مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

المآخذ الكلامية في فقه المقارئ، تثوير ومدارسة – إلقاء الدكتور عبد الهادي السلي

لقد علّق الأستاذ عبد الهادي السلي نياط كلمته على ما روي في المقارئ خلفا ووفاقا، ثم إنه أمهد لكلمته بمدخل مفاهيمي فسر فيه أجزاء العنونة جزءا جزءا حتى يضع السامعين إزاء إشكالات علمية تتعلق بمدى تأثير مباحث علم الكلام (الإلهيات، الغيبيات، النبوات، مبادئ علم المنطق) في العلوم الشرعية خاصة علم المقارئ والتفسير وما يتصل بهما، ثم حصر الباحث كلمته في الحديث عن مسائل تتعلق بعلوم المقارئ السبعة من الوقف والابتداء وعلم اللغة من حيث تصريفها وتركيبها وإعرابها وفقهها ودلالتها …، فشرع أولا في إفاضة القول عن الجملة الأولى: (الخلف الآيل إلى بنية الكلمة) ومثَّل لذلك بمسألة خلق القرآن بين الكسبية والقدرية والجبرية، نظرا لحضور ذلك في الخلف القرائي خاصة في كتب التفسير التي عني بعضها بالنظر الكلامي والعقلاني دون التفسير بالمأثور ثم ساق لذلك آية (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا) [الأنعام/149] وعيَّن ما في كلمة (كَذَبَ) المخففة الشاذة من الحجّية، خاصة عند المعتزلة في مسألة خلق الأفعال وساق آية أخرى متعلقة بعصمة النبوة وهي قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُواْ) [يوسف/110] إذ لا حجة في قراءة التثقيل واتخاذها سبيلا للطعن في عصمة الأنبياء، وإنما الكلام مسوق لقراءة التخفيف في (كَذَبُواْ) التي يتبدَّى من ظاهرها أن الله قد أخلف وعده رسله، وهو ظن قبيح تعالى الله عنه، ولذلك أنكرت عائشة رضي الله عنها هذا الحرف ولم تَرَه أبدا …، الجملة الثانية: (إعراب الكلمة حال تركيبها) وساق الباحث لذلك مثالا وهو قوله تعالى: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات/ 95]، فهذا مستمسك القدرية في أن الله تعالى قد خلق الأفعال باعتبار (ما) موصولية، وكذلك ساق تأويل الكسبية والمعتزلة في تعليل الحرف الشاذ …، الجملة الثالثة: (معجمية الكلمة فقها ودلالة) ساق لها للتمثيل قوله تعالى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) [الإسراء/16] قرئت (آمَرْنا) وفي الشاذ (أَمَّرْنا)، فبين أن المتكلمين على أن الله لا يأمر بالفحشاء، وساق قول الكسبية والقدرية وكذا المعتزلة وتأويلاتهم، الجملة الرابعة (المرسوم تنزلا) ومثاله قوله تعالى: (لِأَهَبَ لَكِ غُلاَماً) [مريم/18] قرئت بالهمز وبالياء على الحقيقة، إذ الواهب هو الله سبحانه وبالهمز على المجاز، فينبغي حمل قراءة الهمز على قراءة الياء، الجملة الخامسة (ضبط السواد تنزلا) وساق له قوله تعالى: (قَالَ عَذَابِي أُصيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ) [الأعراف/156] وقرئت (مَنْ أَسَاءَ) من الإساءة، فبيَّن مناط الجزاء وفق القراءتين عند الجمهور وعند القدرية والمعتزلة والكسبية، وهذه القراءة موافقة للمرسوم ومخالفة للضبط المعلوم، الجملة السادسة (الوقوف) وساق لها شاهدا قوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران/7] والمتشابه الحقيقي، ثم قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) [القصص/68]، وتغاير المعاني والحجية وقفا وابتداء عند القدرية والجبرية والمعتزلة، … ثم انتهى الباحث في خاتمة الكلمة إلى تقرير جملة ملاحظ تتعلق بمدى الأثر الذي أحدثه علم الكلام في كتب التفسير وعلوم المقارئ خاصة، وأن للتمذهب أثره في اختيار المقرأ والحرف القرآني والاحتجاج له، وكذا تأثر علم الوقف والابتداء وعلم الإعراب وما أشبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق