وحدة الإحياءدراسات محكمة

نقد القراءات القرآنية في إعراب النحاس

كتاب “إعراب القرآن” لأبي جعفر النحاس (ت 338)[1] سفر الجليل في إعراب القرآن وقراءاته، وبيان لهجاته، ووجوه تصريف ألفاظه، وكشف معانيه وغير ذلك، وهو أقدم مصنف في إعراب القرآن وصل إلينا بهذه التسعة، وبهذا الجمع والتأليف، والذي كان نتاج حياة النحاس الحافلة بالمدارسة والتدريس والتصنيف. وهو يقدم لك بهذا السفر الجليل نظرته الشمولية العميقة للنحو، وقوة استحضاره للوجوه الإعرابية، والعلل النحوية، وسعة اطلاعه في اللغة والتفسير والآثار، وهذا يدل على إمامته في العربية وعلومها، والقرآن وعلومه.

وإن البحث في كتاب إعراب النحاس هو بحث في تراث ثلاثة قرون من جهود النحويين في إعراب القرآن أودعها النحاس في هذا الكتاب، بترتيب محكم، وتمحيص دقيق وإضافات مبدعة، فكان كتابه بذلك محل عناية المعربين والنحويين والمفسرين والباحثين إلى يومنا هذا.

ومما يثير انتباه الدارس لإعراب النحاس، هو موقفه من القراءات، ذلك الموقف الذي لم يكن واضحا ومحددا، بقدر ما كان مترددا بين القياس والرواية، بين الالتزام بأصول النحويين البصريين وقواعدهم الصارمة وبين ثبوت الرواية وحجة الجماعة.

وعلاقة القراءات بالإعراب علاقة وثيقة كما هو معلوم، فالقارئ الحافظ عند علماء القراءات هو القارئ الذي يجمع في آن واحد بين العلم باختلاف القراءات رواية وسماعا ـ وذلك هو العمدة في هذا الفن ـ وبين العلم بوجوه الإعراب[2]. لكن النحاس، ككثير من النحويين، تختلف نظرته إلى هذه العلاقة عن نظرة علماء القراءات، إذ جعل الإعراب هو الضابط لاختلاف وجوه القراءات، وليس السماع والنقل.

لقد كان أبو جعفر النحاس من بداية كتابه “إعراب القرآن” إلى نهاية الجزء الثالث منه نحويا يحكم القياس في القراءات، فيرد القراءة التي تخالفه أو يرى أنها مرجوحة. هذا الاتجاه يكاد يضمر في الجزئين الأخيرين، فنرى النحاس أثريا يقف عند قاعدة “القراءة سنة متبعة”، ولا يطعن فيها، وإنما يقرر في غير ما موضع أن “الديانة تحظر الطعن في القراءة التي قرأ بها الجماعة” وأن “كتاب الله عز وجل لا يحمل على المقاييس”. فهل هذا يعني أنه كان للنحاس في “إعراب القرآن موقفان تجاه القراءات: موقف الناقد الطاعن، وموقف الملتزم المتبع؟ وما الجماعة التي ظهر التركيز عليها في أواخر كتابه؟ ألم تكن القراءات التي طعن فيها أو نقل طعن النحويين فيها قراءات الجماعة؟ هذه الأسئلة وغيرها نجيب عنها في ضوء معرفة ضوابط القراءة عند النحاس.

ضوابط القراءة المقبولة عند النحاس

ثمة ثلاثة ضوابط للقراءة المقبولة عند النحاس، وهي:

  1. نقل الجماعة، ويريد به التواتر.
  2. جوازها في العربية.
  3. موافقتها للسواد، أي رسم المصحف.

هذه الضوابط الثلاثة هي الضوابط، التي قال بها أئمة القراءة[3]. بيد أنها عند النحاس عرفت تطورا من خلال كتابه “إعراب القرآن” فبينما نجده من أول الكتاب إلى نهاية الجزء الثالث منه تقريبا يجعل من ضابط “جواز القراءة في العربية” القاعدة الأساس لصحة القراءة وقبولها نراه بعد ذلك يوسع من هذه القاعدة لينضم إليها ضابط آخر وهو “نقل الجماعة” أو “حجة الجماعة” كما يقول. فيجعل منهما ضابطين متجانسين لقبول القراءة مع عدم مخالفتها للسواد، كما فهمه.

1. جواز القراءة في العربية

عرف ضابط “جواز القراءة في العربية” في إعراب النحاس تطورا بين معنيين، معنى ارتبط بالأجزاء الثلاثة الأولى، ومعنى صاحب النحاس في جزئيه الأخيرين.

فالمعنى الأول يعنى به النحاس أن القراءة التي تجوز في العربية هي التي لا تخالف قياسا نحويا، وإن قارئها عالم بالإعراب، كأبي عمرو بن العلاء والكسائي ونافع، فإن خالفت القراءة قياسا أو كان قارئها جاهلا بالإعراب كحمزة وابن عامر ردت القراءة، كما سيأتي بيانه.

فالإعراب، إذن هو ميزان القراءة المقبولة عند النحاس، ذلك لأن في القراءات وجوها كثيرة “وكان الإعراب أولى بذكرها لما فيها من النحو، ولأنه لا يضبط مثلها إلا أهل الإعراب”[4] فمثلا قراءة نافع من رواية قالون ﴿وهم يخصمون﴾ [يس: 49] بإسكان الخاء وتشديد الصاد[5] لا تجوز عند النحاس “لأنه جمع بين ساكنين وليس أحدهما حرف مد ولين، وإنما يجوز في مثل هذا إخفاء الحركة فلم يضبط كما لم يضبط عن أبي عمرو ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ [البقرة: 54] إلا من رواية من يضبط اللغة، كما روى سيبويه عنه أنه كان يختلس الحركة”[6].

إن الإعراب عند النحاس هو مقياس القراءة المقبولة، والوسيلة الضابطة لتعدد وجوه القراءات، وبذلك يكون الإعراب هو الضابط للقراءات، فلا يقبل منها إلا ما جاء موافقا لأصوله وقواعده.

وطرح شرط “لا يضبط نحو هذه القراءات إلا أهل الإعراب “طرح ذهب إليه كثير من النحويين الذين جعلوا القياس النحوي العاملي ميزان القراءة المقبولة، ومن هؤلاء النحويين الزجاج[7] وابن جني[8] والزمخشري الذي يقول: “والسبب في نحو هذه الروايات[9] قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو”[10].

وللعلامة سعد الدين التفتازاني جواب مقنع ـ فيما أعتقد ـ على هذا الطرح. فقد أجاب عن مقولة: “ولا يضبط نحو هذه القراءات إلا أهل الإعراب” بأن القراءات السبع متواترة والنقل بالتواتر إثبات علمي، وقول النحاة نفي ظني، ولو سلم عدم التواتر فأقل الأمر أن ثبتت لغة بنقل العدول ويرجح بكونه إثباتا[11].

ويبدو أن ضابط “جواز القراءة في العربية” في إعراب النحاس انتهى في تطوره في معناه الآخر إلى جواب التفتازاني، يتضح ذلك من أمرين:

أحدهما: دفاع النحاس عن قراءات طعن فيها النحويون[12] من ذلك ـ مثلا ـ قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع ﴿إلا أن يكون ميتة أو دما﴾ [الأنعام: 145]، برفع (ميتة) ونصب (دما)[13] قال النحاس: “وبعض النحويين يقول هو لحن لأنه عطف منصوبا على مرفوع، وسبيل المعطوف سبيل المعطوف عليه، والقراءة جائزة وقد صحت عن إمام، على أن يكون (أو دما) معطوفا على “أن” لأن “أن” في موضع نصب، وهي اسم، والتقدير: إلا كون ميتة أو دما مسفوحا”[14].

والثاني: محاولة النحاس في أواخر إعرابه المزج بين المتواتر والقياسات النحوية، وأنه لا تعارض بينهما، إذ القراءة المتواترة “هي اللغة الفصيحة المعروفة من كلام العرب التي نقلتها الجماعة التي تجب بها الحجة”[15].

ونستطيع بناء على ذلك أن نقول: إن ضابط “جواز القراءة في العربية” كان في تصور النحاس ضيقا، يقصد به أن تأتي القراءة موافقة للإعراب العاملي. ثم توسع لقبول كل قراءة أتت على سنن كلام العرب، غير بعيدة في العربية، ولا شاذة عن حجة الجماعة.

إن هذا الفهم الأخير لذلك الضابط المستفاد من نصوص النحاس، هو ما يفهمه علماء القراءات من اشتراطهم أن تكون موافقة للعربية ولو بوجه، ذلك لأن “القراءات المتواترة لا تخالف العربية، فما من قراءة من المتواترة إلا وتلتقي مع مذهب أو رأي نحوي، بينما القراءات الشاذة جاء فيها ما يخالف القواعد النحوية، ولأجل أن يخرجوا الشواذ عن مجال المتواترات، ويقوا المتواترات من تسربها إليها وضعوا هذا الشرط”[16].

وهذه التوسعة في ضابط “جواز القراءة في العربية” انتهت بالنحاس إلى الوقوف عند ما سماه بحجة الجماعة، وعدم دفع ما تنقله من قراءات، فما هو ضابط “نقل الجماعة وحجتها”؟

2. ضابط “نقل الجماعة”

نقل الجماعة يقصد به النحاس ما نقل عن طريق التواتر، إذ يقرر أن الجماعة هي الأمة[17]، والقراءة هي التي عليها جماعة الحجة، وما يروى من غيرها يقع فيه الاضطراب[18]، ذلك لأن الجماعة لا تجتمع على ما لا يجوز[19]، من ثم فكتاب الله تعالى لا يحمل على المقاييس، وإنما يحمل بما تؤديه الجماعة”[20].

إن مصطلح الجماعة وحجيتها” مصطلح ظهر عند النحاس في أواخر إعرابه[21] وقد كان ذلك ـ فيما يبدو لي ـ استدراكا من النحاس على إسرافه في تحكيم القياس في القراءات التي نقلتها الجماعة، وأغلب الظن أن تعمق النحاس في دراسة القراءات هو الذي قاده إلى هذا الاستدراك فأصبح لديه أن نقل الجماعة حجة، لأنه نقل بالتواتر، وأن ما نقلته الجماعة لا يخالف قياسا. يلخص لنا ذلك النحاس في كثير من النصوص التي ضمنها الجزأين الأخيرين من إعرابه، من ذلك ـ مثلا ـ أن الفراء انفرد برواية “أما أنا خير”[22] عند الآية الكريمة: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين﴾ [الزخرف: 52]، هذه الرواية لا يقبلها النحاس لأنها خالفت ما عليه العربية والجماعة.

قال: “وزعم الفراء: أنه أخبره بعض المشيخة أنه يقرأ ﴿أفلا تبصرون أم أنا خير﴾ [الزخرف: 51- 52]، قال أبو جعفر: يقدره “أما” التي بمعنى “ألا” و “حقا”، ويكون على هذا ﴿أفلا تبصرون﴾ تمام الكلام، فهذه القراءة خارجة من حجة الإجماع، وكان يجب على هذا أن يكون “أما” بالألف[23].

ويذكر النحاس عند إعراب الآية الكريمة ﴿خافضة رافعة﴾ [الواقعة: 3]، أن اليزيدي قرأ “خافضة” رافعة” بالنصب[24] ” وهذه القراءة شاذة متروكة من غير جهة منها أن الجماعة الذين تقوم بهم الحجة على خلافها، ومنها أن المعنى على الرفع في قول أهل التفسير والمحققين من أهل العربية”[25].

وهما نصان واضحا الدلالة في معنى شرط تواتر القراءات وموافقتها العربية كما يفهمهما علماء القراءات، أو قريب من ذلك الفهم، وإنما قلنا قريب من ذلك الفهم، لأنا وجدنا للنحاس نصوصا غير واضحة الدلالة في معنى نقل الجماعة وحجيتها، فهو ـ مثلا ـ يصف قراءة ﴿حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: 5]، بكسر اللام، وهي قراءة متواترة قرأ بها الكسائي[26] يصفها بالشذوذ والخروج عن القياس. يقول: “قراءة الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ﴿حتى مطلع﴾، فهذا في قوته في العربية وشذوذ الكسر وخروجه من القياس”[27]، وربما ذهب النحاس هذا المذهب في قراءة الكسر ظنا منه أن هذه القراءة لم تقرأ بها الجماعة، بمعنى أنها غير مستفيضة، فقد عزاها إلى أبي رجاء العطاردي ويحيى بن وثاب، بينما عزا قراءة ﴿ مطلع﴾ بفتح اللام إلى العامة، وهذا يفيد أن النحاس لم يلتزم التحديد العلمي الدقيق بين المتواتر والشاذ من القراءات كما انتهى على يد ابن مجاهد (ت 324ﮪ)، ومهما يكن فذلك لا يشفع له، فكفى بقراءة الكسر حجة أن يقرأ بها أبو رجاء العطاردي ويحيى بن وثاب، وهما من أعلام أئمة التابعين في القراءة[28]. ويبدو أن نقل الجماعة أي التواتر والاستفاضة لا يكون على الإطلاق حجة قوية في قبول القراءة عند النحاس إذا خالف قياسا نحويا.

لقد كرر النحاس القول عن حجية الجماعة في أواخر إعرابه، ولكن هذه الحجية ظلت عنده مشوبة بنظرته النحوية إلى القراءات.

3. موافقة القراءة لخط المصحف

رسم المصحف حجة عند النحاس لا تجوز مخالفته، ولا تحل، لأنه “نقلته الجماعة عن الجماعة”[29] يقول عند إعراب الآية الكريمة: ﴿ياتوك بكل ساحر عليم﴾ [الأعراف: 112]، وقرأ الكوفيون إلا عاصما[30] ﴿وبكل سحار عليم﴾، وقرأ سائر الناس ﴿ساحر﴾ وكذلك هو في السواد كله، ويجب أن تجتنب مخالفة السواد”[31].

رد النحاس قراءات متواترة لأنها خالفت السواد

ويبدو أن النحاس كان يعني بعدم مخالفة خط المصحف أن تكون القراءة موافقة للخط موافقة صريحة تامة، فإن كانت الموافقة غير تامة فإنه يرد القراءة حتى وإن نقلتها الجماعة، وفاته أن ثمة قراءات مخالفة للمكتوب في المصحف وأجمع القراء على قبولها والقراءة بها، إذ لا يشترط في القراءة أن تكون دائما موافقة للرسم تحقيقا، بل يمكن أن تكون تقديرا أيضا، أي احتمالا[32].

ومن القراءات التي ردها النحاس لأنها، في نظره مخالفة للسواد، أو بتعبير دقيق لأنها لم توافق السواد تحقيقا، أي موافقة متطابقة، قراءة حفص وحمزة والكسائي ﴿وقال لفتيانه﴾ [يوسف: 62]، قال: “وقرأ سائر الكوفيين ﴿وقال لفتيانه﴾… قال أبو جعفر: وهذا مخالف للسواد الأعظم، لأنه في السواد لا ألف فيه ولا نون، فلا يترك السواد المجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع”[33].

وهذا كلام فيه مناقضة، إذ كيف يقول “وقرأ سائر الكوفيين”، ثم يرد هذه القراءة، والكوفيون جماعة تقوم بقراءتهم الحجة، ولا معنى لحجية الجماعة كما فهمتها من نصوص النحاس سوى أن تكون القراءة تواترت واستفاضت عند أهل المصر[34]. وإذا كان ذلك كذلك سقط دعواه أن سند هذه القراءة منقطع.

ثم إن ما ادعاه من مخالفة للسواد، ليست مخالفة مطبقة، لأن قراءة الكوفيين رسمت في المصحف بالألف المحذوفة هكذا (لفتينه)، فهي محتملة للقراءة الأخرى (لفتيته)، هذا فضلا على أن المعتمد في القراءات ـ كما قلنا ـ هو النقل المتواتر، وإنما وضع شرط موافقة خط المصحف، وشرط موافقة العربية للوقاية فقط من أن يتسرب إلى القراءات المتواترة شيء من الشواذ.

ولا أدل على أن النحاس كان يعني بموافقة القراءة للرسم الموافقة الصريحة من قبوله قراءة يزيد بن القعقاع[35] ﴿ما تكون من نجوى ثلاثة﴾ [المجادلة: 7]، رغم أنها ـ كما قال ـ تخالف حجة الجماعة. قال: “وقرأ يزيد بن القعقاع ﴿ما تكون من نجوى ثلاثة﴾، وهذه القراءة وإن كانت مخالفة لحجة الجماعة فهي موافقة للسواد جائزة في العربية لأن نجوى مؤنثة باللفظ[36].

وإن هذا النص ليبين كذلك على أن تصور النحاس لضوابط القراءة المتواترة لم يكن دقيقا. فقد أجمع العلماء على أن القراءة المقبولة يجب أن تتوافر فيها الضوابط الثلاثة معا، فإن اختل واحد منها ردت القراءة وشذذت، لكن النحاس يرى أن تخلف ضابط واحد لا يضر، كما في تخلف ضابط “حجة الجماعة” في قراءة ﴿ما تكون﴾ بالتاء، ويجب التنبيه على أن هذه القراءة لا تخالف حجة الجماعة، كما زعم النحاس، فهي قراءة متواترة قرأ بها أهل المدينة، ونقلها عنهم أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وهو إمامهم في القراءة، وشيخ نافع[37].

وعندي أن عدم دقة النحاس في الأخذ بضوابط القراءة الثلاثة، كما نص على ذلك الأئمة، يرجع إلى أن نظرته للقراءات كانت نظرة نحوي يجعل من ضابط “موافقة العربية” هو الأساس في قبول القراءة، رغم أن هذه النظرة تعدلت شيئا ما عندما بدأ ينص في أواخر إعرابه على وجوب الأخذ بضابط موافقة القراءة لحجة الجماعة.

نقد القراءات

هكذا، وبناء على هذه النظرة النحوية لضوابط القراءة، وجه النحاس مجموعة من الانتقادات إلى القراءات المتواترة والشاذة. وهو مسبوق بهذا النقد، فقد طعن فيها قبله كثير من النحويين واللغويين والمفسرين منهم سيبويه والمبرد والزجاج والفراء والكسائي والطبري وغيرهم[38]. ذلك لأنهم وجدوا أن القواعد النحوية التي استنبطوها من كلام العرب تطرد مع الآيات المجمع على قراءتها. ومع الآيات المختلف في قراءتها أيضا. لكنهم وجدوا أن ثمة قراءات من المختلف فيها أتت على وجه خارج عن القياس، فحكموا عليها بالشذوذ أو الرداءة أو الضعف أو القلة أو القبح أو الخطأ أو اللحن أو غير ذلك من الأوصاف التي لا تليق.

والباعث على نقد القراءات عند النحاس هو القياس النحوي، وذلك سيرا على نهج أسلافه النحويين، إذ وجد أن وجوها من القراءات جاءت على خلاف الشائع والفصيح من كلام العرب. والقرآن، في نظره، لا ينبغي أن يحمل على الشذوذ[39] وإنما يحمل على الكثير والفصيح[40]، ومن ثم لم ير بأسا أن يرمي قراءات متواترة بالشذوذ أو اللحن أو القبح أو الرداءة أو أنها على أقل تقدير تحمل على الشذوذ كما يحمل اللفظ في الشعر على الضرورة وذلك ما نص عليه في بعض ردوده، كقوله عقب نقده لقراءة حمزة ﴿وما أنتم بمصرخي﴾ [إبراهيم: 22][41].

“ولا ينبغي أن يحمل كتاب الله عز وجل على الشذوذ”[42]، وكقوله، في رده أن تخرج قراءة أهل المدينة ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: 30]، من غير فاء في (بما) على أن تكون “ما” للشرط وتكون الفاء محذوفة، كما قال:[43]

من يفعل الحسنات الله يشكرها        والشر بالشر عند الله مثلان

قال: “فأما أن يشبه هذا بالبيت الذي ذكرناه، فبعيد أيضا لأن حذف الفاء مع الفعل المستقبل لا يجوز عند سيبويه إلا في ضرورة الشعر، ولا يحمل كتاب الله عز وجل إلا على الأغلب الأشهر”[44]، وكقوله في مواضع مختلفة[45] “وهو وجه بعيد في العربية لا يجوز”.

إن النحاس، يمتاز بالإسراف في الاعتماد على القياس، والتعقب للآراء والاعتراض عليها، ولهذا وجدنا في إعرابه نماذج كثيرة في نقد القراءات في عبارات صريحة، نابية أحيانا، سواء قال بها أو نقلها عن النحويين، وقد بلغ مجموع القراءات المنقودة ـ فيما أحصيت ـ مائة واثنين (102) قراءة المتواتر منها سبعون (70)[46]، والشاذ اثنان وثلاثون (32)[47].

ومن القراءات المتواترة التي ردها النحاس أو حكى نقد النحويين لها، قراءة حمزة ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: 1]، بجر (الأرحام)[48] وهي القراءة التي تخالف قاعدة (لا يعطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور)، ذلك أن (الأرحام) وهي اسم ظاهر ـ قد عطفت على الضمير في كلمة (به) من غير إعادة حرف الجر، وهو الباء، وهذا لا يجوز عند البصريين كما لا يجوز عندهم “مررت به وزيد” بدون إعادة الخافض إلا في الضرورة، وأجاز ذلك الكوفيون على كره وقبح[49].

وقد ذكر النحاس رأي البصريين والكوفيين في قراءة (الأرحام) ولخصه تلخيصا دقيقا فقال: “وقد تكلم النحويون في ذلك فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحل القراءة به، وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه فيما علمت. قال سيبويه[50]: لم يعطف على المضمر المخفوض لأنه بمنزلة التنوين. وقال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه شريكان لا يدخل في أحدهما إلا ما دخل في الآخر، فكما لا يجوز مررت بزيد (وكـ) وزيد. وقد جاء في الشعر كما قال[51]:

فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا         فاذهب فما بك والأيام من عجب

وكما قال[52]:

وما بينها والكعب عوط نفانف

وقال بعضهم: (والأرحام) قسم، وهذا خطأ من المعنى والإعراب، لأن الحديث عن، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدل على النصب، روى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر ابن جرير عن أبيه قال: كنت عند النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى جاء قوم من مصر حفاة عراة فرأيت وجه النبي، صلى الله عليه وسلم، يتغير لما رأى في فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال: “يأيها الناس اتقوا ربكم والأرحام، ثم قال: تصدق رجل بديناره، تصدق رجل بدرهمه، تصدق رجل بصاع ثمره”[53] وذكر الحديث، فمعنى هذا على النصب، لأنه حضهم على صلة أرحامهم، وأيضا فلو كان قسما كان قد حذف منه لأن المعنى ويقولون بالأرحام أي ورب الأرحام، ولا يجوز الحذف إلا أن لا يصح الكلام إلا عليه، وأيضا فقد صح عن النبي، صلى الله عليه وسلم: “من كان حالفا فليحلف بالله”[54] فكما لا يجوز أن تحلف إلا بالله، كذا لا يجوز أن تستحلف إلا بالله، فهذا يرد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرحم”[55].

في هذا النص نرى النحاس يحكي رأي البصريين والكوفيين في قراءة حمزة (والأرحام)، وتعليل البصريين لهذا المنع، ثم يستدل بالأثر في منع الحلف بغير الله حتى يقوي منع جر الأرحام. وهو بذلك يظهر ميله إلى البصريين الذين حكموا على قراءة حمزة في العربية بعدم الجواز إلا في اضطرار شعر[56]. وهذا ما نص عليه في موضع آخر عند إعراب الآية الكريمة: ﴿قال رب اغفر لي ولأخي﴾ [الأعراف: 151]، قال: “فأعاد حرف الجر لأن المضمر المخفوض لا يعطف عليه إلا هكذا، إلا في شذوذ، كما قرأ حمزة (تساءلون به والأرحام) فيجيء على هذا اغفر لي وأخي”[57].

فالنحاس إذ يقبل هذه القراءة المتواترة، فإنه يحملها على الشذوذ، كما جاز في البيتين السابقين عطف “الأيام” على الكاف في “بك” بغير الباء، وعطف “الكعب” على الضمير في “بينها” للضرورة. وهذا غاية التعصب لقواعد البصريين وأقيستهم التي ضيقت واسعا. وقد رد النحاس إعرابات أخرى لأنها خالفت قاعدة العطف على الضمير المخفوض، كما في إعرابه ﴿والمقيمين﴾ [النساء: 162][58].

والملاحظ أن النحاس ركز نقده على قراءة حمزة[59]، حتى قال في موضع: “ويقال: إن أكثر من يغلط في هذا من القراء الذين يقرؤون بقراءة حمزة”[60] وهو يقصد بالغلط ههنا مخالفة القواعد والأقيسة النحوية، معاذ الله أن يكون الغلط يرجع إلى عدالة حمزة وضبطه في النقل والرواية[61]. والنحاس في ذلك يقتفي أثر البصريين الذي هجموا هجوما عنيفا على حمزة وقراءته[62].

والفصل بين المتضايفين لا يجوز عند النحويين إلا في ضرورة الشعر بالظرف والجار والمجرور[63]. ومن ثم ردوا قراءة ابن عامر[64] ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ [الأنعام: 137]، ولحنوها لما فيها من الفصل بين المضاف وهو كلمة (قتل) وبين المضاف إليه وهو كلمة (شركاء) بالمفعول به الذي هو (أولاد).

وقد لخص النحاس هذا الرد النحوي الجائر تلخيصا مركزا: “فأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا شعر، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه في الشعر بالظرف لأنه لا يفصل، فأما بالأسماء غير الظروف فلحن”[65].

وقرأ حمزة والأعمش ﴿ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ [فاطر: 43]، بإسكان همزة (السيئ) الأول في الوصل[66] “فحذف الإعراب من الأول وأثبته في الثاني، قال أبو إسحاق[67]، وهو لحن لا يجوز، قال أبو جعفر: إنما صار لحنا لأنه حذف الإعراب منه، وزعم محمد بن يزيد: أن هذا لا يجوز في كلام ولا شعر، لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها لأنها دخلت للفرق بين المعاني. وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ بهذا، وقال: إنما كان يقف عليه فغلط من أدى عنه. قال: “والدليل على هذا أنه تمام الكلام، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلام أعربه، والحركة في الثاني أثقل منها في الأول؛ لأنها ضمة بين كسرتين، وقد احتج بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه، وأنه أنشد هو وغيره:[68].

إذا عوججن قلت صاحب قوم         الدو امثال السفين العوم

وقال آخر:[69]

فاليوم أشرب غير مستحقب         إثما من الله ولا واغل

وهذا لا حجة فيه لأن سيبويه لم يجزه، وإنما حكاه عن بعض النحويين والحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجة، فكيف وإنما جاء به على الشذوذ، وضرورة الشعر، قد خولف فيه، وزعم أبو إسحاق أن أبا العباس أنشده “إذا عوججن قلت صاح قوم”، وأنه أنشده “فاليوم فاشرب “بالفاء[70].

لعل هذا النموذج خير ما يمثله منهج النحاس النقدي تجاه القراءات، فهو يحكي نقد النحويين لهذه القراءة، ويشرحه ويعلله، كما أنه يبين عن موقف النحاس من قراءة حمزة، إن الأعمش لمحله من العربية يعظم بعضهم أن يقرأ بهذه القراءة، لذا حاول النحاس أن يجد لها مخرجا، بينما الحجة التي استدل بها بعضهم لقراءة حمزة، وهي ما رواه سيبويه من شعر، لا يراها النحاس دليلا، ويحمل قراءته على الشذوذ والضرورة، حاكيا ما رواه الزجاج عن شيخه المبرد في شاهدي سيبويه.

والحق أن قول سيبويه[71] لا يفيد أنه لا حجة في الشاهدين السابقين في جواز تسكين حركة الإعراب، ولله در أبي سعيد السيرافي في بيانه مذهب سيبويه في حذف حركة الإعراب والعلة في ذلك، قال: “والقول عندي ما قاله سيبويه في جواز تسكين حركة الإعراب للضرورة” وذلك أنا رأينا القراء قد قرؤوا ﴿ما لَك لا تامنّا على يوسف﴾ [يوسف: 11]، وخطه وكتابه في المصحف بنون واحدة، ووافقهم النحويون على جواز الإدغام فيه وفي غيره، مما تذهب فيه حركة الإعراب للإدغام، فلما كانت حركة الإعراب يجوز ذهابها للإدغام طلبا للتخفيف، صار أيضا ذهاب الضمة والكسرة طلبا للتخفيف، وليس لقول من يأبى ذلك، ويحتج في فساده بأنه تذهب منه حركة الإعراب معنى؛ لأن الإدغام أيضا يذهب حركة الإعراب”[72].

كما أن اعتراض المبرد على شاهدي سيبويه في جواز تسكين حركة الإعراب، إنما هو اعتراض على الرواية والسماع، قال ابن جني: “وأما اعتراض أبي العباس هنا على الكتاب فإنما هو على العرب لا على صاحب الكتاب، لأنه حكاه كما سمعه، ولا يمكن في الوزن أيضا غيره، وقول أبي العباس:؛ إنما الرواية فاليوم اشرب فكأنه قال لسيبويه: كذبت على العرب، ولم تسمع ما حكيته عنهم، وإذا بلغ الأمر هذا الحد من السرف فقد سقطت كلفة القول معه”[73].

ومما حذف فيه أيضا حركة الإعراب، ما روى عن أبي عمرو من تسكين حرف الإعراب في بعض الآيات: ﴿بارئكم﴾ [البقرة: 54]، و﴿يامركم﴾ [البقرة: 67]. و﴿ينصركم﴾ [آل عمران: 160، التوبة: 14، محمد: 7، الملك: 20]. و﴿ما يشعركم﴾ [الأنعام: 109].

وقد حكى النحاس تلحين المبرد لقراءة ﴿بارئكم﴾ بالإسكان قال: روى عن أبي عمرو بإسكان الهمزة من ﴿بارئكم﴾، وروى عنه سيبويه[74] باختلاس الحركة، قال أبو جعفر: أما إسكان الهمزة فزعم أبو العباس أنه لحن لا يجوز في كلام ولا شعر لأنها حرف الإعراب. وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدوا: “إذا اعوججن قلت صاحب قوم”[75].

وقال في ﴿يأمركم﴾: “وحكى عن أبي عمرو (يأمركم) حذف الضمة من الراء لثقلها، قال أبو العباس: لا يجوز هذا لأن الراء حرف الإعراب وإنما الصحيح عن أبي عمرو أنه كان يختلس الحركة”[76].

وقد صرح النحاس بهذا التلحين في موضع آخر عند إعراب ﴿إن الله يامركم﴾ [النساء: 58]، قال: “وإسكان الراء لحن”[77]، وقال أيضا عند إعراب ﴿ولا يامركم﴾ [آل عمران: 80]، و “أما رواية اليزيدي عن أبي عمرو أنه أسكن الراء فغلط”[78].

من الواضح أن النحاس في تلحينه قراءة الإسكان في هذه الحروف تابع للمبرد، ويلاحظ على نصوصه السابقة أمور:

أحدها: حكايته جواز أئمة النحو القدماء تسكين حركة الإعراب في الوصل من غير اعتراض على شاهد سيبويه في ذلك، ثم حكايته في موضع آخر عدم الجواز، كما رأينا، والنحاس لا يحسم أحيانا في المسائل فيذكر في موضع الجواز، وفي آخر يذكر عدمه، ربما يرجع ذلك إلى أنه كان يكرر القول في جملة مسائل وقضايا نحوية ولغوية وغيرها، فيفصل فيها في موطن، ويجمل في آخر، وقد نبه إلى ذلك بقوله: “ولعله يمر الشيء غير مشبع فيتوهم متصفحه أن ذلك لإغفال، وإنما هو لأن له موضعا غير ذلك”[79].

الثاني: أن النحاس ينسب الغلط إلى الرواة عن أبي عمرو، وقد تقدم كلامه في أن من روى الإسكان في (بارئكم) عن أبي عمرو لم يكن ضابطا للرواية عنه، والنحاس يزعم حين تتعارض القواعد النحوية مع وجوه القراءات التي أصحابها من القراء المشهورين بعلمهم في العربية أن الرواة لم يضبطوا على هؤلاء القراء، فغلطوا عليهم، ونسبوا إليهم هذا الغلط، ويخص النحاس رواة نافع وأبي عمرو بهذا الاتهام[80] لأن نافعا وأبا عمرو عالمان بالعربية فيجل ـ في نظره ـ أن يقرأ بتلك الروايات التي تخالف قواعد النحويين. وحين يكون القارئ غير العالم بالعربية، بمعنى غير محسوب في زمرة النحاة، فإن الطعن يتجه إليه مباشرة، كحمزة وابن عامر[81]. وقد لاحظنا آنفا تفريقه بين حمزة والأعمش من حيث العلم بالعربية حين وجد للأعمش مخرجا في قراءته التي وافق فيها حمزة (ومكر السيئ)، وهذا مقياس غير مستقيم إذ القراء السبع كلهم عالمون بوجوه الإعراب والقراءات، عارفون باللغات ومعاني الكلمات، بصيرون بعيب القراءات منتقدون للآثار، ولذلك اختارهم ابن مجاهد[82]. وهب أن القراء السبع غير عالمين بوجوه الإعراب واللغات ألا يكون المصير إليهم أولى وأليق بمنطق المعقول، لأنهم ناقلون، والقراءة ـ كما يعرف النحاس وغيره من النحويين ـ سنة متبعة على أن “من يزعم أن أئمة القراءة ينقلون حروف القرآن من غير تحقيق ولا بصيرة، ولا توقيف فقد ظن بهم ما هم منه مبرؤون وعنه منزهون”[83].

الأمر الثالث: إن رواية الاختلاس ليست هي الصحيحة فقط عن أبي عمرو كما زعم المبرد والزجاج[84] وتابعهما النحاس، فقد روى أكثر أهل الأداء الاختلاس من رواية الدوري، والإسكان من رواية السوسي، بل إن الإسكان ورد عن أصحابه من أكثر الطرق، وقال الحافظ أبو عمرو الداني: “والإسكان أصح في النقل وأكثر في الأداء، وهو الذي اختاره وأخذ به”[85] ثم إن سيبويه لم يكن في محل الاعتراض على رواية الإسكان، وإنما ذكر ما يوافق غرضه من الاستشهاد وهو الاختلاس، ولم يذكر الإسكان أصلا، بل أجازه، وأنشد عليه “فاليوم أشرب غير مستحقب”، ولكنه قال : القياس غير ذلك.

ويحدد النحاس موقفه من مشكلة الشذوذ في القراءات من قاعدة عامة، وهي أنه “قل ما يخرج شيء من قراءة العامة إلا كان فيه مطعن”[86]. ومراد النحاس بالمطعن ههنا هو مخالفة القراءة الشاذة للعربية، أو خروجها عن حجة الجماعة.

ومخالفة شواذ القراءات للعربية يعني في نظر النحاس مخالفتها للقواعد التي وضعها النحويون، وخاصة البصريين منهم، من ذلك مثلا قراءة سعيد بن جبير الآية الكريمة ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ [الأعراف: 194]، بتخفيف (إن) وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب (عباد) بالتنوين ونصب (أمثالكم) فجعل (إن) عاملة عمل “ما” ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهو ما منعه أكثر البصريين، واختلف النقل في ذلك عن سيبويه والمبرد[87]. قال النحاس وهذه القراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات، إحداها: إنها مخالفة للسواد، والثانية: أن سيبويه يختار الرفع في خبر “إن” إذا كانت بمعنى “ما” فيقول: إن زيد منطلق، لأن عمل “ما” ضعيف، و “إن” بمعناها فهي أضعف منها، والجهة الثالثة: أن الكسائي زعم أن “إن” لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى “ما” إلا أن يكون بعدها إيجاب كما قال جل وعز: ﴿إن الكافرون إلا في غرور﴾ [الملك: 20][88]. وهكذا، كان النحاس يرى أن الإعراب العاملي هو الضابط لاختلاف وجوه القراءات، فما وافقه قبل، وما خالفه رفض، حتى وإن كان متواترا مستفيضا.

ورغم هذا الموقف الحاسم الصلب تجاه القراءات؛ فإنه يلحظ في موقف النحاس مناقضة سافرة، فهو في الوقت الذي يطعن في القراءات، أو يحكي طعن النحويين فيها، نراه في مواضع ينبري للدفاع عن قراءات انتقدت من هؤلاء النحويين، ويحاول في مواضع أخرى أن يمزج بين القراءات المتواترة والأقيسة النحوية وأنه لا تعارض بينهما فكيف نفسر هذه المناقضة؟

لا أرى تفسيرا لهذه المناقضة سوى أن النحاس كان يعبر عن روح عصره، حيث كان الخلاف ـ أو قل الصراع ـ بين النحويين والقراء على أشده، وكان النحاس يحاول أن يخفف من حدة هذا الصراع، ويوفق بين قياس النحويين الصارم وبين رواية القراء الثابتة حين أكد على حجية الجماعة، وعلى عدم التعرض للقراءات بالطعن، ولكنه ـ في رأينا ـ لم يوفق، فقد ظلت نظرته للقراءات ـ كما رأينا ـ مشوبة بأصول فكره النحوي البصري، بل إنها في مواطن كثيرة كان الإسراف في تحكيم القياس في القراءات ومتابعة النحويين في نظرتهم الضيقة، وانتقاداتهم الزائفة للقراءات، التي ظنوا أنها لم تأت على الفصيح الشائع من كلام العرب، كما انتهى إليهم، كان كل أولئك وهو ما يطبع نظرة النحاس إلى القراءات وموقفه منها.

المصادر

  1. إعراب القرآن، أبو جعفر النحاس، تحقيق: د. زهير غازي زاهد، عالم الكتب، بيروت، ط 2، 1985م.
  2. التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني، تحقيق أوتوبرتزل، دار الكتاب العربي، ط 3، 1983م.
  3. حاشية الكازروني على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، مؤسسة شعبان، بيروت، د ت.
  4. السبعة في القراءات، أبو بكر ابن مجاهد، تحقيق: د. شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ط 7.
  5. إعراب القرآن، أبو جعفر النحاس، تحقيق: د. زهير غازي زاهد، عالم الكتب، بيروت، ط 2، 1985م.
  6. التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني، تحقيق أوتوبرتزل، دار الكتاب العربي، ط 3، 1983م.
  7. حاشية الكازروني على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، مؤسسة شعبان، بيروت، د ت.
  8. السبعة في القراءات، أبو بكر ابن مجاهد، تحقيق: د. شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ط 7.
  9. ضرورة الشعر: أبو سعيد السيرافي، تحقيق: د. رمضان عبد التواب، دار النهضة العربية، بيروت، ط 5، 1985م.
  10. القراءات القرآنية تاريخ وتعريف الدكتور عبد الهادي الفضلي، دار القلم، 1985م.
  11. الكتاب سيبويه، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت، ط 1، 1991م.
  12. المحتسب في تبيين شواذ القراءات والإيضاح عنها: أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق: علي النجدي ناصف، ود. عبد الحليم النجار، و د. عبد الفتاح شلبي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1386م.
  13. مختصر في شواذ القرآن، ابن خالويه، علم الكتب، بيروت، د.ت.
  14. معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق الزجاج، تحقيق: د. عبد الجليل شلبي، عالم الكتب بيروت، ط 1، 1998م.

النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، دار الفكر، بيروت، د. ت.

انظر العدد 19 من مجلة الإحياء

نقد القراءات القرآنية في إعراب النحاس

الهوامش

  1. يتكون “إعراب القرآن” من خمسة أجزاء، صدر بتحقيق الدكتور زهير غازي، وصاحبه هو أبو جعفر أحمد ابن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي المصري، المعروف بالنحاس، نحوي مفسر أديب. ولد بمصر ورحل إلى بغداد طلبا للعلم، توفي سنة 338ﮪ، قرأ على شيوخ كثر أشهرهم أبو إسحاق الزجاج، وعلي بن سليمان الأخفش الصغير، ونفطويه أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة، من مؤلفاته المطبوعة: “”إعراب القرآن”، “معاني القرآن” “ناسخ القرآن” ومنسوخه” “القطع والائتلاف”، “التفاحة في النحو”، “شرح أبيات الكتاب”، “شرح القصائد التسع المشهورات” “صناعة الكتاب”، ينظر ترجمته في طبقات النحويين واللغويين للزبيدي، ص: 220، نزهة الألبا في طبقات الأدبا، لابن الأنباري 217. انباه الرواة على أنباء النحاة، للقفطي ج 1/101. معجم الأدباء، ج 4/224، سير أعلام النبلاء، للذهبي ج 15/401. شذرات الذهب، ج 2/246 وغيره.
  2. ينظر السبعة في القراءات، لابن مجاهد، ص 45، منجد المقرئين لابن الجزري، ص: 4- 5.
  3. ينظر النشر، ج 1/9/13. إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر، لابن البناء الدمياطي، ج 1/70. الإبانة عن معاني القراءات، لمكي بن أبي طالب، تحقيق: محي الدين رمضان، ص: 39.
  4. إعراب النحاس، ج 2/158.
  5. التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني، ص: 184.
  6. إعراب النحاس، ج 3/397- 398.
  7. معاني القرآن، ج 4/275- 276.
  8. الخصائص، ج 1/72.
  9. يقصد القراءات التي وردت مخالفة للقواعد النحوية القياسية.
  10. الكشاف، الزمخشري، ج 1/330.
  11. حاشية الكازروني على تفسير البيضاوي، ج 1/272، وينظر اللهجات العربية في القراءات القرآنية، الدكتور عبده الراجحي، ص: 86، تفسير الألوسي، ج 2/66.
  12. ينظر إعراب القرآن، مثلا، ج 1/215- 342- 422- 433- 469- 474- 495. ج2/23- 70- 86- 103- 152- 168- 171- 192- 239- 379- 457. ج3/3- 4- 6- 47- 62- 68- 142- 147- 208- 284- 313- 390- 430. ج4/5- 38- 79- 108- 164- 357. ج5/ 27- 46- 63- 116- 195.
  13. وهي أيضا قراءة ابن عامر، النشر في القراءات العشر، ج 2/266.
  14. إعراب النحاس، ج 2/103.
  15. المرجع نفسه، ج 4/389، وينظر: ج 4/104.
  16. القراءات القرآنية تاريخ وتعريف، للدكتور عبد الهادي الفضلي، ص: 121.
  17. إعراب النحاس، ج4/352.
  18. المصدر السابق، ج 5/14.
  19. المصدر السابق، ج 4/174.
  20. نفسه، ج 4/365.
  21. ينظر، مثلا، ج 4/86- 104- 114- 116- 146- 174. ج 5/210- 224- 231- 240- 270- 290.
  22. ينظر معاني الفراء، ج 3/35. مختصر الشواذ، ص: 138. البحر المحيط، 8/23.
  23. إعراب النحاس، ج 4/113- 114.
  24. المحتسب، ج 2/307. مختصر الشواذ، ص: 151.
  25. إعراب النحاس، ج 4/322.
  26. التيسير، 224.
  27. إعراب النحاس، ج 5/270.
  28. ينظر غاية النهاية لابن الجزري، ج 1/604، ج 2/380.
  29. إعراب النحاس، ج 3/356.
  30. التيسير، 112.
  31. إعراب النحاس، 2/143.
  32. ينظر النشر، ج 2/11- 12.
  33. إعراب النحاس، ج 2/334.
  34. ينظر، مثلا، إعراب النحاس، ج 4/113- 114. ويقارن بتفسير الطبري، ج 25/81. الزخرف الآية: 51.
  35. النشر، ج 2/385. وقرأ الباقون (مايكون) بالياء على التذكير.
  36. إعراب النحاس، ج 4/375.
  37. ينظر ترجمته في غاية النهاية، ج 2/382، رقم 3882، وينظر أيضا منجد المقرئين ومرشد الطالبين، لابن الجزري 28.
  38. ينظر، مثلا، الكتاب، ج 2/170، ج 4/338. المقتضب، ج 2/171. معاني الزجاج، 2/6، ج 4/60. معاني الفراء، ج 2/72، ج 3/266. تفسير الطبري، ج 8/43- 44. وينظر كذلك: الدفاع عن القراءات المتواترة في مواجهة الطبري المفسر للدكتور سعيد لبيب. الدفاع عن القرآن للدكتور أحمد مكي الأنصاري، النحو وكتب التفسير، للدكتور إبراهيم رفيده، ج 2/1098 وما بعدها.
  39. إعراب النحاس، ج 2/269، وينظر: ج 3/51.
  40. المرجع نفسه، ج 3/263.
  41. وينظر التيسير، ص: 134.
  42. إعراب النحاس، ج 2/368، وينظر: ج 3/377، ج 4/165.
  43. نسب في الكتاب، 3/64 إلى حسان بن ثابت. ونسب في المقتضب، ج 2/70. والنوادر ص:207 إلى عبد الرحمن بن حسان.
  44. المصدر السابق، ج 4/83.
  45. السابق، ينظر مثلا: ج 1/363- 561، ج 2/66- 223- 253، ج 3/90- 95- 297.
  46. ينظر: إعراب القرآن: ج 1/212- 237- 261- 262- 264- 265- 291- 292- 325- 331- 338- 363- 366- 391- 432- 451- 466- 501. ج 2/5- 26- 46- 66- 72- 82- 97- 111- 134- 143- 153- 161- 194- 223- 253- 284- 291- 300- 303- 305- 368- 402- 453- 459- 474. ج3/31- 38- 84- 90- 95- 134- 142- 146- 206- 297- 304- 377- 389- 409. ج4/143- 165- 170- 413- 417. ج5/21- 41- 168- 215- 296.
  47. ينظر السابق، ج 1/244- 282- 286- 293- 343- 460- 468- 499. ج 2/7- 17- 74- 104- 116- 153- 158- 168- 171- 186- 219- 248- 296. ج 3/27- 194- 200- 449. ج 4/115- 252- 322. ج 5/105.
  48. التيسير، ص: 93.
  49. ينظر: الكتاب ج 2/382، معاني الزجاج ج 2/6. الكامل للمبرد، ج 2/749. معاني الفراء، ج 1/252. مجالس العلماء، 245. الإنصاف، ج 2/463، م: 65.
  50. الكتاب، ج 2/382.
  51. غير منسوب في الكتاب، ج 2/383- والخزانة، ج 2/338.
  52. لمسكين الدرامي ديوانه، 53.
  53. أخرجه مسلم في الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، ج 2/705.
  54. أخرجه البخاري في الإيمان، باب لا تحلفوا بآبائكم، ج 4/151.
  55. إعراب النحاس، ج 1/431- 432.
  56. الكامل، ج 2/748. معاني الزجاج، ج 2/6.
  57. إعراب النحاس، ج 2/153. وينظر: ج 1/505، ج 3/304، ج 4/413.
  58. المرجع نفسه، ج 1/505.
  59. ينظر إعراب القرآن، ج 1/363- 451. ج 2/305- 368- 474. ج 3/146- 377- 409.
  60. المصدر السابق، ج 5/9.
  61. ينظر عن منزلة حمزة في القراءات من ناحية الثقة والضبط غاية النهاية، ج 1/261- 263.
  62. ينظر مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي، 52- 53.
  63. ينظر الإنصاف في مسائل الخلاف، ابن الأنباري، ج 2/427، م: 60.
  64. (زين) بضم الزاي وكسر الياء، (قتل) برفع اللام، (أولادهم) بنصب الدال، (شركائهم) بخفض الهمزة، التيسير، 107.
  65. إعراب النحاس، ج 2/98.
  66. النشر، ج 2/352، الاتحاف، ج 2/394.
  67. معاني القرآن، ج 4/275.
  68. لأبي نخيلة، ضرورة الشعر للسيرافي، 120.
  69. لامرئ القيس، ديوانه: 122، الخزانة، ج 3/530.
  70. إعراب النحاس، ج 2/377- 378.
  71. ينظر الكتاب، ج 4/204.
  72. ضرورة الشعر، 124.
  73. المحتسب، ج 1/110.
  74. الكتاب، ج 4/202.
  75. إعراب النحاس، ج 1/226. وينظر: ج 1/479.
  76. المصدر السابق، ج 1/234.
  77. المصدر السابق، ج 1/466.
  78. المصدر السابق، ج 1/391.
  79. السابق، ج 1/165، المقدمة.
  80. السابق، ج 1/367- 388- 391، ج 4/165.
  81. ينظر إعراب القرآن ـ مثلا ـ ج 3/173.
  82. السبعة في القراءات، 401.
  83. النشر، ج 2/214.
  84. معاني الزجاج، ج 4/275.
  85. النشر، ج 2/212.
  86. إعراب النحاس، ج 1/348.
  87. ينظر الجني الدائي، 209. البحر المحيط، ج 4/404.
  88. إعراب النحاس، ج 2/168- 169.
Science
الوسوم

د. عبد الرحيم مرزوق

أستاذ الدراسات القرآنية

كلية الآداب بالجديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق