مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

القصيدة الدالية لأبي علي الحسن بن مسعود اليوسي (ت:1102هـ) دراسة وتحليل

إن من أعلام القرن الحادي عشر ونبلائه، وصفوة أعيان المغرب الأقصى وفضلائه، الشيخَ الإمامَ أبَا الحسن بن مسعود اليوسيّ (ت:1102هـ) صاحب المؤلفات الباهرة، والمآثرِ الباطنة والظاهرة، الذي كان مطلعاً على خفايا المنطوق والمفهوم، مشاركًا في كثير من الفنون والعلوم،  فضلا عن صلاحه وفضله، واستقامته على المحجّة البيضاء ونُبله.

وكان من آثاره قصيدته الدالية المشهورة التي حبرها في مدح شيخه أبي عبدالله محمد بن ناصر الدرعي –رحمهما الله تعالى -(ت:1085هـ)؛ وهي قصيدة فائق سبكُها، رائق حبكُها، بهيّ وصفها، محكم رصفُها، جمع إلى جودتها حسن العبارة والمعاني، ولطفَ الإشارة والمعاني، فكانت بذلك مَقْمَنَةً بالنظر، مجْدَرةً بالدراسة والتحليل.

وستناول في هذه الحلقةِ نبذةً عن حياته وآثاره، مؤمِّلًا في الحلقة الثانية الغوصَ في أعماق القصيدة، وحسر الخمار عن دررها الفريدة.

اسمه ومولده ونسبه:

عرَّف العلامة اليوسي – رحمه الله- بنفسه، وذكر نسبه في محاضراته؛ فهو الحسن بن مسعود بن محمد بن علي بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف…  »(1)، وله عدة كُنًى: أبو علي وأبو المواهب وأبو السعود وأبو محمد (2). 

وأما اليوسيُّ فأصله اليوسفيّ، نسبة إلى يوسف الذي ينتهي إليه نسبهُ، وهو أبو القبيلة، لكنهم يسقطون الفاء في لغتهم (3).

ولد رحمه الله تعالى سنة 1007هـ، كما نصَّ على ذلك في فهرسته (4).

نشأته العلمية:

كان فيه أولَ أمره نفورٌ عن طلب العلم وتنكّب عنه، ثم أقبل بعدُ على طلبه بهمة عالية وعزيمة قويةٍ، وشد الرحال إلى جلّة من العلماء للأخذ عنهم، ومنهم: أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ الْحَدَّادُ الْيُوسُفِيُّ وأَبُو زَيَّانَ بْنُ مُحَمَّد النَّدِّي ومُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَدُّورِي الذين قرأ عليهم القرآن، وأَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ التعلاليني الذي أخذ عنه قسطا من العقيدة وعلم الرسم والضبط؛ وقرأ عليه مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومورد الظمآن، في رسم أحرف القرآن، لأبي عبد الله محمد بن محمد الأموي الشريشي ثم الفاسيّ المشهور بالخرَّاز (ت:718هـ)، والْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَدُّورِي الذي قرأ عليه نظمَ مقدمة ابن رشد المشهورَ لأبي زيد عبد الرحمن بن علي الرقعي، السنوسي، الفاسي، المالكي (ت859هـ)، وأَبُو بَكْر بْنُ الْحَسَنِ التَّطَافِي (ت:1100هـ) الذي قرأ عليه جملة من رسالة ابن أبي زيد، ومن مختصر خليل، ومن ألفية ابن مالك، ومن جمع الجوامع، وأَبُو فَارِس عَبْدُ الْعَزِيزِ الْفِيلاَلِيُّ (ت:1096هـ) الذي قرأ عليه الألفية ولامية الأفعال لابن مالك، والخزرجية في العروض، إلى شيوخ آخرين أخذ عنهم، وذكرهم في فهرسته.

 وكان من أجلّ شيوخه وأرفعهم قدرا الشيخ محمد ابن ناصر الدرعي (ت:1085هـ) الذي قال عنه في فهرسته: «ومنهم أستاذنا الإمام، وقدوتنا الهمام، علم الأعلام، وشيخ مشايخ الإسلام، قدوة الطّريقة، الجامع بين الشّريعة والحقيقة، سيدي أبو عبد اللّه محمد ابن ناصر الدّرعيّ، قرأت عليه التّسهيل وجملةً من مختصر خليلٍ، وحضرت عنده مدّةً في التّفسير، وفي المدخل لابن الحاج، وفـي الإحياء للغزالي. وقرأت عليه جزءاً من البخاري، وجزءاً من  الشفاء عرضاً عليه. وحضرت عنده طبقات الشّيخ عبد الوهّاب الشّعراني، وغير ذلك. وسمعت مواعظه ووصاياه. وأخذت عليه عهد الشّاذلـيّة تبرّكاً… وانتفعت به ظاهراً وباطناً، رحمه اللّه تعالى ورضي عنه، وجزاه خيراً، ونفعنا به آمين »(5).

وقد جمع اليوسي – رحمه الله تعالى – إلى مثافنة العلماء والأخذ عنهم الانكبابَ على الكتب والنظر فيها، كما فتح الله عليه فتحاً مبينا انكشف بنوره عنه الحجاب، وعنت له نواصي المسائل المشكلات والصعاب، ويقول في فهرسته: «…واعلم أنّ قراءتي كانت كلّها أو جلّها فتحاً ربّانيّاً. فكنت رزقت – وللّه الحمد والمنّة والفضل والطّول – قريحةً وقّادةً، وعزمةً ماضيةً، وفطنةً ذكيّةً. فكنت بأدنى سماعٍ وأدنى أخذٍ ينفعني اللّه تعالى؛ فقد أسمع بعض الكتاب، فيفتح عليّ في جميعه فتحاً ظاهراً، وأبلغ فيه بحمد اللّه ما لم يبلغه من سمعته منه. وربّ كتابٍ لم أسمعه أصلاً غير أنّ سماع البعض في كل فنٍّ صار بذراً للفتح، وتتميماً لحكمة اللّه في سنّة الأخذ عن المشايخ في العلوم الرّسميّة…  »(6).

مكانته العلمية:

يعدّ الإمام أبو علي الحسن اليوسي –رحمه الله تعالى- من أعيان المغرب وفضلائه، ومن جلة علمائه وأعلام نبلائه، ويدلّ على نباهة ذكره، وعلو مكانته وجلالة قدره ثناءُ العلماء عليه، وكثرة الخلق الذين انتفعوا بعلمه، إلى مناقبة البارعة ومؤلفاته النافعة التي تشهد بطول باعه، وسعة اطلاعه.

وممن أثنى عليه:

– العلامة أبو سالم العيّاشي -رحمه الله تعالى-، الذي قال عنه: [من البسيط]

«من فاته الحسن البصري يصحبه   ===   فليصحب الحسن اليوسي يكفيه »(7).

– والمؤرخ أبو عبد الله محمد الصغير الإفراني، قال عنه: «الشيخ الإمام علم الأعلام شيخ الإسلام، آخر علماء المغرب على الإطلاق، ومن وقع على علمه وصلاحه الإجماع والاتفاق…  »(8)، وقال أيضا: «وبالجملة فهو آخر العلماء، بل خاتمة الفحول من الرجال، حتى كان بعض أشياخنا يقول: هو المجدد على رأس هذه المائة لما اجتمع فيه من العلم والعمل، بحيث صار إمام وقته، وعابد زمانه »(9).

– والعلامة محمد بن الطيب القادري، قال عنه: «الإمام الكبير المحقق الشهير، أعجوبة الدهر، ونادرة العصر، سيف السنة، القائم عن وجود أهل عصره بجزيل المنة »(10)، وقال: «كان صاحب الترجمة رحمه الله عالما ماهرا في المعقول والمنقول، بحرا زاخرا في المعارف والعلوم، وخص عن أهل عصره بالصدع بالحق بين يدي خليفة الوقت اعتناء به ومبالغة في نصحه ومحبته فيه راجيا منه أن يكون على سيرة الخلفاء الراشدين، وقياما منه بالذب عن الدين، وحماية للرعية وحرصا على سنن المهتدين »(11).

– والعلامة أبو العباس الناصري، قال عنه: «كَانَ رَضِي الله عَنهُ غَزالي وقته علما وتحقيقا وزهدا وورعا »(12).

مؤلفاته:

للعلامة اليوسي – رحمه الله تعالى – مؤلفات كثيرة، بلغت ستين مؤلّفًا، منها كتب، ومنها رسائلُ (13)، وتناول فيها مختلف العلوم والفنون، ومنها:

– حاشية على شرح كبرى السنوسي. (مطبوع)

– شرح صغرى السنوسي.

– القول الفصل في الفرق بين الخاصة والفصل.

– مشرب العام والخاص من كلمة الإخلاص، أو منهج الخلاص من كلمة الإخلاص. (مطبوع)

– القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم. (مطبوع)

– نفائس الدرر على شرح المختصر، وهو شرح لمختصر الإمام السنوسي في المنطق (مطبوع)

– فهرسة اليوسي، (مطبوع).

– زهر الأكم في الأمثال والحكم، (مطبوع)

– المحاضرات في اللغة والأدب، (مطبوع)

وله رسائل وفتاوى في موضوعات مختلفة، جمعتها وحققتها الأستاذة فاطمة خليل القبلي. 

وفاته:

توفي العلامةُ اليوسي – رحمه الله تعالى – عقب قفوله من الحج سنة اثنين ومائة وألف (1102هـ)  (14).

مناسبة القصيدة:

تَسبح القصيدة في فلك مدح شيخه الإمام العارف بالله محمد ابن ناصر الدرعي –رحمه الله تعالى – (ت:1085هـ) أحد علماء المغرب وصلحائه خلال القرن الحادي عشر الهجريّ (15)، الذي قال عنه العياشيّ: «شيخنا الحافظ الجامع، الزاهد الخاشع، أَلين أهل زمانه عطفا، وأشدهم لله خوفا، الموفق في السكون والحركة، المقرونة أحواله بالبرِّ والبركة»، وقال أيضا: «كان رضي الله عنه شديد الاتباع للسُّنَّة في سائر أحواله، حتى في لباسه وأكله، وفي أنواع العبادات والعادات »(16).

وكان سيدي ابن ناصر جليل القدر، نابه الذكر، وتووطئ على فضله، ورفعة مكانتهِ ونبله، حتى قالوا: «لولا ثلاثة لانقطع العلم من المغرب في القرن الحادي عشر، لكثرة الفتن التي ظهرت فيه، وهم: سيدي محمد بن ناصر في درعة، وسيدي محمد بن أبي بكر الدلائي في الدلاء، وسيدي عبد القادر الفاسي»(17).

وذكر العلامة اليوسي –رحمه الله – في محاضراته مناسبةَ القصيدة، وأنه قرضها مهنئًا  للشيخ –رحمهما الله تعالى – بالحجِّ، وقال: «ولما صنّفت القصيدة الدالية في مدحه وتهنئته بالحج أدخلها إليه ولده الفقيه الناسك الفاضل أبو محمد عبد الله بن محمد فخرج إليّ وقال: يقول لك الشيخ: جعلك الله عيناً يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، وشمساً يستضيء بها أهل المشرق وأهل المغرب »(18)، وكانت حجة الشيخ ابن ناصر الدرعيّ سنة سبع وسبعين وألف (1077هـ)  (19).

والقصيدة في أربعين بيتاً، وخمسمائة بيتٍ، عارض فيها العلامةُ اليوسي – رحمه الله تعالى – داليةَ الإمام البوصيري التي يمدح فيها أبا العباس المرسي، ويعزيه في شيخه أبي الحسن الشاذلي –رحمهم الله تعالى -، وهي في اثنين وأربعين بيتاً، ومائة بيتٍ، ومطلعها (20): [من الكامل]

أَهل التقى والعلم أهل السؤدد=فأخو السّيادة أحمدُ بن محمّد

ولا يبعد – في نظري – أن اليوسي – رحمه الله – تأثر في مطلع قصيدته بلاميةِ ابن مرج الكحل (ت: 634هـ) التي مطلعها (21): [من الكامل]

عَرِّجْ بِمُنْعَرَجِ الْكَثِيبِ الْأَعْفَرِ  ===  بَيْنَ الْفُرَاتِ وَبَيْنَ شَطِّ الْكَوْثَرِ

وقد وضع اليوسي –  رحمه الله – على داليته شرحاً أسماه بـ«نيل الأماني في شرح التهاني»، وهو مطبوع، وشرح فيه غريب القصيدة ومشكلها، وقيّد أوابدها وفصّل مجملَها، وقال في مقدمته: «أما بعد: فقد كنت سنة سبع وسبعين قلت قصيدة أمتدح بها شيخنا الرباني وأستاذنا العرفاني، أوحد زمانه في العلم والدين، وشيخ أوانه في تربية المريدين، سيدنا أبا عبد الله محمد بن ناصر الدرعي، متع الله بوجوده وأسبغ عليه وعلينا سوابغ جوده، وأهنّيه بمقبَله من حجته الثانية، فرأيت كثيرًا من رواتها تنبو أفهامهم عنها، ويستغربون كثيرًا منها، فيعدّون الدهش منها ضرسا والسلس شكسا، وما ذلك إلا لعموم الغباوة والجهل على أبناء الدنيا وتقاصر هممهم عن العلوم، ولا سيما علم اللسان، فأردت أن أصنع تقييدًا مختصرًا يبين لحفّاظها، ما عسى أن يشكل من ألفاظها، غير متصدّ لتقدير معانيها، وتحرير ما لم يكن عنه بدّ من مبانيها، إذ ذاك يتسع ويطول، ويفتقر إلى أزمان وفصول».

مكانة القصيدة وأهميتها:

للقصيدة قبول واسع وانتشار ذائع، فقد تداولتها مجالس العلم، وأقبل على فضّ أبكارها أولو النهى والفهم، وبلغ صيتُها كثيرا من الديار الإفريقية، مثل: السنغال ومالي ونيجريا، فهي مع شرحها من الكتب المشهورة المقرّرة في المجالس العلمية، وما زال الطلبة يتدارسونها؛ فيعرجون بمنعرج هضابها الوُرَّد، ويجدون في مدارسة أبياتهَا هناءً وغياثاً من الزمانِ الأنكد!

ومما يدل على مكانة القصيدة إلى انتشارها وشهرتها أنْ عارضها بعض الشعراء، ومنهم: الشيخُ الأديبُ أحمد بن عبد القادر التستاوتي (ت:1127هـ- 1715م) الذي أنشأ سنة خمس وعشرين ومائة وألف (1125هـ) قصيدة فائقة، مطلعها:

عَرِّجْ بِأَطْلَالِ الأَحِبَّةِ وَاقْصِدِ  ===  آثَارَهُمْ يَوْمًا لَعَلَّكَ تَهْتَدِي

وَأَجِزْ إِذَا جِئْتَ الدِّيَارَ بِمَنْزِلٍ  ===  قَدْ ضَمَّ أَجْدَاثَ الْعَشِيرِ الْهُمَّدِ

وَلَهِيبُ قَلْبِكَ إِنْ أَرَدْتَ شِفَاءَهُ  ===  فَأْتِ الرُّبُوعَ تُرِيحُ قَلْبَ الْأَكْمَدِ

وهي طويلة تنيف على الستمائة بيت (22)، إلا أنها تخالف دالية اليوسي في الموضوع؛ لأنها في مدح سيد الوجود –صلى الله عليه وسلم -.

 وسنتطرق في الحلقة الثانية لدراسة القصيدة وتحليلها، إن شاء الله تعالى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1. المحاضرات (1/30)

2. المحاضرات (1/30)

3. المحاضرات (1/37)

4. فهرسة اليوسي (ص:77)

5. فهرسة اليوسي (ص:60-61)

6. فهرسة اليوسي (ص:78)

7. المحاضرات (1/32)

8. صفوة من انتشر (ص:344)

9. صفوة من انتشر (ص:348)

10. نشر المثاني (3/25)

11. نشر المثاني (3/25)

12. الاستقصا (7/108)

13. انظر: الزاوية الدلائية (ص:108)، عبقرية اليوسي (ص:105)

14. نشر المثاني (2/48)

15. ترجمته في: نشر المثاني (2/211)، اقتفاء الأثر (ص:116)

16. اقتفاء الأثر (ص:116-117)

17. انظر: نشر المثاني (2/274)، والكلام محكيٌّ عن سيدي الكبير بن محمد السرغيني.

18. المحاضرات (1/86)

19. انظر:  نيل الأماني (ص:2)

20. القصيدة في: ديوان البوصيري (ص:202-308)

21. انظر نص القصيدة في: ديوان مرج الكحل الأندلسي (ص:81)، الإحاطة (2/229)، نفح الطيب (5/51)

22. إتحاف أعلام الناس (1/386)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق