مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةأعلام

الحلة السيراء فيمن حل بمراكش من القراء -13- سَهْلُ بن محمد مالكٍ الأَزْديُّ، غَرْناطيٌّ

(من كتاب الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي ت703ه‍)

-13- سَهْلُ بن محمد بن سَهْل بن أحمدَ بن مالكٍ الأَزْديُّ، غَرْناطيٌّ، أبو الحَسَن(1)

رَوى ببلدِه عن خالِه أبي عبد الله بن عَرُوس، وخالِ أُمِّه أبي بكرٍ يحيى بن محمدِ بن عَرُوس، وأبي جعفر بن حَكَم، وأبي الحَسَن بن كَوْثَر، وأبي خالدٍ يزيدَ ابن رِفَاعةَ، وأبي محمد عبد المُنعِم ابن الفَرَس، وبمالَقةَ عن أبي زَيْد السُّهَيْلي، وأبي عبد الله ابن الفَخّار، وبمُرْسِيَةَ عن أبي عبد الله بن حَمِيد، وأبي القاسم بن حُبَيْش، وبإشبيلِيَةَ عن أبي بكرٍ ابن الجَدّ، وأبي عبد الله بن زَرْقُون، وأبوَي العبّاس: ابن مَضاءٍ والجُرَاويِّ الشَّاعر، وأبي الوليد بن رُشْد، قرَأَ عليهم وسَمِع وأجازوا له.

وأجاز لهُ من أهل الأندَلُس: أبوا محمد: ابنُ عُبَيد الله نَزيلُ سَبْتةَ وعبدُ الحقِّ ابن الخَرّاط نَزيلُ بِجَايةَ، ومن أهل المشرِق جماعةٌ منهم: إسماعيلُ بن عليِّ بن إبراهيمَ الجَنْزَويُّ، وبَرَكاتُ بن إبراهيمَ الخُشُوعيُّ أبو الطاهر، وعبدُ الرّحمن بن سَلامةَ بن يوسُف بن عليٍّ القُضَاعيُّ البَلَويّ، وابنُ علي بن المُسَلَّم، وعبدُ الوهّاب ابن عليّ بن عليّ ابنُ سُكَيْنةَ أبو أحمد، والقاسمُ بن عليّ بن الحَسَن بن عساكرَ أبو محمد، والمحمَّدونَ: ابنُ إسماعيلَ بن عليّ بن أبي الصَّيف أبو عبد الله وابنُ أبي سَعد الحَرّانيُّ وابنُ يوسُف بن عليّ الغَزْنَويُّ أبو الفَضْل ويحيى بن نَصْر بن محمد الكَرْماني.

رَوى عنهُ آباءُ جعفر: ابنُ خَلَف والطُّوسيُّ وابنُ سَعْدٍ القَزّاز، وأبو الحَسَن العُشْبيّ، وأبوا عبدِ الله: ابنُ أبي بكرٍ البُرِّي وابنُ الجَنّان، وأبوا محمد: ابنُ عبد الرّحمن بن بُرْطُلّه وابنُ محمد بن هارون، وأبو القاسم بن نبيل، وأبو يعقوبَ بنُ إبراهيمَ بن عُقاب. وحدَّثنا عنه من شيوخِنا: أبو جعفرٍ الطّبّاع، وأبو الحَجّاج بن حَكَم، وأبو الحَسَن الرُّعَيْني، وأبو علي ابنُ الناظِر.

وكان من أعيانِ مِصرِه، وأفاضلِ عَصْرِه، تفنُّنًا في العلوم وبراعةً في المنثورِ والمنظوم، محُدِّثًا ضابِطًا عَدْلَا ثقةً ثَبْتًا، حافظًا للقرآنِ العظيم مجُوّدًا له، متقدِّمًا في العربيّة، وافرَ النّصيب من الفقه وأصُولِه، كاتبًا مُجيدَ النَّظم في مُعرَب الكلام وهَزَليِّه، ظريفَ الدُّعابة مليحَ التندير، له في ذلك أخبارٌ مُستطرَفةٌ متناقَلة، ذا جِدَةٍ ويَسَار، متينَ الدِّين تامَّ الفَضْل واسعَ المعروف عميمَ الإحسان, تصَدَّق عند القُرب من وفاتِه بجُملةٍ كبيرة من مالِه ورِباعِه، وله وِفادةٌ على مرّاكُش، وامتُحِن بالتغريب عن وطنِه ببَغْي بعض حَسَدتِه عليه، فأسكِنَ مُرْسِتةَ مدّةً طويلة إلى أن هلَكَ بالمَرِيّة أبو عبد الله محمدُ بن يوسُف بن هُود المدعو بأميرِ المسلمينَ المتلقِّبُ بالمتوكِّل على الله آخِرَ جُمادى الأُولى سنةَ خمسٍ وثلاثينَ وست مئة، فسُرِّح أبو الحَسَن سَهْلٌ إلى بلِده في رمضانِ السنة.

وأنشَدْتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ رحمه الله بمَرّاكُش قال: أنشدَني بمُرْسِيَةَ لنفسِه مُلِمًّا بمحنتِه، يعني أَبا الحَسَن سَهْلَ ابنَ مالك [الطويل]:

أُدافعُ هَمّي عن جوانبِ هِمّتي     وتَأْبى همومُ العارفينَ على الدّفْعِ

وأَلتمسُ العُتْبى وحيدًا وعاتبي     وصَرْفُ اللّيالي والحوادثُ في جَمْعِ

وإنّيَ مِن عَزْمي وحزمي وهِمّتي     وما رُزِقَتْه النفْسُ من كرَم الطّبعِ

لَفي منصِبٍ تعلو السماءَ سِماتُه     فتَثبُتُ نُورًا في كواكبِها السَّبعِ

غلا صَرْفُ دَهْري إذ علا فإذا بهِ     تُرابٌ لنَعْلي أو غُبارٌ على شِسْعي

تدرَّعتُ بالصَّبرِ الجميل وأجلَبَتْ     صُروفُ اللّيالي كي تُمزِّقَ لي دِرعي

فما ملأَتْ قلبي ولا قَبَضَتْ يدي     ولا نَحتَتْ أصلي ولا هَصَرتْ فَرْعي

فإن عَرَضَتْ لي لا يَفُوهُ بها فمي     وإن زَحَفَتْ لي لا يَضيقُ لها ذَرْعي

في ثالثِ هذه الأبيات تضمينٌ، وهُو عند النُّقادِ عيب، وأنَّث السَّبْعَ في قافية الرابع غَفْلةً وحُكمُها التذكير.

قال شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ رحمه الله: ونقَلتُه من خطه وقرأتُه عليه: دخَلتُ عليه بمُرْسِيَةَ وبينَ يدَيْه شَمامةُ زَهْر، فأنشَدَني لنفسِه [الطويل]:

وحاملِ طِيبٍ لم يُطيَّبْ بطيبِهِ     ولكنّه عندَ الحقيقةِ طِيبُ

تألَّفَ من أغصانِ آسٍ وزَهْرةٍ     فمِن صِفَتَيْه زاهرٌ ورَطِيبُ

تعانَقَتِ الأغصانُ فيه كما التَقَى     حبيبٌ على طُول النَّوى وحبيبُ

وإنّ الذي أدناهُ بعدَ فِراقِهِ     إليَّ لَسِرٌّ في الوجودِ عجيبُ

مناسبةٌ للبَيْن كان انتسابُها     وكلُّ غريبٍ للغريبِ نَسيبُ

فبالأمسِ في أشجارِه وبدارِهِ     وباليومِ في دارِ الغريب غريبُ

وأنشَدَني شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ رحمه الله، ونقَلتُه من خطِّه، قال: أنشَدَني أبو الحَسَن -يعني هذا- لنفسِه [البسيط]:

مُنغَّصُ العيشِ لا يَأوي إلى دَعَةٍ     من كان في بلدٍ أو كان ذا وَلَدِ

والساكنُ النفْسِ مَن لم تَرْضَ همّتُهُ     سُكْنى مكانٍ ولم يَسْكُنْ إلى أحدِ

وكان كريمَ النفْس، نزيهَ الهِمّة، حَصيفَ الرأي، شريفَ الطِّباع، وَجيهًا مبرورًا، مُعظَّمًا عندَ الخاصّةِ والعامّة، وفيه يقولُ الكاتبُ أبو زيد الفازَازي [مجزوء الرمل]:

عجبًا للناس تاهوا     ببُنيَّاتِ المسالكْ

وَصَفوا بالفَضْل قومًا     وهمُ ليسوا هنالكْ

كَثُرَ النقْلُ ولكنْ     صحَّ عن سَهْل ابن مالكْ

نقَلتُها من خطِّ شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ وأنشَدتُها عليه، قال: أنشَدنيها الفقيه أبو زَيْدٍ الفازَازايُّ لنفسِه، وانتَحَلَها أبو بكرٍ الجلمانيُّ وكذَبَ، سَمَحَ اللهُ له.

ومحاسنُه رحمه الله كثيرة، وفضائلُه جَمّة. أنشَدتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ رحمه اللهُ، ونقَلتُه من خطِّه، قال: أنشَدَني لنفسِه غيرَ مرَّة [الطويل]:

نهارُكَ في بحرِ السَّفاهةِ يَسْبَحُ     وليلُك عن يومِ الرَّفاهة يُصْبحُ

وفي لفظِكَ الدَّعوى وليس إزاءَها     منَ العملِ الزّاكي دليلٌ مُصحَّحُ

إذا لم تُوافقْ فَعلةٌ منك قولةً     ففي كلّ جُزءٍ من حديثكَ تُفْضحُ

تَنَحَّ عن الغاياتِ لستَ منَ اهلِها     طريقُ الهُوَيْني في سلوكِكَ أوضحُ

إذا كنتَ في سنِّ النُّهى غيرَ صالحٍ     ففي أيِّ سنٍّ بعدَ ذلك تَصْلُحُ؟!

إلى كمْ أُماشيها على الرَّغم غايةً     يُصيبُ المُزَكَّى عندَها والمُجرَّحُ

لها وعليها لا تَنُوءُ ولا تَنِي     فتَحسُنُ في عينِ السِّبَارِ وتَقبُحُ

عسى وطَنٌ يَدْنو فألتمسَ الرّضا     وأَقرَعَ أبوابَ الرّشادِ فتُفْتَحُ

فقد ساءَ ظنّي بالذي أنا أهلُهُ     وفضلُكَ يا مَوْلايَ يَعْفو وَيصْفَحُ

وممّا طار من شعرِه قولُه وهُو بسَبْتةَ يتشوَّقُ إلى الجزيرة بعدَ فصولِه من مَرّاكُش [الكامل]:

لمّا حطَطْتُ بسَبْتةٍ قَتَبَ النَّوى     والقلبُ يرجو أن تُحَوَّلَ حالُهُ

والجوُّ مصقولُ الأَديمِ كأنما     يُبدي الخَفِيَّ من الأمورِ صِقَالُهُ

عايَنْتُ من بلدِ الجزيرة مَكنِسًا     والبحرُ يُمْنَعُ أن يُصادَ غزالُهُ

كالشَّكلِ في المرآةِ تُبصرُه وقد     قَرُبَتْ مسافتُه وعزَّ منالُهُ

وأنشَدَني في شيخنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ قال: أنشَدَني أبو الحَسَن، يعني هذا، لنفسِه في التحريضِ على التماس العلم وأوصَى به أحدَ بَنِيه [مجزوء الرجز]:

العلمُ شيءٌ حَسَنٌ     فكُنْ لهُ ذا طَلَبِ

وابدَأْهُ بالنَّحوِ وخُذْ     مِن بعدِهِ في الأدبِ

فإنْ أردتَ بعدَ ذا     جاهًا وفَضْلَ مكسَبِ

فافْهَمْ أُصولَ مالكٍ     واحفَظْ فُروعَ المذهبِ

وفي وَصْفِ شمعة [الطويل]:

ولا مثلَ يومٍ قد نَعِمنا بحُسنِهِ     مُذَهَّبِ أثناءِ المُروجِ صَقيلِ

إلى أنْ بَدَتْ شمسُ النهارِ تَرُوعُنا     بسَير صحيح واصفرارِ عليلِ

ولمّا توارَتْ شمسُهُ بحِجابِها     وآذَنَ باقي نورِها برحيلِ

وغابَتْ فكان الأُفْقُ عندَ مغيبِها     كقلبيَ مُسْوَدًّا لفَقْدِ خليلي

أتانا بها صَفْراءَ يَسطَعُ نورُها    فمَزَّقَ سِربالَ الدُّجَى بفَتيلِ

فرَدَّتْ علينا شمسَنا وأصيلَنا     بمُشبِهِ شمسٍ في شبيهِ أصيلِ

وكان أبو القاسم أحمدُ بن عُمر بن وَرْدٍ كثيرًا ما يُنشِدُ في تقريظِ طلبةِ العلم وبرَكة تلاقيهم للمُذاكرة [الطويل]:

إذا اجتَمَعوا جاءوا بكلِّ فضيلةٍ    وَيزدادُ بعضُ القومِ منْ بعضِهم عِلما

فوطّأَ له أبو الفَضْل عِيَاضٌ بقولِه [الطويل]:

ولله قومٌ كلَّما جئتُ زائرًا     وجدتُ نفوسًا كلُّها مُلِئتْ حِلما

وزادَ بعدَه:

أولئك مثلُ الطِّيبِ كلٌّ له شَذًا     ومجموعُهُ أذكَى أريجًا إذا شُمّا

قال شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ رحمه الله: وزاد عليه شيخُنا أبو الحَسَن سَهْلُ بنُ مالكٍ رحمه الله [الطويل]:

نفوسٌ على لفظِ الجِدال مقيمةٌ     فتُبصِرُها حَرْبًا وتَعقِلُها سِلْما

قال شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيّ: وزاد شيخُنا أبو بكرٍ محمدُ بن عَتِيق اللارِديُّ رحمه الله [الطويل]:

تعاطَوْا كُؤوسَ العلمِ في رَوْضةِ     فكلُّهمُ مِن ذلك الرِّيِّ لا يَظْما

وكلامُه نَظْمًا ونثرًا جيِّدٌ كثير، وصنَّفَ في العربيّة كتابًا مُفيدًا رَتَّبَ الكلامَ فيه على أبوابِ «كتاب سِيبوَيْه»، وله تعاليقُ نافعةٌ على «المُستصفَى في أصول الفقه»، إلى غير ذلك من فوائدِه.

مولدُه عامَ تسعةٍ وخمسينَ وخمس مئة، وتوفِّي بغَرناطةَ منتصَفَ ذي قَعْدةِ سنة تسع وثلاثينَ وست مئة، وزَعَمَ ابنُ الأبّار أن وفاتَه كانت سنةَ أربعينَ وست مئة، وليس بشيء.

  • الذيل والتكملة: 2/98-104.
Science

ذ.سمير بلعشية

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق