مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات وأبحاثأعلام

الحلة السيراء فيمن حل بمراكش من القراء (من كتاب الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي ت703ه‍) -40- عليُّ بن عبد الله بن محمد بن يوسُف بن أحمدَ الأنصاريُّ، أبو الحسن، ابنُ قُطْرال(1)  

عليُّ بن عبد الله بن محمد بن يوسُف بن أحمدَ الأنصاريُّ، كذا نقَلتُ نَسَبَهُ من خطِّه، فاسيُّ المولد، ومنها أصلُه قديمًا، ومن ناحيةِ دانيةَ حديثًا، قُرطُبيُّ النشأةِ. استَوطنَ بأخَرةٍ مَرّاكشَ، أبو الحسن، ابنُ قُطْرال(2).

رَوى عن أبوي بكرٍ: ابن الجَدّ، وابن أبي زَمَنِين، وأبي جعفر بن محمد بن يحيى ولازَمَه كثيرًا، وأبي الحَجّاج ابن الشّيخ، وأبوَي الحَسَن: ابن كَوْثَر ونَجَبَةَ، وأبي الحُسَين يحيى ابن الصائغ وأبي خالدٍ ابن رِفاعةَ، وآباءِ عبد الله: ابن حَفْص ولازَمَه كثيرًا، وعرَضَ عليه عن ظهرِ قلبٍ من «صحيح البخاريِّ» ما عَرَضَ على الشَّرّاط، وابن حَمِيد وابن زَرقُون وابن سَعادةَ الشاطِبيّ وابن عَرُوس وابن الفَخّار، ولازَمَه، وأبوي العباس: ابن مَضَاءٍ، وحَضَرَ عندَه المُناظرةَ في «المُستَصْفَى»، ويحيى المَجْرِيطيِّ، قال: ولازمتُه كثيرًا، مسافرًا ومُقيمًا، وكان لي، رحمه الله، بمنزلةِ الوالد وآباءِ القاسم: ابن بَقِيّ، وابن رُشْدٍ الوَرّاق، وابن سَمَجُون، وابن غالب، ولازَمَهُ وعَرَضَ عليه عن ظهرِ قلب من أول «صحيح البخاريِّ» إلى آخرِ كتاب الصلاة، وابن جُمهور وابن حَوْطِ الله، وعبدِ الحقَ ابن بُونُه، وعبدِ الصَّمد بن يَعِيشَ، وعبدِ المُنعم ابن الفَرَس. وأجاز له ولم يلقَهُ: أبو القاسم ابنُ حُبَيْش.

رَوى عنهُ ابناه: أبو عبدِ الله محمد، وأبو محمدٍ عبدُ الله، وأبَوا الحَسَن: ابنُ ابنِه أبي محمدٍ عبد الله، وطاهرُ بن عليّ، وسِبطُه أبو يحيى عُبَيدُ الله الزَّجّاليُّ، وأبَوا عبدِ الله: ابنُ الأبّار، وابنُ صَالح الشاطِبيُّ. وآباءُ محمد: ابنُ بُرطُلّه، وابن قاسم الحَرّار، وابن محمد بنُ هارونَ الطائيُّ، وأبو يعقوبَ بن إبراهيمَ بن عُقَاب.

وحدّثنا عنه من شيوخِنا: أبو الحَجّاج بنُ حَكَم، وأبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ، وأبو الطيِّب صالحُ بن شَريف، وأبو عبدِ الله بنُ أُبيّ، وأبو القاسم العَزَفيُّ.

وكان قد جاوَرَني مُدّةً بدارٍ لي لِصقَ دار مَولِدي وسُكناي، وكان كثيرٌ من طلبةِ العلم بمَرّاكُشَ ينتابونَهُ بها للرِّوايةِ عنه، وكنتُ حينئذٍ غيرَ مقصِّر عن كثير ممّن كان يتردَّدُ إليه، ولم يكنْ هناك مَن يُرشِدُني للقراءة عليه والأخذِ عنه، ولم أتهدَّ إلى ذلك مِن تِلقاءِ نَفْسي فحُرِمتُ الرِّوايةَ عنه معَ أهليّتي لها وتمكُّني من أسبابِها لو شاء اللهُ، والسَّماعُ رِزق.

وكان محدِّثا راوِيةً عَدْلاً، فيما يَأثَرُه، ثقة فيما يحدِّثُ به، صحيحَ السَّماع، غيرَ أنّ أصُولَ سَماعِه كانت قد ذهبتْ حين امتُحِن بالأسْر بأُبّذةَ وهو قاضٍ بها بعدَ تغلُّبِ العدوِّ الرُّوميِّ عليها إثْرَ وقعةِ العِقاب، ووَقَعَ بعدُ إلى يدِه منها «التقَصِّي» لأبي عُمر بن عبد البَرّ، فكان يُسمعُ منه. وشاع الخبرُ عن أسرِه صَدرَ أيام المستنصِر من بني عبدِ المؤمن، فسَعَى عندَه في افتكاكِه كبيرُ وُزرائه أبو سعيد عثمانُ بن أبي محمد بن عبد الله بن جامِع لموَدّاتٍ كانت بينَهما، فيسَّر اللهُ إنقاذَه من أسْره ذلك، وقُدِّم حينَئذٍ قاضيًا بشاطِبة، فاستمرَّ قضاؤه بها إلى سنة اثنتينِ وعشرينَ وست مئة، فانتَقلَ إلى مَرّاكُش، وحَضَرَ مجلسَ أبي الحَسَن ابن القَطّان، فكان ابنُ القَطّان يُجلُّه وَيعرفُ حقَّه ويُحضُّ أهلَ مجلسِه على الرواية عنه والتردُّدِ إليه. ثم عاد إلى الأندَلُس، واستُقضيَ بشَرِيشَ وجَيّانَ وقُرطُبةَ في أوقاتٍ مختلفة، وأعيدَ ثانيةً إلى قضاءِ شاطِبة مضافًا إلى الخَطابة بجامعِها، وفَصَلَ عنها سنةَ ست وثلاثين، فاستُقضيَ بسَبْتةَ ثم فاسَ ثم بأغماتِ وَريكة، ووَلِيَ خُطّةَ المَناكح وقضاءَ النِّساءِ بمَرّاكُش غيرَ مرّة، وعُرِف في ذلك كلِّه بالعدلِ والنزاهة وشدّةِ الوطأةِ على أهل البِدَع وإخافتِهم وتطهيرِ مواضع نظَرِه منهم.

وكان رَيّانَ من الأدب كاتبًا بليغًا دَمِثَ الخُلُق ليِّنَ الجانب، فقيهًا حافظًا، عاقدًا للشّروط متقدِّمًا في البَصَر بعِلَلِها، كتَبَ طويلًا عن قاضي الجماعة بمَرّاكُش أبي جعفر بن مَضَاءٍ ثم عن أبي القاسم ابن بَقِيّ أيامَ وَليَ قضاءَ الجماعة أيضًا، وأسَنَّ مُمتَّعًا بحواسِّه جُمَع، صحيحَ البدَن، أزهرَ اللون، سريعَ المشي على كَبْرتِه، شاهدتُ ذلك منه، يَكتُبُ باللّيل من الخطِّ الدّقيق وهو قد ناهزَ السبعينَ ما يكادُ يعجَزُ أكثرُ الفِتيانِ عن قراءتِه بالنهار إلّا بتعمُّل، ولقد حدَّثني الشيخُ أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ رحمه اللهُ قال: كنتُ أقرأُ عليه روايتَه كتابَ «التقَصِّي» بدِهليزِ دارِ سُكْناه، وكان مُظلمًا، وكان جلوسُه في قَعْرِه، وكنتُ أتحرَّى الجلوسَ في أضوإِ موضعٍ منهُ، فربّما وقَعَتْ في حواشي نُسختي منه رواياتٌ مختلفة، فأريدُ تمييزَ ما يوافِقُ روايتَه من غيره، فلا أستطيعُ ذلك؛ لدقّةِ خطِّها وإظلام الموضِع الذي كنتُ أقعُدُ فيه على أنه أضوأُ من غيرِه كما ذكرتُه، فيتناولُ الكتابَ من يدي فيقرأُها دونَ توقُّفٍ ويَعرِّفُني ما يوافقُ روايتَه منها فأُعلِّمُ عليه. وكان حينَئذٍ ابنَ نحوِ سبعينَ سنةً وأنا ابنَ واحدٍ وأربعين. وكان له في ذلك وشِبهِه، ما يَكثُرُ منه العجَبُ، وعرَفْتُه من وَصفِ شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ ذلك الدِّهليزَ؛ لأنه دِهليزُ داري التي تقَدَّم ذكْرُ سُكنَى الشّيخ أبي الحَسَن ابن قُطْرال إيّاها.

وُلد بفاسَ سنةَ ثِنتينِ وستّينَ وخمس مئة، وتوفِّي عَفَا اللهُ عنه يومَ الاثنين لإحدى عشْرةَ ليلةً خَلَتْ من جُمادى الأُولى عامَ أحدِ وخمسينَ وست مئة بمَرّاكُشَ وهو يتَولَّى خُطّةَ المناكح وقضاءَ النِّساء، ودُفنَ بجَبّانةِ بابِ المخزَن من أبوابِها الغربيّة، واحتَفلَ الناسُ لحضورِ جَنازتِه، وكنتُ ممّن حضَرَها، وأثنَوْا عليه خيرًا، وكان أهلًا لذلك.

وذكَره ابنُ الأبّار آخرَ رَسْم من الأندَلُسيِّينَ، وقال: من أهل قُرطُبة؛ لِما غاب عنه مَولدُه ولتعصُّبِه المعهودِ منه، وقال في وفاته: إنّها في ربيع الأول، ولم يُحقِّقْها، وأسقَطَ أحدَ اليوسُفَيْنِ من نَسَبِه، وذكَرَ في لقائه كثيرًا من أشياخِه خلافَ ما وقَفْتُ عليه في خطِّ أبي الحَسَن نفسِه، فرأيتُ التنبيه على ذلك تحقيقًا وتثبيتًا، فأقولُ: ذكَرَ أنه سَمِع ببلدِه، يعني قُرطُبةَ، أبا العبّاس ابنَ مَضَاء، وقال ابنُ قُطرال: إنه لقِيَهُ بمَرّاكُش، وهو الصَّحيح؛ لأنّ ابنَ مضاء لم يكنْ بالأندَلُس وقتَ طلَبِ ابن قُطْرَال العلمَ، وإنّما عاد إليها بأخَرةٍ، وبعدَ تأخيره عن القضاء كما تقَدَّم في رَسْمِه. وذَكَرَ أنه سَمِع بقُرطُبةَ أبا القاسم بنَ رُشْد القَيْسيَّ، وابنُ قُطرال إنّما لقِيَه بمَرّاكُش وقرَأَ عليه وناوَلَه وأجازَ له، كذا وقَفْتُ عليه في خطِّه، وقد كان أبو القاسم القَيْسيُّ هذا انقَطعَ إلى سُكنى مَرّاكُشَ قديمًا. وذَكَرَ أنه لقِيَ ابنَ الفَخّار بمالَقةَ، وإنّما لقِيَه بمَرّاكُش وزادَ فيمن لقِيَ بغَرناطةَ أبا بكر بنَ أبي زَمَنِين، ولم يُجرِ له أبو الحَسَن ذكرًا في شيوخِه. وقال: ولقِيَ بسَبْتةَ أبا محمد بنَ عُبيد الله وأجاز له، وأجاز له أبو بكرٍ ابنُ الجَدّ، وأبو عبد الله بنُ زَزقون، وأبو محمد بن جُمهُور، وأبو عبد الله بن حَمِيد، وأبو العبّاس المَجْرِيطيُّ، وأبو محمدٍ عبدُ المُنعم ابن الفَرَس، ولقِيَ جميعَهم.

قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: يقتضي هذا لقاءه إيّاهم وحَملَه عنهم بالإجازة لا غيرُ، فلا بدَّ من كيفيّةِ حَملِه عنهم بغير الإجازة حسبَما وقَفْتُ عليه في خطِّ أبي الحَسَن، فأمّا أبو محمد بنُ عُبيد الله فقال: لقِيتُه بسَبْتةَ وحضرتُ مجلسَه وكتَبَ في بجميع ما يحمِلُه؛ وأما أبو بكر ابنُ الجَدّ، فقال: لقِيتُه بإشبيليَةَ، وحضَرتُ مجلسَه وسمِعتُ عليه أبوابًا من «الموطَّإ»، وأجاز لي سائرَهُ وجميعَ ما ألَّفه وجميعَ ما يحمِلُه، وأمّا أبو محمدٍ بنُ جُمهور فلم يَذكُرْ أبو الحَسَن لقاءهُ إيّاه ولا أبعدَه، ولكنّ عُهدةَ لقائه على ابن الأبّار. وذكَرَ إجازتَه كذلك.

وأمّا أبو عبد الله بنُ حَمِيد فلم يُجرِ له أبو الحَسَن ذكْرًا في فِهرستِه، وقد وقَفتُ على ذكْرِه في شيوخِه بخطَه في مكتوبٍ آخَرَ، وأمّا أبو العبّاس المَجْرِيطيُّ فقد تقَدَّم ذكْرُ ملازمتِه إياه، ونزيدُ الاَنَ قولَ أبي الحَسَن: قرأتُ عليه كتابَ «السُّنَن» لأبي داودَ، وأنشَدَني قصائدَ من شعره ولم يَذكُرْ أنه أجازَ له. وأمّا أبو محمد عبدُ المُنعم ابن الفَرَس فقال: لقِيتُه بغَرناطةَ فحضَرْتُ مجلسَه، وكان يقرأُ عليه دولةً من «سِيبوَيْه»، ودولةً من «الكامل» للمبرِّد قراءةَ تفهُّم وشَرْح، وأخرَجَ إليّ كتابَه في أحكام القرآن، فقرأْتُ عليه بعضَه، وناوَلَني سائرَه، وذكَرَ أنه ناوَلَه غيرَ ذلك، ولم يَذكُرْ أنه أجازَ له.

فهذا بيانُ ما أخَلَّ به ابنُ الأبّار من ذكْرِهم؛ وقد أغفَلَ منهم ابنَ عَرُوس ولقِيَه بغَرناطةَ وحضَرَ مجلسَه وناوَلَه بمنزلِه كُتُبًا ذكَرَها، ولم يَذكُرْ أنه أجازَ له؛ وأغفَلَ أبا عبد الله ابنَ سَعادةَ، قال أبو الحَسَن: لقِيتُه بشاطِبةَ وسمِعتُ منه «كتابَ مُسلم» قراءةً علينا بلفظِه، ولم يَذكُرْ أنه أجاز له؛ وأغفَلَ أبا محمد بنَ حَوْطِ الله، وقال أبو الحَسَن: رحلتُ إليه إلى مالَقةَ فقرأْتُ عليه الكتابَ العزيزَ بحرفِ نافع، و«كتابَ البخاريِّ»، و«الإيضاحَ» وعرَضتُه عليه عن ظهرِ قلبِ في دُوَل، وقرأتُ عليه «أدبَ الكُتّاب» و«الحماسة»، وشاركتُه في كثيرٍ من شيوخِه ثم صَحِبتُه بعدَ ذلك مسافرًا ومقيمًا، وسمِعتُ عليه أكثرَ «كتابِ مُسلم» وقتَ كونِه قاضيًا بقُرطُبةَ، ولم يَذكُرْ أنه أجاز له؛ وأغفَلَ أبا الحُسَيَن ابنَ الصائغ، وقال أبو الحَسَن: لقِيتُه بإشبيلِيَةَ وأجاز في جميعَ ما يحمِلُه وكتَبَ لي بذلك؛ وزادَ ابنُ الأبّار فيهم أبا بكر بنَ أبي زَمَنين، وأبوي القاسم: ابنَ بَقِيّ وابنَ حُبَيْش، ولم يُجرِ لهم أبو الحَسَن ذكْرًا في فِهرستِه ولم يَذكُرْ فيها إجازةَ أحدٍ ممّنِ اشتَملتْ عليه سوى مَن نبَّهْنا عليه فاعلَمْهُ، واللهُ الموفِّق.

  • الذيل والتكملة 5/ 5-11.
  • أوردت ترجمته ضمن القراء وإن كانت شهرته رواية الحديث لما ورد في الترجمة أنه قرأ القرآن بحرف نافع على ابن حوط الله.
Science

ذ.سمير بلعشية

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق