهذَا الشّعر مضْمَارُ

وينبغي للشاعر أن يتأمل مصراعَ كل بيت حتى يُشاكلَ ما قبله ويطابقَ ما تقدمه، فقد عاب العلماء على خلق من الشعراء القدماء كقول الأعشى:[4]

أَغَرُّ أَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ به   ///   لَوْ قَارَعَ النَّاسَ عَنْ أَحْسَابهمْ قَرَعَا

فالمصراع الثاني غير مشاكل للأول، وإن كان كل واحد منهما قائما بنفسه وهذا معنى ينبغي مراعاته والوقوف عنده.

وينبغي للشاعر أن يتجنب الحشوَ الذي يفسد به البيتَ، كما جاء في قول الأعشى لما مدح قيسا: [5]

ونُبِّئْتُ قَيْسًا وَلَمْ آتِهِ    ///   وقَد زَعَمُوا، سادَ أَهْلِ اليَمَنْ

فقال له قيس: يا ويلَكَ، تقول “وقد زعموا”، وهذه كلمة لا تستعمل إلا عند الشك في صدق القائل، فجعلها حَشوةً أفسدَ بها معنى البيت.

وينبغي للشاعر أن يتعفف في شعره، ولا يستبهر بالفواحش ولا يتهكم في الهجاء، فإن العلماءَ ذموا من اعتمد ذلك.

وينبغي للشاعر أن لا يستعمل لفظة لإقامة وزن البيت وهي مُفسِدة لمعناها له وإذا حَكَمَ عليه البيتُ بذلك فالأولى إسقاطُه، ومثال ذلك ما جاء في قول ذي الرمة:[6]

حَرَاجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إلَّا مُنَاخَةً   /// عَلَى الخَسْفِ أَوْ تَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرَا

كيف أدخل “إلا” بعد “ما تنفك” لإقامة وزن البيت فأفسده لأن ما يزال وما ينفك في كلامهم جحد وإلا تحقيق، فكيف يجتمعان ولهذا لو قلت ما زال زيد إلا قائما لم يجز.

وينبغي للشاعر أنه إذا رأى الشعر قد اعتاص عليه ومنع جانبه منه أن يتركه في تلك الحال ولا يكد قريحته فيه.

وينبغي للشاعر أن يقارب بين الألفظ ولا يباعد بينها، فهو عيب، كما قيل إن الكميت أنشد نصيبا قوله:[7]

وَقَدْ رَأَيْنَا بِهَا حُورًا مُنَعَّمَةً    ///  بِيضًا تَكَامَلَ فيهَا الدَّلُّ والشَّنَبُ

وينبغي للشاعر أن يتجنب الألفاظ التي تشتبه على سامعيها وقارئيها ولا ينزل في الخطاب من علو إلى مهبط لأن الأجدر أن يرتقيَ من انحطاط إلى عُلو، فأما الألفاظ التي تشتبه فمثالها ما جرى لأرطأةَ بنِ سهيةَ المرّيّ، وكان قد بلغ مائةً وثلاثين سنة، فدخل على عبد الملك فقال له: ما بقي من شِعرِك يا بن سَهيَّةَ؟ فقال: والله ما أشربُ ولا أطربُ ولا أغضبُ، ولا يجيء الشعرُ إلا على مثل إحدى هذه الخلال، وإني لأقول: [8]

رَأَيْتُ المَرْءَ تَأْكُلُهُ اللَّيَالِي   ///  كَأَكْلِ الأَرْضِ سَاقطةَ الحَدِيدِ

ومَا تَبْغي المَنِيَّةُ حِين تَأْتِي   /// عَلَى نَفْسِ ابنِ آدَمَ مِنْ مَزِيدِ

وَأَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَكُرُّ حَتَّى    ///  تُوَفِّي نَذْرَهَا بِأَبي الوَلِيدِ

وينبغي للشاعر أن يتحرزَ كلَّ التحرز من لفظ يتطير به سامعُه خصوصا إذا ابتدأ به، وافتتح الكلام بسببه، فكم من شاعر قد حرم بطريقه الإفادة، من ذلك ما رووه عن الأخطل لما دخل على عبد الملك فأنشده قصيدةً أولُها:[9]

خَفَّ القَطِينُ فَرَاحُوا مِنْكَ أَوْ بَكَرُوا…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] نضرة، ص:  389

[2] نضرة، ص: 390

[3] الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، ص: 40

[4] عيار الشعر، ص:  212

[5] ديوان الأعشى، ص: 25

[6] ديوان ذي الرمة، 3/1419

[7] الموشح، 1/250

[8] عيار الشعر، 1/308

[9] ديوان الأخطل، 1/73

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق