مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات محكمة

نيل الأمل في تأصيل ما جرى به العمل (الجزء 1)

ليس يخفى على كل معني بالشأن  المذهبي المالكي، أن ما جرى به العمل أصل اجتهادي مذهبي يدل دلالة قاطعة على نبوغ العقلية المالكية بالمغرب، كما يمثل الصورة المثلى لجوانب التفاعل الحي بين الفقه ومحيطه المجتمعي في سائر أبعاده، حيث ظل الفقه في سائر أطواره يلاحق صيرورة المجتمع وإشكالاته المعقدة وأسئلته المحرجة، فلم يكن يوما هذا التعقد أو هذا الإحراج ليثني عزم فقهائنا عن النظر والبت في مشكلات القضايا وعويص المسائل، حيث كان أصل ما جرى به العمل في سياق التجربة المالكية المغربية من بين وسائل الفقيه في النظروالبت.

إن نظرية العمل تعبر بوضوح عن قابلية الفقه المالكي ومن خلاله الفقه الإسلامي للتطور والمسايرة، فإذا واجه أئمة المذاهب مشكلات عصرهم بالاجتهاد المطلق، أي النظر في الأدلة ومدارك الشريعة مباشرة، فإن مجتهدي المذهب واجهوا ما اعترضهم من مستجدات النوازل بالاجتهاد وفق أصول المذهب وقواعد إمامه، وكذلك الشأن بالنسبة لمجتهدي الفتوى تيسر لهم البت في وقائع عصرهم واستنباط الأحكام المناسبة عن طريق تطبيق كليات المذهب على الجزئيات واختيار الأقوال المناسبة للحالة المعروضة عليهم ولو كانت ضعيفة أو شاذة، لأن مقتضيات المصلحة ودواعي الضرورة وموجبات العرف تمحو عن تلك الأحوال سمة الضعف وآثار الشذوذ، وتجعلها آكد في الاعتبار وأدعى للاختبار، فتخرجها من حيز الإهمال إلى نطاق التطبيق والإعمال، وفي كل ذلك تبقى روح الاجتهاد سارية في نفس الفقيه، كيفما كانت منزلته أو مرتبته، والنفس التشريعي يبقى بدوره مستمرا ومتلاحقا ومتجدد العطاء.

        إن ما جرى به العمل أصل استدلالي عتيد مستمد من حيث فحواه ومبادئه من أصل عمل أهل المدينة، مع اختلاف بينهما في الرتبة الاستدلالية والاعتبارات التاريخية، فعمل أهل المدينة مسلك استدلالي أقره الإمام على صعيد الاجتهاد المطلق خاصة عند تعارض الأدلة وتعددها، حيث إن الدليل المصحوب بالعمل أقوى في الاعتبار من الدليل العري عن هذه المصاحبة، وكذلك الأمر بالنسبة لما جرى به العمل، فهو مسلك اجتهادي يؤدي نفس الوظيفة الاستدلالية لعمل أهل المدينة ولكن في مستوى الاجتهاد المذهبي حيث يلجأ إليه المفتي أو الحاكم عند تعارض الأقوال المذهبية ووجود موجب شرعي لترجيح ما ضعف أو شذ من هذه الأقوال. وهكذا فأصل ما جرى به العمل وثيق الصلة بأصول الممارسة المدنية، ويؤدي وظائف اجتهادية مقاربة لوظائفها، ولكن في سياق تاريخي مخالف ووفق اعتبارات أخرى تقتضيها مقامات الإفتاء وأحوال التقاضي، ومن هنا يتضح أن ما جرى به العمل يعتبر سيد الأدلة الخاصة للمذهب، مثلما أن عمل أهل المدينة يعد سيد الأدلة العملية العامة للمذهب.

والمقصود بما جرى به العمل عند العلماء هو “الأخذ بقول ضعيف أو شاذ في مقابل الراجح أو المشهور، لمصلحة أو ضرورة أو عرف أو غير ذلك من الأسس”[1]، ثم اتفاق الحكام والمفتين على العمل بمقتضى هذا الأخذ والاختيار كلما توافرت دواعيه وأسبابه. قال العلامة أبو عبد الله السجلماسي: “والمراد بالعمل بالقول حكم الأئمة به واستمرار حكمهم”[2].

وبعبارة جامعة يمكن القول إن ما جرى به العمل هو القول الفقهي المبني على اختيار قول مرجوح –لضعفه أو شذوذه– حكما أو إفتاء، في مقابل الراجح أو المشهور لموجب من الموجبات المعتبرة، مع تأيد هذا الاختيار بعمل الحكام والمفتين بمقتضاه إذا تحققت الموجبات المذكورة، وهي تتلخص إجمالا في جلب المصالح ودرء المفاسد ورعي الأعراف، وغير ذلك من المقتضيات التي عهد من الشارع ملاحظتها في شرع الأحكام، مثلما عهد من الأئمة المجتهدين –ومنهم إمام المذهب– اصطحاب هديها عند استنباط أو تنزيل هذه الأحكام على أفعال المكلفين.

قال الدكتور عمر الجيدي رحمه الله: “وإيضاح ذلك أن بعض المسائل يكون فيها خلاف بين فقهاء المذهب، فيعمد بعض القضاة إلى الحكم بقول يخالف المشهور لسبب من الأسباب كدرء مفسدة أو خوف فتنة أو جريان عرف في الأحكام التي مستندها العرف لا غيره، أو تحقيق مصلحة أو نحو ذلك، فيأتي من بعده ويقتدي به مادام الموجب الذي لأجله خولف المشهور في مثل ذلك البلد وذلك الزمان قائما، وهذا بناء على أصول المذهب المالكي، لأنه إذا كان العمل بالضعيف لدرء مفسدة فهو على أصل مالك في سد الذرائع، وإذا كان لجلب مصلحة فهو على أصله في اعتبار المصلحة المرسلة، وكذا الشأن بالنسبة للعرف، لأنه من جملة الأصول التي بني الفقه عليها (…)، وهو راجع إلى المصلحة المرسلة أيضا، فيشترط فيه ما اشترط فيها، ما لم يخالف نصا أو يصادم مصلحة أقوى، حتى إذا زال الموجب الذي كان سببا لقيام العمل عاد الحكم للمشهور”[3].

يستخلص مما ذكر أن  ما جرى به العمل هو كل قول ضعيف أو شاذ حكم به أحد القضاة أو أفتى به أحد المفتين ممن ثبتت عدالته واستجمع آلات الفقه، لاعتبارات تجعل القول الذي أجري العمل به أكثر مناسبة لظروف المتقاضين وأحوال المستفتين، وذلك رعيا لمقاصد الشارع، وتنزلا عند أعراف المكلفين وعوائدهم، ثم يقتدي الفقهاء بذلك عندما تتوافر نفس الأسباب والموجبات.

ويلاحظ أن الفقهاء وخاصة المتأخرين منهم حينما أقروا اطراد العمل بالقول سببا موجبا لرجحانه ومحو آثار المرجوحية عنه، كانوا موجهين بجملة من الاعتبارات أهمها:

– إحياء داعية التفقه والاجتهاد، ومواكبة النوازل والمستجدات بنظر مجدد لا يكتفي فيه بالمسطور من الأقوال ولو كانت مشهورة، ولا سيما إذا كان الجري معها لا يتناسب مع خصوص النازلة المعروضة، أو لا يحقق ما وضع له الشرع من قواعد مصلحية معلومة، بل قد تكون الأقوال المهجورة هي الأنسب للنازلة والأدعى لتحقيق مقاصد الشرع.

– أن الرجحان سواء كان بسبب الكثرة العددية أو قوة الدليل، ومقابله سواء كان بسبب الشذوذ أو الضعف، أمران نسبيان، ولا تعني النسبية هنا التسيب وفقدان الانضباط، وإنما المراد أن التشهير وغيره مبناه على معايير تفرضها خصوصية النوازل الطارئة وما يلابسها من عوارض وأحوال، وعليه تكون الأقوال المرجوحة بمقتضى هذا النظر التحقيقي في محل اختبار واعتبار، فإذا اقترن ذلك بالاطراد والاستمرارية في العمل كانت هذه الأقوال أرجح وأقوى على مقابلها، وكان العمل موجبا لمحو آثار الشذوذ والضعف عنها.

قال سيدي أبو زيد عبد الرحمن الفاسي في نظم عمليات فاس:

وما به العمل دون المشهور      مقدم في الأخذ غير مهجور

وجاء في مراقي السعود:

     وقدم الضعيف إن جرى عمل       به لأجل سبب قد اتصـل

ولهذا الملحظ نجد أبا العباس الهلالي يقرر أن القول الضعيف والشاذ إذا ارتبط به جريان العمل أصبح من أفراد الراجح. جاء في نور البصر ما نصه: “فإذا رجح بعض المتأخرين المتأهلين للترجيح قولا مقابلا للمشهور بموجب رجحانه عندهم، وأجروا به العمل في الحكم، تعين اتباعه فيقدم مقابل المشهور لرجحانه على المشهور بموجبه لا بمجرد الهوى”[4].

– أن في تحكيم قاعدة العمل حسما لمادة الخلاف وتضارب الأقوال وتشعب الآراء، وخاصة إذا تأيد جريان العمل بإلزام القضاء. قال أبو الشتاء الصنهاجي: “القول إذا جرى به العمل يرفع الخلاف في النازلة”[5].

وقال صاحب العمل الفاسي في منظومته:

     وبعد فالقصد بذا النظام      بعض مسائل من الأحكام
    جرى بها ليرفع الخلاف      عمل فاس يتبع الأعراف

وبانحسام مادة الخلاف تزداد قواعد المذهب استقرارا، ويزداد أمر الفتوى انضباطا واستقامة، وبهذا الاستقرار وبذاك الانضباط تستقيم أحوال المكلفين، ويتحقق مزيد الاستئناس بتوجيهات الشرع الحكيم والاهتداء بهديه. يقول الدكتور عبد السلام العسري: “إن المعنى الذي من أجله وقع فيه الاعتماد على العمل هو ما يتضمنه العمل من المصلحة ومن استقرار التصرفات والنفوس عليه ومؤالفة الناس إياه، وهذا المعنى ملحوظ أيضا في عمل أهل المدينة، ومن أجل ذلك كان مالك يرجح به بعض الأدلة، بل ملحوظ أيضا حتى في الإجماع الذي كثيرا ما يكون مستنده هو قبول الناس ورضاهم، وما جرى عليه عرفهم وما يحققه الحكم المجمع عليه من مصلحة”[6].

– أن في الأخذ بقاعدة العمل التجسيد الكامل والتشخيص الفعلي للمبدأ الفقهي المشهور: تغير الأسباب مؤذن بتغير الأحكام المتنزلة على مقتضاها[7]، وذلك لأن فقه العمل مبناه على الاجتهاد في تحقيق مناط الأحكام التي تنص عليها أدلة المذهب عامة وخاصة، وبهذا النظر التحقيقي الفاحص، يتأتى للفقهاء استثمار الأقوال المهجورة، وإعمالها في خصوص النوازل المعروضة كلما كان في المضي مع مشهور الأقوال مشقة وحرجا أو مناقضة لمقصود الشرع، وهذا ليس لقصور في الأقوال المشهورة أو لعجزها عن الوفاء بالحاجة المطلوبة، ولكن لأن النازلة المجتهد فيها قد لابسها من العوارض العرفية والحالية ما يعسر معه تطبيق المشهور عليها، وأن مقابله هو الأنسب والأولى بالتطبيق. قال ابن هلال: “غير أن المفتي المتأهل له الإفتاء بغير المشهور على وجه الاجتهاد والاستحسان، لموجبه من المصلحة بحسب الوقائع واعتبار النوازل والأشخاص”[8]. وقال أبو العباس الهلالي: “إن تغير الأحكام عند تغير الأسباب ليس خروجا عن المشهور، بل فيه جري على قاعدة المذهب في المحافظة على مصالح العباد وحفظ أموالهم، ولا سيما على القول بأن المشهور ما قوي دليله، وأمثال هذه الاعتبارات فيما جرى به العمل كثيرة”[9].

وتأسيسا على هذه الاعتبارات مجتمعة عد العلماء مخالفة ما جرى به العمل دون استناد إلى وجه، موجبا لتجريح المخالف سواء كان مفتيا أو قاضيا، مجتهدا كان أو مقلدا. قال الهلالي: “ووجه تقديم الجاري به العمل على المشهور مع أن كلا منهما راجح من وجه، أن في الخروج عنه تطرق التهمة إلى الحاكم، فوجب عليه اتباع العمل سدا للذريعة”[10].

وقال السجلماسي: “قال القاضي سيدي محمد المجاصي في بعض أجوبته: وخروج القاضي عن عمل بلده ريبة قادحة، لكن يقتصر من العمل على ما ثبت، ويسلك المشهور فيما سواه”[11]. والأمر نفسه أشار إليه الشيخ ميارة بقوله: “إن القاضي يلزمه اتباع عمل أهل بلده، وإن خروجه عنه موجب إساءة الظن به، ولكن هذا بعد أن يثبت ويصح أن العمل جرى على ذلك غير ما مرة من العلماء المقتدى بهم”[12].

وإذا كانت مخالفة العمل الثابت أصله المستوفي للضوابط والشرائط المسطورة من طرف علماء المذهب، ريبة قادحة وجرحة ظاهرة تستوجبان إبطال الحكم المفتى به أو المقضي به، فإن ذلك يجد تفسيره في الأمور الثلاثة الآتية وهي:

– أن المخالفة المذكورة أمارة على إساءة المخالف ظنه بمن سلف من العلماء، وعلى تحقير اجتهاداتهم. قال العلامة سيدي العربي الفاسي في هذا المعنى: “إن ما جرى به العمل له مستند، إن لم يكن نصا من المتقدمين فهو تخريج من المتأخرين، فلا ينبغي الطعن عليه والتعرض لإبطاله، لأن في ذلك إزراء لمن عمل به من المشايخ الذين سبقونا، ونحن لا نبلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وفيه مع ذلك تشويش للعامة، وطريق لسوء الظن بمن سلف من العلماء، ولم يزل علماء المذهب من لدن ابن القاسم إلى المتأخرين من علمائنا المحصلين يقيسون على روايات المذهب وأقواله، ويبنون على قواعده، ويفرعون على أصوله، ويسيرون العمل والفتوى والحكم بذلك”[13].

– أن في المخالفة ذريعة إلى إشاعة الفتنة بين عامة الناس، والتشويش على مسالكهم المعهودة في التدين مما يمهد سبل الخلاف والفرقة، والحال أن العلماء سلفا وخلفا لم يلتزموا المذهب الواحد أصولا وفروعا وقواعد، ولم يميزوا المعتمد منها عما سواه إلا لتحقيق غاية عظمى ومقصد أسمى وهو سلامة التدين وتوحد مسالكه. ومعلوم أن قاعدة ما جرى به العمل لم يسنها العلماء إلا لتحقيق هذا المقصد السني، ولهم في ذلك قدوة بأسلافهم وعلى رأسهم إمام المذهب مالك رضي الله عنه.

يقول الإمام الشاطبي: “الأولى عندي في كل نازلة يكون لعلماء المذهب فيها قولان فيعمل الناس فيها على موافقة أحدهما، وإن كان مرجوحا في النظر أن لا يعرض لهم، وأن يجروا على أنهم قلدوه في الزمن الأول وجرى به العمل، فإنهم إن حملوا على غير ذلك كان في ذلك تشويش للعامة وفتح لأبواب الخصام، وربما يخالفني في ذلك غيري، لكن ذلك لا يصدني عن القول به ولي فيه أسوة”[14].

ونقل المهدي الوزاني عن السكتاني قوله: “إذا ظهر لك توجيه ما جرى به العمل لزم إجراء الأحكام عليه، لأن ترك ما جرى به العمل فتنة وفساد كبير”[15].

– أن الغالب في هذه المخالفة أن لا يكون مبناها على شيء سوى تحكيم الأهواء، وأن لا باعث لمنتحلها إلا الأغراض الفاسدة، حتى ولو كان المخالف ذا أهلية ترجيح ونظر، بحيث أداه اجتهاده إلى خلاف مقتضى المعمول به، وذلك لأن الموافقة لأحكام العمل وعدم الخروج عنها دليل على وجود القصد الصحيح وسلامته. يقول الإمام المازري مقررا هذا المعنى: “إن كان القاضي على مذهب مشهور عليه عمل أهل بلده نهي عن الخروج عن ذلك المذهب، وإن كان مجتهدا أداه اجتهاده إلى الخروج عنه، لتهمة أن يكون خروجه حيفا وهوى، وهذا القول عمل بمقتضى السياسة”[16].

وبناء على هذه الأمور الثلاثة كانت لأصل ما جرى به العمل منزلة عظمى وقدر كبير في نفوس العلماء، بل إن منهم من استصعب أمر الفتوى فيما إذا كان العمل مخالفا لمقتضى النصوص، كما هو الشأن بالنسبة للشيخ ابن سراج إذ نقل عنه تلميذه المواق قوله: “ما زلت تصعب علي الفتيا فيما يكون النص بحكم، والعمل جار بخلافه”[17]. ومنشأ الصعوبة هنا آت من خطورة العمل وتورع الشيخ عن مخالفته، وهذا ما أفاد به العلامة سيدي العربي الفاسي معلقا على قول ابن سراج: “وما صعب على الشيخ ابن سراج الفتوى فيما ذكر إلا مراعاة للعمل. وكونه له جانب لا يهمل”[18].

قال الزقاق في لاميته:

وفي البلدة الغراء فـاس وربنـا يقي أهلـهامن كل داء تفضلا
جرى عمل باللائي تأتي كما جرى بأنـدلس بالبعض منها فأصـلا
لما قد فشـا من قبح حال وحيلة فيخسى الذي للغي يبغي توصلا

قال سيدي عمر الفاسي شارحا هذه الأبيات: “قوله باللائي تأتي أي: الأحكام التي تذكر بعد، وقوله فأصلا أي فصار العمل بها أصلا من الأصول وقاعدة من قواعد المذهب، وقوله فيخسى من خسى إذا ذل وصغر، والغي ضد الرشد، وفي قوله أصلا إشارة إلى وجوب اتباع ما به العمل وقد قال المتيطي: وغيره لا يقضي القاضي إلا بالمشهور أو بما به العمل من الموثوق بعلمهم ودينهم هـ. قال في الدر النثير وقد كان يؤخذ في قرطبة على القضاة الا يحكموا بخلاف ما جرى به العمل، ويشترط ذلك عليهم في عهودهم”[19].

والأمر نفسه قرره الفقيه الحجوى بقوله: “ولذا يكتب في منشور ولاية القاضي عندنا في المغرب الأقصى اقتداء بعمل الأندلس في الجملة: وعليه أن يحكم بمشهور مذهب مالك أو ما به العمل، وغير خفي أن ما به العمل مقدم على المشهور”[20].

ومما يدل على استحكام أمر العمل، أن الفقيه قاضيا كان أو مفتيا إذا حكم بخلاف مقتضى العمل المعتمد في المذهب، عد ذلك موجبا لرد فتواه أو نقض حكمه، والوقائع في هذا الشأن شاهدة، إذ ورد أن الفقيه الحافظ القوري أخر عن مجلس الشورى لكونه أفتى بعدم لزوم بيع المضغوط استنادا إلى القول المشهور في المذهب، مخالفا بذلك ما جرى به العمل من لزوم هذا البيع. قال ابن هلال: “قول ابن كنانة بلزوم بيع المضغوط أفتى به بعض الشيوخ الذين ادركتهم من الفاسيين والتلمسانيين والغرناطيين في قضية نزلت بفاس، وكان شيخنا القوري خالفهم وأفتى بالمشهور ومذهب الجمهور، وأخر عن الفتيا بسبب ذلك”[21].

لقد سبقت الإشارة إلى أن أصل ما جرى به العمل يستمد معالمه المنهجية الكبرى من أصل عمل أهل المدينة، حيث كان علماء الغرب الإسلامي في أخذهم بهذا الأصل واصطلاحهم عليه مستوحين لمسلك إمام المذهب في الاحتجاج بأصل العمل، واعتباره وسيلة إجرائية في اختبار الأدلة وتنزيلها على أفعال المكلفين.

وقد نبه الفقيه الحجوي على الصلة المذكورة مبرزا سريان فكرة العمل إلى علماء المذهب بالغرب الإسلامي، حينما انتشر مذهب مالك بربوعه وترسخت قواعده وتوطدت في مختلف أطوار ومراحل الحكم الإسلامي بها، جاء في الفكر السامي ما نصه: “تقدم لنا في ترجمة مالك أن من أصول مذهبه عمل أهل المدينة من أهل القرن الأول والثاني، وليس مالك أول من قال به بل ثبت عن شيوخه كالإمام الزهري وربيعة بن عبد الرحمن ومن عاصرهما، وشيوخهم كالإمام سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومن عاصرهما كما أخذ الحنفية بعمل علماء العراق، وما اشتهر بينهم من قضاء وفتوى، وكذا الشافعي قد احتج بعمل أهل مكة، وإن كان مالك جعله من أصوله المقدمة حتى على الحديث الصحيح كما سبق، ولما خيم مذهب مالك بالقيروان سرت تلك الفكرة لعلماء إفريقية ثم الأندلس، فكانوا يحتجون بما أفتى به علماؤهم، وقضى به قضاتهم. ولما ظهر النبوغ العلمي بفاس بفضل علمائهم الأكياس، أخذوا بتلك التقاليد، ولكن غالب عملهم كان تابعا لعمل الأندلس من لدن تغلب الأمويين على المغرب آخر القرن الثالث وأول الرابع، وكان أهل فاس ميالين لمملكة الأمويين لعدلهم، واعتدال مذهبهم السني منابذين للعبيديين الشيعة بالقيروان، فكانوا يأخذون بعمل الأندلس غالبا ويقدمونه على عمل القيروان، ثم صار لهم عمل مخصوص بهم بعد استقلالهم في السياسة زمن الملثمين ثم الموحدين ثم بني مرين ومن بعدهم، فهذا ابتداء ما يسمونه بالعمل الفاسي”[22].

وإذا تبينا مابين عمل أهل المدينة والعمل الإقليمي بالغرب الإسلامي من قوي الصلات ومتين الروابط، أمكننا إبداء الملاحظتين الآتيتين:

– أن اعتبار ضعف الحكم الأموي بالأندلس من مؤشرات بداية ما جرى به العمل، كما ذهب إليه الدكتور عمر الجيدي رحمه الله[23]، أمر فيه نظر ويحتاج إلى تحقيق، وبيانه أن التزام الفقهاء بالأقوال المشهورة في المذهب، وعدم الأخذ بالأقوال الضعيفة، أمران لا صلة لهما بقوة السياسة أو ضعفها في الأندلس، لأن ما التزموه كان مبنيا على الرغبة في ضبط أمر الفتوى وتوحيد منهج القضاء، فضلا عن انتفاء الأسباب المقتضية للأخذ بمقابل المشهور، فالأقوال المشهورة -ومعلوم أن المشهور في الاصطلاح الأندلسي القديم هو قول ابن القاسم- كانت هي الأنسب لتحقيق المقاصد الشرعية المعلومة، وعليه فالأخذ بالأقوال الشاذة والضعيفة التي هي أساس ما جرى به العمل ومادته، أمر رهين بالنوازل المطروحة ومقتضياتها الاجتهادية، ولا صلة له البتة بضعف الدولة أو قوتها أو قيامها وسقوطها. وفي الواقع إن المذهب المالكي في الأندلس كان في حاجة إلى مدة زمنية كافية للتطبيق والتداول، بحيث يتأتى للفقهاء فيما بعد اختبار أسراره واستكشاف خباياه ونقد رواياته وأقواله. يقول الأستاذ عبد السلام العسري: “وهذا ما حصل عند تطبيق المذهب المالكي في الأندلس، فانكبوا [ أي الفقهاء ] على دراسته وتطبيقه، ثم ظهرت لهم أثناء التطبيق الحاجة إلى ترك قول مشهور، والأخذ بقول ضعيف أو بقول خارج المذهب المالكي.[24]

وهذا نظير ما فعل الإمام مالك بالتراث الفقهي بالمدينة، حيث إن اهتدائه إلى عمل أهل المدينة لم يأت من فراغ، بل جاء مؤسسا على نظر نقدي لهذا التراث، فضلا عن أن له في أخذه بالعمل قدوة وسلفا كما ذكرنا.

– أما ما ذهب إليه الفقيه الحجوي من اعتبار ما جرى به العمل من مؤشرات الضعف العلمي أو حسب اصطلاحه: “من موجبات هرم الفقه”[25] فغير مسلم، كيف وهو نفسه يقرر قبل ذلك بأسطر أن أخذ العلماء في فاس بمنهج العمل، إنما كان بفضل نبوغهم العلمي، وذلك عند قوله: “ولما ظهر النبوغ العلمي بفاس بفضل علمائهم الأكياس، أخذوا بتلك التقاليد،…”[26]. والحق أن نظرية العمل تعد بلا منازع دليلا ساطعا لما وصل إليه علماؤنا من نضج علمي ونبوغ فقهي، وعنوانا واضحا لقدرتهم الفائقة على تمثل كليات المذهب، والتصرف فيها وتوجيهها حسب ما يقتضيه التنزيل والتطبيق على آحاد المسائل وجزئيات الأفراد، بل إن فقه العمل “هو الذي بعث الحيوية والشباب في الفقه، لأنه بعدما سد باب الاجتهاد المطلق، وأخذ الجمود يتسرب إلى ميدان الفقه، قام الفقهاء في الأندلس والمغرب عن طريق نظرية العمل بإبعاد ذلك الجمود”[27].

وخلاصة القول إن أصل ما جرى به العمل امتداد أصيل لأصل عمل أهل المدينة الذي أقره إمام المذهب في مستوى الاجتهاد المطلق، بحيث أخد في التطور والنماء والرسوخ، بالقدر الذي تطور به المذهب المالكي ونما وترسخ في الغرب الإسلامي، ولم ينفعل أبدا بضعف السياسة، ولا كان البتة عنوان جمود الفقه.

وإذا كان التشهير والتضعيف أمرين نسبيين، أي أن الأقوال إنما تعتبر بما يترتب عن الأخذ بها من تحقيق مصالح شرعية في وقت دون وقت أو حال دون حال أو محل دون محل أو شخص دون شخص وغير ذلك من النسب والإضافات، أدركنا أن تكون الأقوال المهجورة محل اعتبار ونظر من لدن الفقهاء، وخاصة إذا كان مقابلها من الأقوال غير واف بالغرض المطلوب، بل في التقيد بها إعنات وتفويت للمصالح الشرعية المعتبرة، مما يجعل القول المشهور بالنظر إلى خصوص النازلة المطروحة مرجوحا، والقول الضعيف هو الراجح والأنسب لموضوعها، وعلى هذا الأساس قام صرح ما جرى به العمل، حيث إن اطراد العمل بالقول المرجوح يقوم مقام الترجيح بكثرة القائلين أو قوة الدليل، بل يصير هو الأقوى كما نص عليه العلماء في قواعد الترجيح، ومن هذا المنطلق تشير المصادر إلى مخالفة فقهاء الأندلس الأوائل لآراء إمام المذهب و تلميذه ابن القاسم في بعض القضايا والمسائل، حيث اعتبر الدارسون تلك المخالفات البوادر الأولى لقيام العمل.

أما القضايا التي خالف فيها فقهاء الأندلس مذهب الإمام فهي ست مسائل جمعها ابن غازي نظما فقال:

قد خولف المذهب في الأندلس في ستة، منهن سهم الفرس
و غرس الأشجار لدى المساجد والحكم باليمين قل والشاهد
و خلطة والأرض بالجزء، تلي ورفع تكبيـر الأذان الأول

قال الشيخ المهدي الوزاني: “ومعنى هذه الأبيات أن أهل الأندلس قالوا: يسهم في الجهاد للفرس سهم واحد فقط كراكبه، ومذهب الإمام -وهو ما قاله في المختصر: “وللفرس مثلا فارسه”، وأجازوا أيضا غرس الأشجار في المساجد وهو مذهب الإمام الأوزاعي، وقال مالك بالمنع كما في الخرشي والزرقاني، وقالوا أيضا: لا يحكم باليمين والشاهد ولا بإثبات الخلطة، ومذهب مالك انه يحكم به، وانه لابد من إثبات الخلطة، أي من ادعى على غيره بحق فأنكره فلا تجب عليه اليمين، حتى يثبت المدعي خلطة بينهما، وأجازوا كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، ومذهب مالك منعه، وأجازوا أيضا رفع تكبير الأذان الأول”[28].

كما خالف فقهاء الأندلس مذهب ابن القاسم في ثمانية عشر مسألة هي:

1- مراعاة الكفاءة في الزواج من حيث الحال والمال.

2- لزوم المالكة أمر نفسها ما التزمته في الخلع من نفقة ولدها بعد مضي الحولين، وهذا مذهب المغيرة المخزومي أحد تلاميذ الإمام.

3- عدم لزوم الإخدام إلا في ذات القدر، وهو قول ابن الماجشون.

4- جواز أخد الأجرة في الإمامة في الصلاة، وهو قول ابن عبد الحكم.

5- جواز بيع كتب الفقه، وهو مذهب أكثر أصحاب مالك.

6- اعتبار أفعال السفيه الذي لم يول عليه ماضية، وهو قول مالك.

7- جواز التفاضل في المزارعة إذا سلمت من كراء الأرض بالطعام، أو ببعض ما يخرج منها، وهذا قول عيسى بن دينار.

8- من شرط انعقاد المزارعة الشروع في العمل، وهذا قول ابن كنانة.

9- لا تجوز قسمة الدار بين الشركاء، إلا إذا صار لكل واحد منهم ما ينتفع به من البيوت والمرافق، على وجه الاستقلال و الاستتار عن صاحبه.

10- الأموال الموظفة تجب فيها الشفعة، وهو مذهب الليث و قول أشهب.

11- لا يجب الحميل بالحق إلا بشهادة شاهدين وهو قول سحنون.

12- وجوب الحميل عمن لا تعرف عينه لتشهد البينة، فان عجز عنه، وكانت البينة غائبة، سجن وهو قول أشهب.

13- دخول الشيء المستحق في ضمان المستحق منه، وتكون له الغلة، وإذا ثبت بشاهدين وجب توقيفه وقفا يحال بينه وبينه، وهذا ما ذهب إليه مالك في الموطأ وقال به غيره في المدونة.

14- وجوب القسامة مع شهادة غير العدول من اللفيف.

15- عدم جواز الشهادة على خط الشاهد إلا فيما يختص بالأحباس المعقبة.

16- اليمين إذا توجهت على الحالف، وجب تأديتها قياما مع استقبال القبلة، وهو قول ابن الماجشون.

17- لا نظر للوصي في شؤون أولاد محجوره إلا بتقديم مستأنف.

18- وجوب الشفعة فيما لا ينقسم إلا بضرر كالفرن و الحمام، وهو قول مالك وأكثر أصحابه كأشهب وابن الماجشون وأصبغ.

هذه هي المسائل التي خالف فيها الأندلسيون مذهب مالك و تلميذه ابن القاسم، ولا يبعد أن تكون هناك مسائل أخر نزعوا فيها هذا المنزع وسلكوا فيها هذا المسلك، لأن الإحصاء المذكور يبقى غير شامل، وإنما هو باعتبار ما وصل إليه علم صاحب المفيد أبي الوليد أحمد بن هشام الغرناطي (ت 530 هـ)، ويبقى البحث في تضاعيف التراث الفقهي الأندلسي، هو الكفيل بالكشف عن خبايا هذا الموضوع، والعثور على مزيد من النماذج الدالة على قوة عارضة الأندلسيين، وقدرتهم على النظر في المسائل نظر تحقيق واجتهاد، حتى ولو كان لسلفهم في عين المسألة المنظور فيها آراء منصوصة، يقول الدكتور محمد رياض: “وعلى كل حال فبالرغم من هذه المخالفة لأقوال مالك وابن القاسم، فإنها لا تخرج تلك الأقوال عن دائرة المشهور ومجال الاعتبار، وتنظر تلك المخالفة في نطاقها الاجتهادي، فإن بقي موجب الأخذ بها قائما ينظر في ذلك، وإلا رجع الحكم للمشهور كما هو الأصل”[29].

ثم أخذ العمل في التطور والاكتمال تغذيه النوازل المتنامية في المجتمع الأندلسي، وترسخ دعائمه وأركانه أنظار الفقهاء واجتهاداتهم، “بحيث لم يكد يمضي من هذا القرن (أي ق 4 هـ) نصفه الأول حتى كانت لفظة -ما جرى به العمل– جارية على ألسنة الفقهاء، ومبثوثة في كتبهم ومؤلفاتهم”[30]، وبقيت مسائل العمل على حال التنامي والاتساع فيما أعقب ذلك من القرون، فتشكلت بذلك حصيلة علمية أصيلة، وثروة فقهية غنية كانت فيما بعد سندا ملهما لعلماء المغرب وتراثا جديرا بالاستثمار، فضلا عما عرفته فاس من ازدهار علمي، بفضل انتقال معظم أهل الأندلس إليها إثر سقوط الخلافة الإسلامية بها، والعناية الخاصة التي حظي بها العلماء من قبل المرينيين.

وبتهيئ هذه الظروف أخذ العمل الفاسي يشق طريقه نحو الظهور، وبدأت معالمه في الاتضاح والاكتمال إلى جانب العمل الأندلسي، بحيث لم يكد يصل القرن العاشر الهجري حتى كان العمل الفاسي جاريا على ألسنة العلماء، وأصبح مادة علمية قائمة الذات، وهذا هو المستفاد من قول أبي الحسن الزقاق[31] في لاميته التي عقد بها فصلا خاصا للعمل الفاسي:

وفي البلدة الغـراء فاس وربنـا     يقـي أهلهـا من كل داء تفضـلا

جرى عمل باللائـي تأتي كمـا    جرى بأندلس بالبعض منها فأصلا

ثم توالى التأليف في هذا الفن إيذانا ببلوغ (العمليات) مرحلة النضج والاكتمال، وذلك إما بإفراد توليف مستقل في باب العمل كما هو الأمر بالنسبة لأبي العباس أحمد بن القاضي (ت 1025 هـ) حيث ألف كتابا سماه: “نيل الأمل فيما به بين الأئمة جرى العمل”، أو بالتأليف في مسألة فقهية بخصوصها كرسالة سيدي العربي الفاسي (ت 1052 هـ) المتعلقة بشهادة اللفيف، ورسالة الشيخ ميارة في بيع الصفقة، والمسماة: “تحفة الأصحاب والرفقة ببعض مسائل بيع الصفقة”.

وتعد منظومة العمل الفاسي للعلامة أبي زيد سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي أهم ما كتب في الموضوع، حيث جمع فيها صاحبها نحو ثلاثمائة مسألة، مما جرى به العمل في فاس، ومما يدل على أهميتها، كونها حظيت بشروح مفصلة استجمعت قضايا العمل في سائر أبواب الفقه، وأشهر هذه الشروح، شرح صاحب النظم إلا أنه لم يكمله، وشرح القاضي العميري المسمى “الأمليات الفاشية من شرح العمليات الفاسية”، وشرح أبي القاسم السجلماسي، وشرحا المهدي الوزاني: الأول كبير وهو المسمى “الشفاء الذي لا يغادر سقما ولا بأس”، والثاني صغير وهو المعروف باسم “تحفة أكياس الناس لشرح عمليات فاس”.

ورغم ما حظي به العمل الفاسي من شهرة وذيوع وانتشار، فقد نشأت أعمال إقليمية أخرى موازية للعمل الفاسي، وإن كانت دونه في الذيوع والانتشار، كالعمل الجبلي الذي عني به الشيخ العلمي في نوازله، والعمل السوسي الذي قام الشيخ العباسي بجمع كثير من مسائله، وقام بنظمها الشيخ أبو زيد عبد الرحمن الجشتيمي (ت1269 هـ)، وشرح نظمها الشيخ محمد بن أبي بكر الشابي الأزارفي، وتعتبر كتب النوازل موسوعات انتظمت كل ماله صلة بالعمل الإقليمي، فهي جامعة لسائر أعمال المتأخرين والمتقدمين أيضا، وهي بذلك تعد ثروة لا غنى لكل معني بقضايا العمل عن الاستناد إليها، وهذا أمر لا خفاء فيه، فمن النوازل يستمد العمل حركيته وإنتاجيته، وبفقه النوازل يتقعد العمل ويتأصل.

أما العمل المطلق فهو قسيم العمل الإقليمي الخاص، ولا يختص بإقليم دون آخر، لاستناده إلى أسس لا تقبل التخصيص أو التقيد بمحل دون محل كالعرف العام، ولكن بالنظر إلى أصل منشئه وكيفية تشكله، نجد أنه راجع إلى الأعمال الإقليمية الخاصة فهي أساسه ومستنده، ثم ما لبثت تلك الأعمال أن تجردت من خصوصيات المكان وملابسات الأعراف الخاصة فأصبحت عامة مطلقة، ولقد وضع الشيخ أبو القاسم الفلالي السجلماسي نظما في العمل المطلق، وقام بشرحه في كتابه المسمى: “فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد”.

لقد قرر علماء المذهب أن جريان العمل لا يكون مصدرا للأحكام، معتمدا في القضاء والفتيا، مقدما على الراجح والمشهور حتى يستوفي العمل جملة من الشروط والضوابط، أجملها العلامة سيدي أحمد الرهوني التطواني بقوله:

“ثم لا بد في العمل الذي يجب الحكم والفتوى به من أمور.

أولها: أن يكون صادرا من العلماء المقتدى بهم.

ثانيها: أن يثبت بشهادة العدول المتثبتين في المسائل، أو ينص عليه أحد العلماء المطلعين كصاحب العمل الفاسي، وبناني، والرهوني، والتاودي، والجنوي، وأضرابهم، كما في الشيخ المهدي الوزاني.

ثالثها: أن يكون جاريا على قوانين الشرع وإن كان شاذا”[32].

كما ذكرها الهلالي على وجه التفصيل في نور البصر حيث قال: “يشترط لتقديم ما به العمل خمسة أمور:

أحدها: ثبوت جريان العمل بذلك القول.

ثانيها: معرفة محلية جريانه عاما أو خاصا بناحية من البلدان.

ثالثها: معرفة زمانه.

رابعها: معرفة كون من أجرى ذلك العمل من الأئمة المقتدى بهم في الترجيح.

خامسها: معرفة السبب الذي لأجله عدلوا عن المشهور إلى مقابله”[33].

وبهذا التفصيل أيضا جمعها النابغة الغلاوي في منظومته فقال:

شروط تقديم الذي جرى العمل به أمـور خمسة غيـر همـل
أولهـا ثبـوت إجراء العمـل بذلـك القـول بنـص يحتمـل
والثانـي والثالـث يلزمـان معرفـة المكــان والزمــان
وهل جرى تعميما أو تخصيصا ببلـد أو زمـن تنصيصـا
 وقد يخـص عمـل بالأمكنـة وقد يعـم وكـذا في الأزمنـة
   رابعها كون الذي أجرى العمل  أهـل للإقتـداء قولا وعمــل
  فحيث لم تثبـت لـه الأهليـة تقليـده يمنـع فــي النقليـة
  خامسـها معرفة الأسبــاب فإنـها معينـة فـي البــاب
فعند جهل بعض هذي الخمـس ما العمـل اليوم كمثل أمــس

وبنظرة سريعة إلى هذه الشروط مجتمعة، يستفاد أن الشرطين الأول و الرابع لهما تعلق بالسند النقلي للعمل، إذ بهما تتضح ضوابط ثبوت العمل، والمواصفات المطلوبة فيمن يجري العمل إنشاء أو نقلا، والشرطان الثاني والثالث لهما صلة بالسند الظرفي للعمل، وعلى مقتضاهما يكون بالإمكان تعدية  أحكام العمل بين الأمكنة و الأزمنة أو لا، أما الشرط الخامس والأخير فهو الأهم و الأقوى، إذ له صلة بالسند المعنوي للعمل، وحاصله النظر في الأسس و الموجبات المقتضية للترجيح، أي ترجيح الأقوال المرجوحة على مقابلها من جهة، وكذا تعدية ما تحصل من هذه الترجيحات إلى وقائع و جزئيات توافرت فيها الموجبات نفسها من جهة أخرى، وهذه الشروط المذكورة تؤلف بمجموعها ضوابط متكاملة، تجعل من قاعدة ما جرى به العمل أصلا استدلاليا ثابت الرسوخ و دائم التجدد، فلنفصل القول إذن في هذه الضوابط وذلك من خلال المحاور الثلاثة الآتية:

المحور الأول: معرفـة السنـد النقلـي للعمـل.

المحور الثانـي: معرفـة السنـد الظرفـي للعمـل.

المحور الثالـث: معرفة السنـد المعنـوي للعمل.

المحور الأول: معرفـة السنـد النقلـي للعمـل

1- ثبوت جريـان العمـل

والمقصود بالثبوت هنا أن ينقل جريان العمل نقلا صحيحا لا يتطرق إليه شك ولا وهم، لكونه قضية نقلية ينبني عليها حكم شرعي، فيلزم نقلها نقلا صحيحا لا ريبة فيه، فإذا انخرم هذا الشرط تعين العمل بالأصل وهو المشهور. قال الهلالي مبينا وجه اشتراط هذا الشرط: “فإن قول القائل في مسألة معينة هذا القول المقابل للمشهور جرى به العمل، قضية نقلية انبنى عليها حكم شرعي، فلا بد من إثباتها بنقل صحيح”[34].

أما عن كيفية ثبوت العمل، فللعلماء فيها آراء مخصوصة مختلفة من حيث الشكل، لكنها آيلة عند التحقيق إلى التوافق والتكامل، لأن المقصد الجامع بينها هو مزيد التوثق في نقل العمليات وصونها من العبث والتسيب.

وهكذا نجد الشيخ ميارة مثلا يحدد مسلكه في ثبوت العمل بقوله:

“إن القاضي يلزمه اتباع عمل أهل بلده، وأن خروجه عنه يوجب إساءة الظن به، ولكن هذا بعد أن يثبت ويصح أن العمل جرى على ذلك غير ما مرة من العلماء المقتدى بهم، وثبوت ذلك إنما يصح بشهادة العدول المتثبتين في المسائل، ممن لهم معرفة في الجملة، والعمل المذكور جار على قوانين الشرع وإن كان شاذا لا كل عمل (…)، ولا يثبت العمل بما نراه الآن، وهو أن يقول بعض عوام العدول ممن لا خبرة له بمعنى لفظ المشهور أو الشاذ فضلا عن غيره جرى العمل بكذا، فإذا سألته عمن حكم به أو أفتى به توقف أو تزلزل، فإن مثل هذا لا يثبت به مطلق الخبر، فضلا عن حكم شرعي والله أعلم”[35].

والمستفاد من هذا النص أن مسلك الشيخ ميارة في إثبات العمل مبناه على الأمور التالية وهي:

– توافر الأهلية في المجري.

– توافر الأهلية في الناقل لهذا الإجراء.

– توافر الكثرة العددية في الناقلين لهذا الإجراء.

– تكرر الثبوت تبعا لتكرر جريان العمل.

أما الشيخ أحمد بن عبد العزيز الهلالي فيرى أن العمل لا يشترط في ثبوته شهادة الشهود كما هو مقتضى كلام الشيخ ميارة، بل يكفي فيه أن يثبت بقول عالم واحد مؤهل وموثوق به. جاء في نور البصر ما نصه: “ويثبت جري العمل أيضا بنص عالم موثوق به، فلا يتوقف على الشهادة كما اقتضاه كلامه”[36]، يقصد كلام الشيخ ميارة المثبت أعلاه.

وقد أيد الشيخ المهدي الوزاني ما ذهب إليه الهلالي من عدم اشتراط شهادة الشهود في ثبوت العمل، مع تفضيل التقوية بالاثنين، جاء في تحفة أكياس الناس ما نصه: “ويثبت جري العمل بقول عالم موثوق به كالشيخ تو، وره، و مب و أضرابهم، لأنه من باب الخبر الذي يكفي فيه الواحد والاثنان أولى”[37]، وذلك لمزيد من التثبت والتوثق في نقل أحكام العمل.

وللفقيه الحجوي رأي وسط حاول فيه الجمع بين القولين، وحاصله “أن العمل لا يثبت إلا بشهادة عدلين على قاض عدل فقيه أنه حكم به، أو ينص عليه مؤلف ثقة”[38].

ومما له صلة بثبوت العمل، مسألة تسمية من أجرى العمل، خاصة وأن المتصفح لكتب العمل-ولاسيما المنظوم منها- يجد أن الغالب فيها أن تذكر الأعمال دون إسنادها إلى أصحابها ممن أجرى العمل أولا، أو نقل هذا الإجراء لاحقا، وهنا نجد من العلماء من تساهل في أمر التسمية، وأجاز ذكر الأعمال مجردة عن أصحابها، خاصة إذا كانت هذه الأعمال مشتهرة على ألسنة العلماء، واردة في مصنفاتهم دون نكير، ولعل هذا الاتجاه يجد سنده وسلفه في صنيع الإمام مالك في كتابه الموطأ، حينما يذكر عمل أهل المدينة، فإن الغالب فيه أن يستغني عن التسمية ويكتفي بالعبارة المشهورة:الأمر المعمول به عندنا، وما قارب ذلك من الاصطلاحات و التعابير.

وللشيخ الرهوني-صاحب الحاشية على شرح الزرقاني- مسلك خاص فيما يتعلق بأسانيد الأعمال، حيث ميز بين الأعمال المنقولة عن المتقدمين، والأعمال الواردة على ألسنة المتأخرين، فاستوجب في الأولى ضرورة  التثبت والنظر فيما إذا كانت مستجمعة للشروط المطلوبة في العمل، أما الثانية فتبقى في غنى عن هذا البحث ولا حاجة إلى فحصها. وفي هذا الصدد يقول الشيخ المهدي الوزاني ناقلا رأي الرهوني المذكور:

“وتلقي من الشيخ الرهوني أن ما يحكيه ساداتنا العلماء المتأخرون من العمل المخالف للمشهور، كأبي زيد الفاسي وشيخ الجماعة سيدي التاودي والمحقق المطلع الشيخ بناني والشيخ الصالح المشارك أبي عبد الله سيدي محمد الجنوي، لا يحتاج فيه للبحث عن شروط العمل، ويكفي تقليدهم فيه إذا سلم لهم ذلك، وإنما يحتاج للبحث عن الشروط التي ذكرها الأئمة في العمل الذي يحكيه المتقدمون كابن سلمون وأضرابه، والله الموفق والهادي من يشاء إلى صراط مستقيم”[39].

ومع ذلك نجد العلماء في تحليلاتهم لقضايا فقه العمل، وتقريراتهم لمسائله، لم تفتهم الإشارة إلى أسانيد العمل، وبيان المقبول الثابت منها والمستجمع للشرائط المطلوبة في العمل، واطراح ما علق بها من العمليات الموهومة أو الناقصة لعدم استكمالها لسائر الشروط.

2- صدور العمـل مـن الأئمة المقتـدى بهم

إن أصل ما جرى به العمل مبناه على الاجتهاد المذهبي، لأن المدار فيه على النظر في الأقوال المرجوحة قصد الاختيار والترجيح، فتكون بمقتضى ذلك هي الأقوال المعمول بها في القضاء والمعتمدة في الفتوى، ما دامت محققة لمقاصد الشرع مؤسسة على قواعده.

وغني عن البيان أن مهمة النظر والترجيح هذه تقتضي توافر الأهلية الكاملة فيمن يتصدى لهذه الوظيفة الاجتهادية الجليلة، فقرر العلماء أن المتعين في العمل لكي يكون مأخوذا مأخذ الاعتبار، وفي أرقى درجات الاعتداد والحجية، أن يكون صادرا عن فقهاء مؤهلين خلقا وعلما.

والمراد بالأهلية الأخلاقية، يظهر في استجماع الفقيه أوصاف العدالة والاستقامة، ومفارقة أضدادها، قال النابغة الغلاوي:

وليس كل ما به جرى العمل     معتبرا شرعـا فمنه ما انهمل

فربمـا أجـراه ذو التعاصي      بتـرك طاعـة وبالمعاصـي[40]

وبمقتضى هذه الأهلية الأخلاقية تكون اجتهادات الفقيه، وضمنها ترجيحاته للأقوال الشاذة لموجبها، والمؤسسة لأصل ما جرى به العمل، سديدة وموفقة، مصونة من دركات الأهواء والضلالات.

والمقصود بالأهلية العلمية، كون الفقيه محصلا لآلات التفقه، مطلعا على أقوال المذهب ومراتبها الاستدلالية، عارفا بمدارك الترجيح وموجباته، وبمقتضى هذه الأهلية العلمية تكون اجتهاداته أيضا مؤصلة ومدللة، بعيدة عن الأخطاء والشناعات.

فإذا توافرت في الفقيه الأهلية الكاملة، وقوامها الرسوخ في الأخلاق والتبريز في العلم، كان ما يصل إليه من ترجيحات للأقوال المرجوحة بناء على اجتهاداته، معتبرا وسندا لإجراء العمل به عند غيره أو من يجيء بعده.

قال الشيخ الهلالي مبينا وجه اشتراط هذه الأهلية:

“فإن العمل من المقلد بما جرى به العمل تقليد لمن أجراه، وإذا لم يعرف من أجراه لم تثبت أهليته، وربما عمل بعض القضاة بالمرجوح لجهله أو جوره لا لموجب شرعي، فيتبعه من بعده بنحو ذلك فيقال جرى به العمل، ولا يجوز التقليد في الجور والجهل. وقد سألت قاضيا ممن مارس صنعة القضاء ونشأ بين أهلها عن مستندهم في بعض المسائل جرى عملهم فيها بغير المنصوص، إذ لم أجد لها مستندا ولو شاذا، فلم يجد جوابا ولم يعرف من أجراه أولا، وسألت آخر عن مثلها فكان كذلك”[41]. فالجور صفة تنافي الأهلية الأخلاقية، والجهل قادح في الأهلية العلمية، وإذا اجتمعا في أحد، انتحل آراء تأتم بالأهواء وتنوء بالشبه والشناعات.

وإضافة إلى ما ذكر، نجد للعلماء تفصيلا آخر بخصوص اشتراط أهلية الترجيح فيمن يجري العمل بالمرجوج أو عدم اشتراطها، فقالوا إن كان الترجيح مبنيا على الموازنة بين المصالح والمفاسد وما يدور في معناهما، فلا بد من توافر الأهلية المذكورة أعلاه. يقول النابغة الغلاوي:

وخصصوا الترجيح بالمصالـح         وبالمفاسد لثبـت صالـح

لكونـه أهــلا للاجتهـاد                قد أتقن الآلات  بالسهـاد

فقيه نفس لـم يكـن مغفــلا              وبأصول الفقـه قد تكفــلا

    أحاط بالفـروع  والقواعــد              فكـان ساعيا  لكل  قاعـد[42]

والأمر نفسه قرره الهلالي مبرزا خصوصية موضوع الترجيح ودقته، فلا يقتحمه من قصرت همته عن درك مسائله أو قصر باعه في هذا الميدان، ميدان فقه المصالح  والمفاسد، “بل لا بد هنا من أهلية الترجيح بإتقان الآلات والقواعد، إذ ليست كل مصلحة أو مفسدة تعتبر في نظر الشرع، فلا بد من نظر في ذلك بملكة يميز بها بين المعتبر شرعا وغير المعتبر، ويعلم بها أن الكليات الخمس ترجح أعني الدين والنسب والنفس والعقل والمال، وهل هي ضرورية أو حاجية أو تحسينية أو ملحقة بشيء من ذلك، ليقدم ما يقدم ويؤخر ما يؤخر، وقد تكفل بذلك في أصول الفقه، ومن القواعد التي هي أخص من قواعد الأصول وأعم من الكليات الفقهية، ولا بد مع ذلك من فطنة وفقاهة نفس”[43].

أما إذا كان مدار الترجيح على العرف، فإن المجتهد والمقلد فيه سواء، فلا اختصاص للمجتهد بالعمليات المبنية على العرف دون من دونه منزلة من أهل التقليد، جاء في نظم النابغة الغلاوي:

ورجحوا بالعرف أيضا وهوا من سائر المرجحات أقوى
وذلك الترجيـح بالمجتهـد ليس بمختص عن المقلـد
فالعرف ظاهر لكـل واحـد لم يتأت جحـده للجاحـد[44]

وتوجيه ذلك كما هو واضح من البيت الأخير، أن العرف من الأمور الظاهرة والشائعة بين الناس، بحيث يشترك في إدراكها سائرهم على اختلاف درجاتهم ومنازلهم، ولما كان العرف بهذا الظهور والشيوع أمكن للمقلد التعرف على سند الأعمال المبنية على العرف، واقتحام مجال الترجيح لظهور السبب وقرب المأخذ، يقول العلامة الهلالي: “اعلم أن الترجيح بالعرف لا يختص بالمجتهد، بل المقلد الصرف يدركه، لأن العرف سبب ظاهر يشترك في إدراكه الخاص والعام”[45].

الهوامش:


[1] – أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للدكتور محمد رياض ص513.

[2] – فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد ص6.

[3] – العرف والعمل في المذهب المالكي ومفهومهما لدى علماء المغرب، للمرحوم عمر بن عبد الكريم الجيدي ص342، طبع تحت إشراف اللجنة المشتركة لنشر وإحياء التراث الإسلامي، بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، مطبعة فضالة المحمدية، 1404 هـ / 1984 م. وانظر كذلك الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، للفقيه محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي 4/465، اعتنى به أيمن صالح شعبان، الطبعة الأولى 1416 هـ / 1995 م، دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

[4] – نور البصر ص132.

[5] – مواهب الخلاق 1/284.

[6] – نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي ص69.

[7] – تفسير هذه القاعدة أن تغير الأسباب يؤدي إلى تغير نوعي في فهم الأحكام، والفهم هنا ذو بعد تنزيلي أي يختص بتحقيق مناطات الأحكام.

[8] – نور البصر ص 132.

[9] – نفسه ص 139.

[10] – نور البصر ص 131.

[11] – فتح الجليل الصمد ص 6.

[12] – نور البصر ص 134.

[13] – تقييد في شهادة اللفيف، مخطوط نقلا عن العرف والعمل لعمر الجيدي ص 364-365.

[14] – سنن المهتدين في مقامات الدين للعلامة محمد بن يوسف المواق الغرناطي ص 263-264، دراسة وتحقيق الأستاذ محمد بن سيدي محمد بن حمين، الطبعة الأولى 2002، منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتبادل الثقافي، مطبعة بني يزناسن، سلا المغرب.

[15] – حاشية الوزاني على شرح التاودي على تحفة ابن عاصم 1/71، طبعة حجرية دون تاريخ.

[16] – انظر نور البصر للهلالي، ص 134.

[17] – سنن المهتدين في مقامات الدين ص95.

[18] – تقييد في شهادة اللفيف، مخطوط نقلا عن العرف والعمل لعمر الجيدي ص364.

[19] – تحفة الحذاق بشرح لامية الزقاق، لأبي حفص سيدي عمر الفاسي ص114، طبعة حجرية 1306 هـ.

[20] – الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 4/467.

[21] – الدر النثير على أجوبة أبي الحسن الصغير، لإبراهيم بن هلال ص2 م19، طبعة حجرية 1303 هـ، وانظر كذلك نور البصر للهلالي ص 137.

[22] – الفكر السامي 4/464-465.

[23] – انظر العرف والعمل ص 345.

[24] – نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي لعبد السلام العسري ص125.

[25] – الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 4/465.

[26] – نفسه 4/465.

[27] – نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي ص110.

[28] – النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى، المسماة المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب 2/5، قابله وصححه الأستاذ عمر بن عباد، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1419 هـ / 1998م، مطبعة فضالة المحمدية.

[29] – أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي ص498.

[30] – العرف والعمل في المذهب المالكي لعمر الجيدي ص346.

[31] – ومعلوم أن وفاة الزقاق كانت سنة 912 هـ أي في بداية القرن العاشر الهجري.

[32] – انظر موسوعة قواعد الفقه والتوثيق مستخرجة من حادي الرفاق إلى فهم لامية الزقاق ص431، إعداد وعناية وتقديم وترتيب محمد القدوري الطبعة الأولى سنة 1424 هـ / 2004 م، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.

[33] – نور البصر ص132-133.

[34] – نور البصر ص 133.

[35] – شرح ميارة على لامية الزقاق ص 355-356، طبعة حجرية دون تاريخ.

[36] – نور البصر ص 132.

[37] – تحفة أكياس الناس بشرح عمليات فاس للمهدي الوزاني ص 43، مطبعة حجرية عام 1333 هـ، وأعيد طبع الجزء الأول منه بتقديم وإعداد الأستاذ هاشم العلوي القاسمي، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، 1422 هـ / 2001 م، مطبعة فضالة المحمدية، وهي المعتمدة في هذا البحث.

[38] – الفكر السامي 4/469.

[39] – حلية الوزاني على شرح التاودي للامية الزقاق ص279، طبعة حجرية دون تاريخ.

[40] – منظومة بوطليحية ص125.

[41] – نور البصر ص133.

[42] – منظومة بوطليحية ص132-133.

[43] – نور البصر ص137.

[44] – منظومة بوطليحية ص 128 وما يليها.

[45] – نور البصر ص 135.

د. إدريس غازي

• خريج دار الحديث الحسنية ـ الرباط.
• دكتوراه في الدراسات الإسلامية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ـ فاس، في موضوع: "أصل ما جرى به العمل ونماذجه من فقه الأموال عند علماء المغرب".
• دبلوم الدراسات العليا من دار الحديث الحسنية، الرباط، في موضوع: "المنهجية الأصولية والاستدلال الحجاجي في المذهب المالكي".
من أعماله:
ـ الشاطبي بين الوعي بضيق البرهان واستشراف آفاق الحجاج.
ـ في الحاجة إلى تجديد المعرفة الأصولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق