مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةمفاهيم

روائق التنكيت في اعتبار النظر القياسي لضبط أوجه الأداء القرائي عند الحافظ أبي عمرو الداني (ت‍ 444 ه‍)

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين وصلوات ربي وسلامه على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد؛

فإنَّ قانون الوراثة الأدائية في تلقي أوجه الكلم القرآني وبذْله، وتحمُّل ما صَحَّ من صور ألفاظه واشتهر وتجريد أنحائه وما إليه؛ ناهضٌ على رعْي مسارب السياسة النطقية اللغوية، المتناصرة  بالعالي المُبين من فروع نظم القرآن اللسانية المجمع عليها، خاصة بعد استوساق الملامح الأدبية العامة للعرضة الأخيرة كلمةِ العَقِب المعجزة الباقية، مع ما تضمّنه المصحف العثماني بملابِسات رقْمه وكَتْبه وحَلْي هجائه وما إليه، ثم ما رافق ذلك من أدبيات الملاطفة السَّمحة في تَخيُّر من يتولى مَهمة بثِّه في الناس، وتذييع حرفه بالأقطار على الصفة المتلقّاة من نبْع الحضـرة النبوية الأفصحيه على فاردها أزكى الصلوات وأتمُّ التسليم، فلأجل ذلك وغيره كانت السبيلُ الأرْجى في حَمْل الكافَّة على تحصيل صريح نصه وادِّراك خُبْرِه وخَبَرِه، ثم دفْعِ ما قد يطرأُ من أمائر الرَّيْن عن نُقاوة لُبِّه؛ قائمةً  على اللَّيْط بشعبة السماع المرجوّ الفاقِه، والرِّدَّة على جَدَد العَرْض المبثوث النَّابِه، والتلفُّع بمُروط المشافهة الحَذِرة، والاعتماد على مَعَدِّ الملاسنة اليَقِظة، الكاشفة عن الكُنْه اللفظي ووعْي الهيئات النطقية للحرف وظواهره وما إليه، مما يُثار بمَكْمن الحضـرة أو يُتْلى فيُدْرى بحيّز ظرف المقارئ (زمانا ومكانا)، أو غيره مما تنزَّل منزلة ذلك من سائر أنماط التحمُّل والتوقيف الفنِّية المعتبرة وما إليه، قال الجلال السيوطي (ت‍ 911 ه‍) [أما القراءة على الشيخ؛ فهي المستعملة له سلفا وخلفا، وأما السماع من لفظ الشيخ؛ فيحتمل أن يقال به هنا، لأن الصحابة رضي الله عنهم إنما أخذوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم يأخذ به أحد من القراء، والمنع فيه ظاهر، لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته بخلاف الحديث؛ فإنَّ المقصود فيه المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضـي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه نزل بلغتهم، ومما يدل للقراءة على الشيخ عرضُ النبي صلى الله عليه وسلم القرآنَ على جبريل في رمضان كل عام] [الإتقان 1/99]، ولعل من أنصع الشواهد الدالة على خَفَقان هذا الأدب المفرد الباعث على لزوم الأخذ من المشيخة العتُق، ولزوم مَشْـرعة رِيِّها ما نقله الداني (ت‍ 444ه‍) مسندا عن عاصم بن بهدلة (ت‍ 127 ه‍) قال: قلت للطفيل بن أُبيّ بن كعب (ت‍ 81 – 90ه‍): إلى أيّ معنى ذهب أبوك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُمرْتُ أن أقرأ عليك القرآن) ؟ قال: ليقرأ عليَّ فآخذ ألفاظه [شرح الخاقانية 2/40]، قال ابن قتيبة (ت‍ 276 ه‍): (إنما أراد صلى الله عليه وسلم بذلك العرض على أُبيّ؛ أن يتعلم منه القراءة ويستثبت فيها وليكون عرض القراءة سنة) [فضائل القرآن ص 359]، ولأجل تثبيت هذا المنْحى ولحْظه نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم عزائم أصحابه رضي الله عنهم بقوله: (خذوا القرآن من أربعة؛ عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة) [البخاري 3548، مسلم 2464]، فهذه مزيَّة فضْل بادية وخالصة فقْه نامية؛ خُصّ بها جَبينُ أولاء الصَّحب الكرام المرتضين من جهة انتصابهم أَضبَطَ قَبيلٍ للفظ القرآن الكريم، وأقعد بأدائه وأشدّ تفرُّغاً للأخذ عنهم وتجرُّدا، مع اعتبار خِلال التمايز بين القراء تقدُّما وتمكُّنا وتحفُّظا …، قال الأندرابي (ت‍ 470 ه‍): (ومما يدلّ على ذلك أيضا أنك لا ترى أحدا من المعروفين؛ إلاّ وهو يسند قراءته إلى غيره، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر أنه لم يقرأ برأيه حرفا، مثل: عاصم ونافع وأبي عمرو وغيرهم، لم يكن له ذلك ولو كان له ذلك؛ لاستغنى كلّ واحد منهم من أن يقول: قرأت على فلان حتى تنتهي القراءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) [الإيضاح ص 90]، فلم تَزَلْ قافةُ القرأة تتقصَّص حذافير هذا المَهْيَع الفريد دَهْرهم، ولم تبْرَحْ صيارفة التُّلاّء على عَذْق تمْره عاكفةً مستبصرةً مهْتدية … ذُريّةً بعضُها من بعض، تبْغي مِن اعتماد حبْل الرواية واللَّجَإ إلى مأْرِز السماع المباشر ومَدِّ رِواقه سابغاً؛ الاستيلاءَ على أهدى ذرائع العصمة الأدائية، والاستواءَ بأَرْحَب أَفْنية الصيانة القرائية كابراً عن كابر، سَرِيّاً عن مَلِيٍّ مُذاكِر، قال الداني (ت‍ 444ه‍): (فكلّ قارئ أو مقرئ أهمل العرض واجتزأ بمعرفته، أو بما تعلم في المُكَتِّب من معلِّمه الذي اعتماده على المصحف أو على الصحائف دون العرض، أو تمسّك فيما يأخذ به ويعلّمه بما يظهر له فيه من جهة إعراب أو معنى أو لغة، دون المرويّ عن أئمة الأمصار؛ فمبتدع مذموم مخالف لما عليه الجماعة من المسلمين، تارك لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءَ القرآن من تلاوته بما عُلّمه وأُقرئ به …) [شرح الخاقانية 2/37]، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: قال عمر: (أُبيٌّ أقرؤنا، وإنّا لندع من لحن أُبيّ، وأُبيٌّ يقول: أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلا أتركه لشـيء) [البخاري 5005]، وعليه؛ فسياقة القصّة التي حُرِّف لأجلها سِنُّ الإفادة وجُرِّدتْ لمَخْض أوطابها ناشئات العزم؛ انْتِباذُ معالم الرعاية التامة المعتبرة في تتبع رِكاب الأثر، وقَفْوِ سَنن المجوّيدين في أداء الحرف القرآني – بداهةً – وأخذه، مع تبْدية ظواهر الاضطرار التأدّبي الصناعي، أو تجْلية لوامح الإلجاء الحقائقي الفنّي الموجبة لإعمال الفكر والنظر، والتفريع من أصل الوضع الأول أو الحمْل على النظير عند عدْم معاهد التنصيص وشواهدها، ثم استواء الدواعي المسوِّغة للتخريج على الوارد وما إليه، وعليه؛ فمُتعلَّق القول وغراس أُسِّه؛ كَمِنٌ في تَبْثيث شمائل الكُنيْف المقرئ الملهَم، وفتى القطر الغرْبي الموفَّق المعلَّم، مأْثُرة أرباب القراءة الأعلام ودُرَّة الأعيان النظار الفرسان، من أَتَتْه البراعة الأدائية لفنون التنزيل تجرُّ أذيالها، وانقادت له وفود جياد الأفكار دِراكاً تَتْرا، ولبَّته حِسان الأنظار العواصم سرّا وجهرا، لما آنست فيه من المشْـرع الرِّوى الأصفى لها، الحافظ الثَّبْت الشّفّ الحُجَّة أبو عمرو الداني (ت‍ 444 ه‍) قدّس الله سرَّه وبرَّد ضريحه، صاحب المذهب الأثري الرصين، والمنحى الاِتباعي المكين، مَن أصفقت النقاد ـ قدامى ومحدثين ـ  على إمامته في السبع القراءات عامة، وأجمعتْ على ريادته في مرويّ نافع على التَّعيين بالمدرستين المغربية والمشـرقية وامتداداتهما طُرّاً، ثم هو صاحب الاختيارات العتيدة الرضيّة الشهيرة، من بَذَّ الأقران من الجلّة القراء الأفذاذ وبرَّز عليهم، في تلطُّف عالٍ جَمّ وتأدُّب فَذٍّ عزَّ له النظير؛ أمثال: مكّي (ت‍ 437 ه‍) والمهدوي (ت‍ 440 ه‍) والقرطبي (ت‍ 461 ه‍) وابن شريح (ت‍ 476 ه‍) وغيرهم؛ ممن ينضوي إلى لواء المدرستين القيروانية والأندلسية، فاتُّخذت – لحذاقته- اختياراته الأدائية ومذاهبه القرائية عمدة الإشراف في تحرير مسائل الخلاف بين أئمة الأمصار (رسما، ضبطا، عددا، قراءة، أداء، عزوا، علة …)، مما ذَيَّعَتْ له فرائد أوضاعه ك‍َ: الجامع والتيسير والتجديد والمقنع والمحكم … قال الشمس الجزري (ت‍ 833ه‍) [ومن نظر كتبه؛ علم مقدار الرجل وما وهبه الله تعالى فيها، فسبحان الفتاح العليم] [الغاية: 1/504-505،  تر 2091]، ثم إنَّ ألمع ملمح طَبَع منهج الرجل عند نقده قضايا القراءات وفَسْـرِ ألغازها، وتحرير مسائل الخلاف وعلاج ما أَشكَل منها؛ مصَوَّرٌ في: إمعانه في تتبعه الأثر ومُثافنة وِطائه قبل إعمال آلة الفكر والنظر، وتقحُّم لُجّة التأويل أو التخريج إجراءً وإلحاقاً …، وقد حفظنا عنه مَنْبَهَته السائرة الدالّة على مَنْحَاته عندما قال: (وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرءان؛ على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت ـ عنهم ـ  لم يردَّها قياسُ عربية ولا فشوُّ لغة؛ لأن القراءةَ سنةٌ متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها) [الجامع ص 396 ، [ذكر همز (بَارِئِكُم): 53]، فالقراءة سنّة مضبوطة لا تُتعدَّى، والنظر والتعليل والقياس مسالك من وراء ذلك، تُجْتلب متى توافرت شرائطها أوتراكبت ضرائرها وما إليه، ثمَّ لا يذهبَنَّ عن ذي اللُّب الفطن أبعاد هذا المنزع الروائي واتساع مطارح غايته، وأنَّ العلم فطنة ودراية آكد منه سماعا ورواية، وللدراية ضبطها ونظمها، وللرواية نقلها وتعلُّمها، كما يقول الحافظ الداني (ت‍ 444ه‍)، خاصة ما كان من نص الكتاب العزيز بمحلِّ الإنسان من العَيْن وعُدَّ ملاكَ تأويلِه وجماعه، وتقريبُ ذلك وتلخيصُه كَمِنٌ في أن المغْنى؛ ليس ترك إعمال النظر والتأويل – رأسا – للذي لم يرد به نص أو نقل أو أَثارةٌ من علمهما لبعض أوجه الحرف القرآني، والنكوص على العقب في أمره أو ما أشبه، وإنما القصد هاهنا؛ سلوك سبيل القياس بشـرطه والحمْل على الذي لم يثبت له نص (متلوّ أو مكتوب) يفيد قرآنيته وتنزُّله، إذ لا يمكن فيه إلا ذلك (القياس) عند عدم الرواية في النقل والنص، ولا يكون مثله إلاّ أقلّ، كما يرى العلامة مكّي بن أبي طالب (ت‍ 437 ه‍) [التبصـرة ص 392]، ثم القياس المقبول المعتبر الذي جرى ذكره في الوسط القرائي، ومَسَّ طيْفه مباحث مصنفات الأشياخ القراء ذوي الشـأن والإنافة؛ إنّما هو ما كان له أصل وثيق يَنْتطق به، أو رُكْن شديد يَفيء إلى وريف ظلِّه فيُبنى عليه ويستدُّ بأَرومته، لا ما كان مجرَّداً مُرْسلاً من غير ماسك يضبطه أو زمام يَعْقله، قال الشمس الجزري (ت‍ 833 ه‍): (أمّا إذا كان القياس على إجماع انعقد أو عن أصل يُعتمد، فيصير إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء؛ فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي ردُّه، لا سيما فيما تدعو إلىه الضـرورة وتمسّ الحاجة مما يقوّي وجه الترجيح ويعين على قوة التصحيح، بل قد لا يسمى ما كان كذلك قياسا على الوجه الاصطلاحي، إذ هو في الحقيقة نسبة جزئي إلى كلي، كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القراء) [النشـر 1/17،18]، فعَلى هذا السراط الناهج جرى عمل أئمة القراء منذ عهود التدوين الأُوَل طبَقاً عن طَبَق … خاصة باب الأصول (لكثرة دورانها وجريان القياس فيها) [جامع البيان 1/460]، إلا ما عُدَّ غلطاً في الفهم أو تفوُّتاً في التصوّر مما رُمي به سَرَفاً بعضُ أفذاذ الأئمة كَ‍: ابن عامر والفرّاء والزمخشري وغيرهم، وأن الواحد منهم يقبل القياس مجرّدا مطلقا على عَلاّته من غير انقياد لأصل أو استصحاب حال أو ما شابه، قال الحافظ الداني (ت‍ 444 ه‍): (إذا أصّل العالم الأصل أولاً، وأطلق القياس على نظائره، ثم ذكر منه الحرف والحرفين بخلاف ما أصّله، فحينئذ يمنع من أن يُجعل ذلك ناقضاً للأصل، ويحكم له بالندارة، فأما إذا أضرب العالم عن ذكر الأصل أوّلاً، وذكر منه الحرف والحرفين بلفظ ما، فلا خلاف بين أهل الاضطلاع بمعرفة الحروف ونقلها أن سائر الأصل يرد إلى ذلك اللفظ بعينه، ويجعل قياساً عليه، وهذا هو المتعارف عند أهل الأداء وسائر العلماء في الأحكام وغيرها ….) [إيجاز البيان اللوحة 28 الوجه (ب)] ، ثم إنّ مما ناصر به ذلك؛ قوله رحمه الله في التحديد له: (وقراء القرآن متفاضلون في العلم بالتجويد والمعرفة بالتحقيق، فمنهم من يعلم ذلك قياسا وتمييزا، وهو الحاذق النبيه، ومنهم من يعلمه سماعا وتقليدا وهو الغبيُّ الفهيه) [ص 67]، وعليه؛ فنَقَلةُ حروف القرآن منازل في نقل حروفه ومراتب في ضبط أحوالها، إذ منهم المعرب الخبير بأوجهه المحيط بلغاته، البصير بالعلل والقوادح المختبر للآثار والأخبار الناقد لها، فهذا ومثله أعلى من قُلِّد القراءة وفُزع فيها إليه، ومنهم المقتصد المقتصر على نعت أو نعوت مما نبَّه عليه ابن مجاهد (ت‍ 324 ه‍) في مقدمة السبعة [ص 45، 46]، فما الاختيار القرائي في أخص وجوهه وألطف محامله؛ إلا نوع تقدير وتأويل واعتبار وفَرْز من حيِّز المروي الثابت وفَلَكه، على تفاوت بين مُكتملي الأهلية، وما لَفَّ هذا اللِّف واعتلق به من فرائد المعاني، وهذا كله – عند الداني – قياس على الأصول، واستنباط منها على ما يوجبه التحقيق والنظر، تَتُوق نَفْس الأئمة القراء من ورائه إلى تنويع روافد الأخذ، وتكثير مراصد اطِّلاع التحمُّل والأخذ لغير المنصوص عليه من أوجه القرآن الكريم، وفي غير تعارض مع مبدإ توقيفية القراءة،  قال الحافظ الداني (ت‍ 444ه‍): (ولا أعدو في شيء مما أرسمه في كتابي هذا: ما قرأته لفظا، أو أخذته أداء، أو سمعته قراءة، أو رأيته عرضا، أو سألت عنه إماما، أو ذكرت به متصدرا، أو أجيز لي، أو كتب به إلي، أو أذن لي في روايته، أو بلغني عن شيخ متقدم، أو مقرئ متصدر بإسناد عرفته وطريق ميزته، أو بحثت عنه عند عدم النص والرواية فيه، فألحقته بنظيره، وأجريت له حكم شبيهه) [جامع البيان، مقدمة المؤلف]، وذلك مثل قياس (قالَ رَجُلان) و (قال رَجُلٌ) على (قالَ ربِّ) في الإدغام كما ذكره الداني ونحوه مما لا يناقض نصا أو إجماعا أو أصلا [النشر/1/17،18]، فهذه منازل التحمل عند الداني رحمه الله ومدارج مآخذه؛ تُنبئك عن سعة فقه الرجل ورزانته في ترتيب مقاليد الأولوية الحُكمية، وَفْقَ مدارك الأخذ المعتبرة الآنفة، كما تدلُّك على صريح فهمه ونَباوة فقهه في باب التلقي واستيعاب أوجه اللفظ القرآني وتعيين مخارجه، ثم تحصيل أوضاع رسمه وصوته، كما يصدع به مجاهرا عن صنَعه قائلا: وبالغت في تلخيص ذلك وتقريبه، واجتهدت في إيضاحه وتهذيبه، وأعطيته حظا وافرا من عنايتي، ونصيبا كاملا من درايتي [جامع البيان، مقدمة المؤلف].

وعليه؛ فهذه نماذج كافلةٌ معبِّرة تستوي شواهد ساطعة على تصوير مذهب الحافظ الداني (رحمه الله) في عرض مساقط الخلف القرائي وتوجيهه وتعليله وعزوه، كما تَنِمُّ عن إِجْرِيَّاه في التخريج والحمْل والقياس المخصوص، قد بسطها في دماثة أسلوب ورهافة حسّ وجودة طبع وما إليه، فجعلها خِصِّيصى تصنيفاته المبذولة المأنوسة أو التي ليس للإفادة منها إلا طريق الواسطة، قال رحمه الله: (وروى أبو حمدون وأبو عبد الرحمن (أؤنبّئكم) بغير مدّ، قالا: لأنها من (نبأت)، وما قدّر وخرج عن القياس فليس سبيله أن يجعل أصلا يعمل عليه في بعض نظائره، ولا سيما إذا أنيطت ندارته بعلة تمتنع في سواه)  [الجامع (باب ذكر مذاهبهم في الهمتين المتلاصقتين في كلمة، فقرة 1445، طبعة الشارقة)]، ثم زاد: (وقد أجاز بعض علمائنا في الياء والواو البدل والإدغام في الوقف؛ حملا للأصل  على الزائد، وذلك قياس ما حكاه ابن  واصل، وأبو أيوب  الضبّي عن أصحابهما، عن حمزة: من الوقف على قوله: (شَيْئا) [البقرة: 48] و(كَهَيْئَةِ) [آل عمران: 49] بالتشديد، على أن الضبّي قد روى عن أصحابه: الوقف على (لتنؤا) [الإسراء: 7] 5 بتشديد الواو، فدلّ على إجراء القياس في نظائره، وبذلك أقرأني أبو الفتح  عن قراءته) [الجامع (باب ذكر بيان مذهب هشام عن ابن عامر وحمزة في الوقف على الهمزة المتطرفة)،
ثم أفاد: (وأظهر الدال عند التاء نافع في رواية المسيّبي، وذلك قوله: (قَد تَّبيَّنَ الرُّشْدُ) [البقرة: 256] لا غير، فسألت أبا الفتح عند قراءتي بروايته عن إطلاق القياس في نظائره؟ فأبى ذلك، ومنعني من إجراء القياس، وقال لي: إنما ذلك في هذا الموضع خاصة)  [الجامع (مبحث الدال عند التاء)]، وقال أيضا: (اعلم أن الذين وردت عنهم الرواية باتّباع مرسوم الخط عند الوقف من أئمة القراءة خمسة: نافع وأبو عمرو والكوفيون وعاصم وحمزة والكسائي، ولم يرد عن ابن كثير وابن عامر في ذلك شيء يعمل عليه، واختيارنا أن يوقف في مذهبهما على مرسوم الخط كمذهب من جاء عنه ذلك نصّا إذ مخالفته والزوال عنه إلى غيره بغير دليل من خبر ثابت أو قياس صحيح غير جائز) [الجامع (باب ذكر مذاهبهم في الوقف على مرسوم الخط …)] ونظائر ذلك عديدة، فلتنظر في مواضعها.

على أنه لا ينبغي أن يقع في النفس شيء مما يَشي به قول الوليّ الصالح أبي القاسم الشاطبي (ت‍ 590 ه‍): (وما لقياس في القراءة مدخل) مع قوله كذلك في الإمالة: (واقتس لتنضلا)، إذ يبعد في العقل والعادة إثبات الأمر والنهي معاً لعيْن واحدة، كما يفهم من قول الشاطبي الآنف، قال البرهان الجعبري (ت‍ 732 ه‍): (فأمر به ونهى عنه) يريد القياس، ثم أجاب فقال: (هذا من قبيل المأمور به لا المنهي عنه)، والمراد به أنه حمل على النظير عند فقْد النص على عيْنه، قال النويري (ت‍ 857ه‍): (وكذا الأوجه التي بين السور وغيرها، فإنه قياس وقع الإجماع عليه حتى صار أصلا يعتمد عليه) [شرح الطيبة]، ومما يزيد هذا المنحى – مخالفة الداني للمنهج العام في الاعتماد على الرواية المعتبرة ونبذ القياس – جلاء وتَبْدية صنَعُ الداني في حمْل لفظ (يُمِلَّ) على (ثُمَّ) وحمل (ثُمَّ) على الواو من قوله تعالى (أَن يُّملَّ هو)، فقد قال: (إنّ إسكان هاء (أَن يُّملَّ هو)؛ إنما هو محمول على إسكان هاء (ثُمَّ هو) من حيث شاركت كلمة (يُمِلَّ) كلمة (ثُمَّ) في الانفصال والتضعيف، كما أنّ إسكان (ثُمَّ هو) محمول على إسكان (وَهْو) (فَهْو) من حيث شاركت (ثُمَّ) الواو والفاء في العطف، وساغ حمل المنفصل على المتصل في التخفيف وغيره، وكذا إسكان هاء (لهو) محمول أيضا عليهما من حيث شاركتهما اللام في الاتصال وامتناع الانفصال؛ ف‍ (يُمِلَّ) محمول على (ثُمَّ) و(ثُمَّ) محمولة على الواو والفاء، واللام محمولة عليهما، وقد يجوز أنت كون اللام هي أصل إسكان الهاء، لاتصالها بها واختلاطها بها، ثم تحمل الواو والفاء عليها لأجل الاشتراك في الاتصال، ثم تحمل (ثُمَّ) عليهما، لاشتراكهما معا في العطف ثم تحمل (يُمِلَّ) عليهما، لما ذكرناه، وإذا كان ذلك كما قلناه؛ فمحال أن يسكن هاء (أَن يُّملَّ هو) ويضم هاء (ثُمَّ هو)، وإسكان هذه أصل لإسكان تلك، يوجد فيها بوجوده ويعدم فيها بعدمه، هذا لا شك فيه ولا امتراء في صحته) [جامع البيان (ذكر اختلافهم في سورة البقرة)]، وغيرها من الشواهد المصورة لمخالفة الداني لمنهجه العام مما تُرك اكتفاء، لدلالة ما قُصَّ على جَليَّة حاله الكَمِنة في أن الاختيار أو الاجتهاد الواقع؛ إنما هو اصطفاء وانتخاب من المروي وتَوخِّي الوجْه الأبلغ الأليق بحال المقروء، وما نجده من وقوع بعض الأئمة في الآخر والزِّراية عليه أوالنّكارة؛ فإنه يُحمل على أصدق الظنون وأحسن الأحوال، من أن النكير إنما هو من جهة كونه خالف الأليق ولم يُوفَّق لاختيار الأولى [المعيار 183، 184].

وعليه؛ فالقياس المنبوذ الذي تمتنع القراءة بموجبه؛ هو ما أُطلق حَبْله أو أُرسل رَسَنه على جهة التجرّد والاستقلال، فانفكَّ بذلك عن الأصل الوثيق المعتمد عليه في الرواية والأداء [البرهان للزركشي 1/321]، ثم المباح منه ما كان له اتّصال بدليل أو إجماع أو ما شابه، وإن كان مثل هذا الضَّرب قليلة أمثلته، ضيِّقة دائرته لا يُطرق إلا لِماماً، ثم هو غير مؤثر أوغامز لأوجه القرآن المتلوة المسموعة المروية، بل إنَّ القياس المنضبط المعتبر؛ ذريعة من ذرائع إثبات التوقيف شرعا، ومُدْرَكٌ من مدارك الحق ودليلٌ على بيِّنة هُداه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع

Science

د.مولاي مصطفى بوهلال

    • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق