مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثغير مصنف

الأجوبة التونسية على الأسئلة الغرناطية

كانت لعلماء المغرب ـ وما تزال ـ عناية فائقة بجمع القضايا والنوازل الفقهية التي تلمّ بهم في مختلف الظروف والأزمنة والأمكنة، وقد امتاز القطر الأندلسي خلال الفترة الأخيرة من الحكم الإسلامي بتحرّك غير مسبوق في هذا الصنف من التأليف، إذ شهدت حركة المراسلات بين علماء العدوتين ارتفاعا ملحوظا نظراً لاستفحال حال مسلمي الأندلس وخصوصا مع سقوط آخر معاقلها، حيث اضطر علماء الأندلس ـ لقلّتهم واضطهادهم ـ إلى مراسلة إخوانهم في العدوة الدنيا يستفتونهم عن كثير من القضايا التي تخص المعاملات والمناكحات، وما نتج عن اختلاطهم واضطهادهم بين باقي الأجناس.

ومن هذا القبيل يأتي كتاب الأجوبة التونسية على الأسئلة الغرناطية، ليكشف الستار عن جوانب أخرى من أحوال المسلمين بآخر المعاقل الإسلامية بالأندلس وهي غرناطة.

ويعد مؤلّف هذا الأثر النفيس من أبرز فقهاء وقضاة القطر التونسي خلال النصف الثاني من القرن التاسع الهجري؛ فهو أبو عبد الله محمد بن القاسم الأنصاري الرصاع (تـ894هـ)، قال فيه الوزير السَّرَّاج «إنه حاز قصب السبق في البراعة، وامتلأت الآفاق بتنقيحاته، ووجوه الصفحات بتوقيعاته». وقد وردت عليه أسئلة من قبل خاتمة فقهاء غرناطة المجتهدين؛ محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق (تـ897هـ)، وهي في مسائل متنوعة بين قضايا طبية تخصّ الوباء والاحتراز منه، وأخرى فقهية تتعلق بحكم الطاعون، كما تعرّضت الأجوبة إلى مسائل أخرى حول الحبس، والوصايا، والنّفقة، والأكرية، والمغارم، وأسرى الحرب، وبناء المساجد، وتجويد القرآن. كما أنها تعبّر عن واقع مستجدّ بالأندلس في نهاية القرن التاسع الهجري، الذي تميّز بحراك اجتماعي مهمّ، ناجم عن اختلال موازين القوى بين غرناطة وقشتالة، وخصوصا بعد توحّدها مع مملكة الأراقون، وما نتج عن ذلك من تزايد الضغط عليها، وتفاقم ظاهرة الهجرة الأندلسية نحو بقية البلدان.

وقد جاءت هذه النوازل ترجمة لتبعات الأزمة السياسية على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وإن كانت لا تولي عناية بالجانبين السياسي والعسكري إلا من خلال ذكرها لأسرى الحرب. غير أن أهميتها لا تكمن في كونها تعبيرا عن الحالة الأندلسية وتداعياتها، ومصدرا مهما لتاريخها فحسب ، وإنّما تضمّنت مادّة تاريخية خاصّة بالأوضاع العامة بإفريقيّة في ذاك العصر، وذلك اعتبارا للفقيه المجيب عنها؛ فهو تلمساني الأصل، لكنّه تونسي النشأة والاستقرار.

والمتتبع لأجوبة المسائل، يلحظ أن الإمام الرَّصَّاع اعتمد فيها منهجا علميا جامعا بين التحرّي والدقة، والأمانة العلمية، فاستشهاده بأقوال الأئمة، وعزوه النصوص إلى مصادرها، والأقوال إلى قائليها، وتدرّجه في الجواب بشكل لا يترك للسائل مجالا للتردد، يدلّ على تكوين رصين لهذا الفقيه، وعلى إلمامه بما يحيط به في الواقع.

طبع الكتاب لأوّل مرة عن دار المدار الإسلامي ببيروت سنة 2007، بتحقيق الباحث التونسي الدكتور محمد بن موسى حسن، على نسختين خطيتين: تونسية وأخرى مغربية، في (268) صفحة.

 

الكتاب : الأجوبة التونسية على الأسئلة الغرناطية

 

المؤلف: محمد بن يوسف المواق (تـ897هـ)، ومحمد بن القاسم الرصاع (تـ894).

مصادر ترجمتيهما: المرقبة العليا (ص130)، نيل الابتهاج (ص560-561)، توشيح الديباج (ص216-334)، البستان لابن مريم (ص283).

تحقيق ودراسة: د. محمد بن موسى حسن.

بيانات النشر: دار المدار الإسلامي ـ بيروت، الطبعة الأولى 2007م.

إنجاز: ذ.نور الدين شوبد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق