مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةغير مصنف

قصيدة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم للقاضي ابن الوليد هشام بن هشام القرطبي ضبط النص

قصيدة في مدح  الرسول ﷺ[1]

للقاضي ابن الوليد هشام بن هشام القرطبي[2]

ضبط النص

 

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

وعلى آله وصحابته أجمعين.

بقلم الباحث: عبد الفتاح مغفور*

وبعد؛

فالمدائح النبوية، هي فن من فنون الشعر تهتم بمدح محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بتعداد صفاته الخُلُقية والخِلقية، وإظهار الشوق لرؤيته وزيارته، والأماكن المقدسة التي ترتبط بحياته، مع ذكر معجزاته الماديّة والمعنويّة ونظم سيرته شعراً، والإشادة بغزواته وصفاته والصلاة عليه تقديراً وتعظيماً لجانبه الأعظم.

وعرفها زكي مبارك بأنها: “فن من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع؛ لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص”[3].

ومن أهم ما تميز به شعر المديح أنه شعر ينطلق من رؤية إسلامية، تطبعه النفحة الروحانية الصوفية من خلال التركيز على الحقيقة المحمدية التي تتجلى في السيادة والأفضلية باعتباره سيد الكون والمخلوقات، صلى الله عليه وسلم، وأنه أفضل البشر خِلقة وخُلقاً. ويتميز أيضاً بصدق المشاعر ونبل الأحاسيس، ورقة الوجدان وحب النبي محمد بن عبد الله طمعاً في شفاعته ووساطته يوم الحساب.

 وقصيدة ابن الوليد هشام ابن هشام القرطبي  هذه تندرج ضمن هذا الغرض الشعري الأصيل، وهي قصيدة منالبحر الطويل، واضحة العبارات والمعاني.

وقد عدد ابن الوليد  من خلال هذه القصيدة المعجزات التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها تؤكد صحة نبوته، كتكليم الوحوش له، ونطق الذراع، وحنين الجدع، وانشقاق القمر،  ونبع الماء  من بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم، وتنبيه ذراع الشاة المسمومة له، وتكليم الضب وتصديقه لرسالته وغيرها من المعجزات،  مشيرا إلى  أنها  تَنِدُّ عن الإحصاء والعَد ِّوالحصر.

ومما نوه به أيضا في هذه القصيدة  رسالته  صلى الله عليه وسلم  وتوجيهاته المنيرة التي اهتدت بها الأمة فآمنت بالله،فخرجت من الظلمات إلى النور، وبها تحطمت الأصنام  وتساقطت طرا  بعد حلوله لمكة بلا سرد.

كما عدد مناقب  بعض الصحابة رضي الله عنهم، ووصف كل واحد  منهم بوصفه المعروف به، مبتدئا بالخلفاء الراشدين: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان، وعلي معدن العلم …

ثم ختم قصيدته  الجميلة رحمه الله بالتوجه إلى الله طلبا  لمغفرته، ورحمته، لتكون مؤنسة له من ظلمة القبر واللحد.

والخلاصة أن ابن الوليد تميز  في هذه القصيدة  بأمرين :

ـ  الأول: صدق المشاعر الجياشة، ونبل الأحاسيس.

ـ  والثاني: استخدامه للغة بسيطة  خالية من التكلف  والصنعة، وتوظيفه للمعجم الديني، وكثرة الصور البيانية الجميلة.

وهذا نصها: 

سَلامٌ كنشر الرَّوضِ والمسك والنَّدَا

 

سَلاَمٌ كعرف العود والعنبر الورْدِ/2/

سَلاَمٌ كَعَدِّ الرَّمل والقَطْر والحصا 

 

عَلىَ المُصْطَفَى المُخْتَارِ ذِي العَزْمِ والجِدِّ

سَلاَمٌ عَلى من قَد تَوارَثَ نُورُهُ وأوصى

 

به صَيْدُ الكِرَام  ذوو رِفْد[4]

سَلاَمٌ عَلى المَبْعُوث مِنْ آل هَاشم 

 

ومَن كُسيِ النُّورَ الُمتَمَّم في المَهْدِ

سَلاَمٌ عَلىَ من حِينَ خُبّر أنه

 

رسول أجَابَتْهُ الوُحوش إلى الرشد الرُّشد

سَلاَمٌ عَلى خَيرِ البَريّة كلِّهَا

 

وَسَيِّدها حَقّاً وَمَنْ خُصَّ بالحَمْد

سَلاَمٌ على مَنْ أظْهَرَ  اللهُ نُورَهُ  

 

وبُرْهَانَهُ حتَّى أَقَرَّ ذَوُو الجحْدِ

سَلاَمٌ عَلىَ من جَاء جِبريلُ  مُرْسَلاً

 

إليْهِ بِفُرْقَان  مِنَ الصَّمَدِ الفَرْد

سلاَمٌ عَلى من قد قَضى الله  أنه 

 

 شَفيعُ العُصَاة الُمذْنِبِين بِلاَ رَد

سلام عَلى من خَبَّرتْه بسُمّها 

 

ذراع فقالت:  لاَ تَذُقْ  سُميَ الَمرْد

سَلام على مَن كان مِن مُعْجِزَاتِه أن

 

أطْعَمَ للآلاف قُوَتَ امرئ فَرد

سلام على مَن أغْلَم َالذيبُ أنَّهُ

 

رَسُولٌ مِنَ الرَّحمان بَشَّر باِلخُلْدِ

سَلام على من أنْطَقَ  الله ُظَبْيَةً

 

شَكَتْ لَهُ ما قد قَدّرَ اللهُ مِن جهْدِ

سَلاَمٌ عَلَى مَنْ أنْبَأَ الضَبَّ أَنّهُ

 

رَسُولٌ أتَانَا  بِالوَعِيدِ وبِالوَعْدِ

سَلاَمٌ عَلىَ مَن سَبَّحت  بِيَمِينهِ الحَصَا 

 

بِاقْتِدَارِ اللهِ ذِي البَطْشِ[5] والأَيْدِ

سَلاَم على من شَقَّقَ اللهُ رَبُّنَا لَهُ

 

البَدْر ُحتَّى رئِيَ في القُرْبِ والبُعْد

سَلاَم على مَنْ قَال  ربِّي بأنَّه

 

مِن النَّاس مَعْصُوم فَنَاهِيكَ مِن مَجْد

سلام عَلىَ مَنْ عَمَّ  بالرَّيِ جَيْشَهُ  

 

بِمَاء جَرَى بين أَنْمُلِهِ عَدِ[6]

سَلام على مَن صحَّحَ اللهُ رَبُّنَا 

 

بِتَفْلَتِه عَينَيْ عَلِّي مِنَ الرَّمَدِ[7]/3/

سلام على مَنْ كَانَ فِي الغار ثَارِياً 

 

فَحَجَّبَهُ  رَبٌّ تَبَارَكَ عَن نِدِّ

سلام على مَن كان مِن مُعجزاته 

 

تَكَلُّمِ أَشْجَار أَتَتْ نَحْوَه  َتْخذِ

سَلاَمٌ على من قَدْ أَحلَّ بِمكة

 

تَسَاقَطَتِ  الأصْنَام طُرّاً بِلاَ سَرْدِ[8]

سلام عَلى مَن قدْ تَخندَقَ لِلْعِدَا

 

أضَاءَ لَهُ بَرْقٌ  مَنْ الحَجَرِ الصَّلْدِ[9]

سَلاَم ٌعَلىَ مَن ْلَم يَكُنْ لَهُ عاَصيا

 

لَهُ جَمَادٌ ولاَ نَبْثٌ بِقُدْرَة ِذِي المَجْدِ

سلاَم على مَن لم  لَيْس يَحْصُر نَاظِم 

 

وَلاَ نَاثِرٌ ما كَانَ مِنْ مُعْجِز يُبْدِ

سَلاَم على مَن قَد نَمَتْ بركاتُه ُ

 

فَجَلَّتْ عَنْ الإِحْصَاءِ والحَصْر والعَدِّ

سَلاَم على من كَان يخبِرُ بالذِي

 

سَيَأتي فَيَأتي لا يَجُوزُ[10] عَن القَصْد

سلام عليه كلَّ مَا ذَرَّ شَارِقٌ 

 

وما سَجَعَتْ ورْقٌ عَلىَ الأغصن المُلْدِ

سَلام على صدِّيقه عَلِم الُهدَى

 

وَبَعْد ُعَنِ الفَارُوق ِجَارَيْه في ِاللَّحْد

سلام على عُثمان واخْصُصْ بِطيِّبِ السَّلام

 

عَلِىّا مَعْدِن العِلْمِ والزُّهْدِ 

سَلاَم عَلىَ البِرِّ ابْنِ عَوْف وَذي النُّهَى

 

سَعِيد، وَسَلِّم بَعْدَ ذَاكَ عَلىَ سَعْدِ

سلاَم عَلَى ذِي الفَضْلِ  والخَيْرِ  وَاذْكُرِ

 

الزُّبَير بتَسْلِيم أنمّ مِنَ النَّدِّ

سَلاَم عليهم مِنْ كِرَام  وَقَادَة هُمْ

 

عَقَدُوا دِينِ الُهدَى أيَّمَا عِقْدِ

سَلاَمٌ عَلىَ هَذَا النّبي  وصَحْبِه 

 

وأزْوَاجِه طُرّا لَذَا الصَّدْر والوِرْدِ

سَلاَم وصَلىّ الله مَا لاَحَ كَوْكَبٌ

 

صَلاَةً تَوالِي  بِالمَزِيد بِلاَ عَدّ  

وأَسأل رَبّي أن يَمُرَّ بِثَوبَة 

 

تُبَاعِدُ  من غي وتُدْنِي مِنَ الرّشد

وأسأله غُفران ذنبي وَرحْمَةً تُؤْنِسُنِي

 

مَنْ ظُلْمَتِي  القَبْرِ واللّحْدِ

 ******************

  لائحة المصادر والمراجع:

1- متخير الألفاظ، لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبي الحسين (ت 395هـ)، تحقيق: هلال ناجي، مطبعة المعارف، بغداد، ط1، 1390هـ – 1970م

2- المدائح النبوية في الأدب العربي، تأليف: زكي مبارك، منشورات المكتبة العصرية، صيدا بيروت، الطبعة الأولى 1935.

3- القاموس المحيط، لمجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (ت 817هـ)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان، ط8 1426 هـ ـ 2005 م.

4- شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم لنشوان بن سعيد الحميرى اليمني (ت 573هـ)، تحقيق: د حسين بن عبد الله العمري ـ مطهر بن علي الإرياني ـ د يوسف محمد عبد الله، دار الفكر المعاصر (بيروت ـ لبنان)، دار الفكر (دمشق ـ سورية)،ط1 1420 هـ ـ 1999 م.

5- العين، لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت 170هـ)، تحقيق د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.

6- كتاب الألفاظ، لابن السكيت، أبو يوسف يعقوب بن إسحاق (ت 244هـ)، تحقيق: د. فخر الدين قباوة، مكتبة لبنان ناشرون، ط1 1998م.

 

هوامش المقال

*************

[1]  ـ  قصيدة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، للقاضي ابن الوليد هشام ابن هشام القرطبي، مكتوبة بخط مغربي، خالية من تاريخ النسخ، واسم الناسخ،  عدد صفحاتها: ثلاث صفحات. والقصيدة محفوظة بالخزانة العلمية الصبيحية بسلا، تحت رقم1167، ضمن مجموع. انظر فهرس المخطوطات ج2 مخ (ص:89).

[2] – هو القاضي ابن الوليد هشام ابن هشام القرطبي  رحمه الله تعالى ورضي الله عنه، ـ هكذا  اسم الناظم في المخطوط ـ ولم أقف على  من ترجم  له من كتب التراجم ـ  التي  تيسر لي الاطلاع عليها.والله أعلم.

[3] – المدائح النبوية في الأدب العربي، لزكي مبارك (ص: 17)

[4] – الرفد: العطية، والمعونة، ويقال: رفدته من الرفد، وأرفدته، إذا أعنته على ذلك. كتاب الألفاظ، لابن السكيت(ص:383)

[5]  – أي: الأخذ الشديد في كل شيء، والبأس. القاموس المحيط(ص:585)، “مادة: بطش”

[6] – والعِد: الماء الدائم الذي لا ينقطع. متخير الألفاظ لأحمد بن فارس(ص:101)

[7] – والرمد:  الوَجَعُ.  العين(8 /38)،” مادة: رمد”

[8] – أي: بلا توال ولا تعاقب.

[9] – أي:الحجر الصُّلب الأملس.شمس العلوم ودواء  كلام العرب من الكلوم(6/ 3791)، مادة صلد.

[10] – كذا في الأصل، ولعل  الصواب “لا يجور “.

*راجعت المقال: الباحثة خديجة أبوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق