مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةفنون

علم مختلف الحديث : تعريفه، وبعض من صنف فيه

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.  

     يعد علم مختلف الحديث من أهم العلوم الشرعية؛ إذ لا يمكن فهم الحديث النبوي الشريف واستنباط الأحكام الشرعية منه إلا بمعرفة علم مختلف الحديث، وقد اتفقت كلمة علماء الحديث الذين صنفوا في علم مصطلح الحديث على التنبيه على هذه الأهمية ؛  ومن ذلك ما قاله ابن حزم الظاهري: “وهذا مِن أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف النصوص وأغمضه وأصعبه”([1])، وقال الإمام النووي في التقريب قال: “هذا فنٌ من أهمِّ الأنواع، ويضطرُّ إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف”([2])، وهذا المقال محاولة  للتعريف بعلم مختلف الحديث وبعض من صنف فيه، وهذا أوان الشروع في المقصود فأقول وبالله التوفيق والعون والسداد :

أولا: التعريف بعلم مختلف الحديث لغة واصطلاحا:

1-التعريف بعلم مختلف الحديث لغة واصطلاحا:

علم “مختلف الحديث”:  هو مركب إضافي من كلمتين وهما: 1-مختلف. 2- الحديث.

فكلمة مختلف في اللغة: من الاختلاف، قال ابن فارس : “الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة: أحدها أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، والثاني خلاف قدام، والثالث التغير”([3]).

والحديث في اللغة: نقيض القديم،ويستعمل في اللغة أيضا حقيقة في الخبر قال في القاموس: «والحديث: الجديد، والخبر، جمعه: أحاديث» ([4]).

وأما في الاصطلاح: فقد عرفه النووي بقوله: “وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما”([5]).

وعرفه السخاوي في الغاية في شرح الهداية بقوله:  “أن يوجد حديثان متضادين في المعنى بحسب الظاهر، فيجمع بينهما بما ينفي التضاد عنهما” ([6]).

وقال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون: ” والمختلف قسمان: الأول ما يمكن الجمع بينهما فيتعين المصير إليه ويجب العمل بهما. والثاني: ما لا يمكن فيه ذلك وهو ضربان: الأول ما علم أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، والثاني: ما لا يعلم فيه ذلك فلابد من الترجيح ثم           التوقف “ ([7]).

ومن المعاصرين عرفه الشيخ صبحي الصالح بقوله: “علم يبحث عن الأحاديث التي ظاهرها التناقض من حيث إمكان الجمع بينها، إما بتقييد مطلقها، أو بتخصيص عامها، أو بحملها على تعدد الحادثة، أو غير ذلك، ويطلق عليه علم تلفيق الحديث” ([8]).

      وعليه فإن علم مختلف الحديث؛ هو العلم الذي يبحث في الأحاديث التي ظاهرها التعارض من حيث إمكان الجمع بينها، أو التي لا يمكن الجمع بينها وهي على ضربين:  الأول  منهما: ما علم أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، والثاني: ما لا يعلم فيه ذلك فلابد من الترجيح ثم التوقف.

ثانيا: بعض من صنف في علم مختلف الحديث:

     يعد علم مختلف الحديث من أهم أنواع علوم الحديث، وفي ذلك يقول النووي: “هذا فن من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما، أو يرجع أحدهما، وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني، وصنف فيه الإمام الشافعي (204هـ)، ولم يقصد رحمه الله استفاءه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه”([9])،ويعد مصنفه الموسوم ب: “اختلاف الحديث” ([10])من أقدم ما وصلنا من المصنفات المفردة في هذا الفن ، ثم إن من أشهر المصنفات بعد الإمام الشافعي رحمه الله كتاب: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري (276هـ) ([11]) رحمه الله قال النووي: “ثم صنف فيه ابن قتيبة، فأتى بأشياء حسنة، وأشياء غير حسنة؛ لكون غيرها أقوى وأولى، وترك معظم المختلف”([12]) ، وقد أبان رحمه الله غرضه من تأليف هذا الكتاب وهو: “الرد على من ادعى على الحديث التناقض والاختلاف، واستحالة المعنى من المنتسبين إلى المسلمين”([13]) ، وممن صنف فيه كذلك من العلماء الإمام أبو جعفر الطحاوي(321هـ) رحمه الله بكتابه الموسوم بـ: “مشكل الآثار”  ([14])، وقد صرح في مقدمة كتابه غرضه من تأليفه للكتاب قائلا: “وإني نظرت في الآثار المروية عنه صلى الله عليه وسلم بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبوابا أذكر في كل باب منها ما يهب الله عز وجل لي من ذلك منها حتى أتى فيما قدرت عليه منها كذلك ملتمسا ثواب الله عز وجل عليه، والله أسأله التوفيق لذلك والمعونة عليه، فإنه جواد كريم، وهو حسبي ونعم الوكيل” ([15])، و منهم  العلامة علي بن المديني (233هـ) الذي ذكر الزركلي أنه صنف كتابا في اختلاف الحديث وهو في خمسة أجزاء([16])، وكذلك  الإمام أبو  بكر محمد ابن فورك الأنصاري المتوفى (406هـ) رحمه الله بكتابه المسمى “مشكل الحديث                وبيانه” ([17]).

    وختاما يمكن أن نخلص إلى الآتي: يعد علم مختلف الحديث من أهم أنواع علوم الحديث،  وهو علم يبحث فيه عن الأحاديث التي ظاهرها التناقض من حيث إمكان الجمع بينها والتي لا يمكن الجمع بينها على ضربين:  الأول  منهما: ما علم أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، والثاني: ما لا يعلم فيه ذلك فلابد من الترجيح ثم التوقف، وقد اعتنى العلماء بالتصنيف في هذا الفن وقد أشرنا إلى ذكر بعضهم . والحمد لله رب العالمين

*****************

هوامش المقال: 

([1])  الإحكام في أصول الأحكام (1 /206).

([2])  التقريب والتيسير (ص: 90).

([3])  معجم مقاييس اللغة (2 /210) مادة: “خلف”.

([4])  انظر: القاموس المحيط (ص: 167) مادة: «حدث».

([5])  التقريب والتيسير (ص: 90).

([6]) الغاية في شرح الهداية (ص: 300)، وانظر: كشاف اصطلاحات الفنون (2 /1492).

([7])  كشاف اصطلاحات الفنون (2 /1492-1493).

([8])  علوم الحديث ومصطلحه (ص: 111).

([9])  التقريب والتيسير (ص: 90).

([10])  وهو كتاب مطبوع ومن طبعاته طبعة دار المعرفة ببيروت سنة 1410هـ الموافق ل 1990م، حيث طبع ملحقا بكتاب الأم للشافعي يقع في الجزء الثامن من الكتاب.ـ

([11])  وهو كتاب مطبوع ومن طبعاته طبعة دار ابن عفان في طبعته الثانية 1430هـ الموافق ل 2009مـ بتحقيق: سليم بن عيد الهلالي 

([12])  التقريب والتيسير (ص: 90)

([13])  تأويل مختلف الحديث (ص: 255).

([14])  وهو كتاب مطبوع ومن طبعاته طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق: شعيب الأرناؤوط في طبعته الأولى سنة 1415هـ الموافق لـ: 1994مـ.

([15])  شرح مشكل الآثار (1 /6).

([16])  الأعلام (4 /303).

([17])  وهو كتاب مطبوع عن عالم الكتب بيروت في طبعته 2/ 1405- 1985 بتحقيق وتعليق: موسى محمد علي.

******************

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة:

الإحكام في أصول الأحكام. لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد ابن حزم الظاهري. ضبط نصه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد محمد تامر. دار الكتب العلمية بيروت. 2010مـ.

الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. لخير الدين الزركلي. دار العلم للملايين بيروت. ط 15 / 2002مـ.

تأويل مختلف الحديث. لأبي عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري حققه وضبط نصه وخرج أحاديثه وآثاره وعلق عليه:  سليم بن عيد الهلالي.  دار ابن عفان في طبعته 2/ 1430هـ-2009مـ.

التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير. لمحيي الدين بن شرف النووي. تقديم وتحقيق وتعليق: محمد عثمان الخشت. دار الكتاب العربي بيروت. ط1/ 1405هـ-1985مـ.

شرح مشكل الآثار. لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي. حققه وضبط نصه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة بيروت. 1415هـ-1994مـ.

علوم الحديث ومصطلحه (عرض ودراسة). صبحي الصالح. دار العلم للملايين. بيروت لبنان. 2009مـ.

الغاية شرح متن ابن الجزري الهداية في علم الرواية للسخاوي. تحقيق: محمد سيدي محمد الأمين. إشراف: السيد أحمد صقر . 1403هـ- 1983مـ

القاموس المحيط. مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي. تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف محمد نعيم العرقسوسي. مؤسسة الرسالة. ط8/ 1426هـ- 2005مـ.

معجم مقاييس اللغة. أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا. تحقيق وضبط: عبد السلام محمد هارون. دار الفكر ط 1399هـ-1979مـ.

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم.  لمحمد علي التهانوي. تقديم وإشراف ومراجعة: د رفيق العجم. تحقيق: د علي دحروج.  مكتبة لبنان بيروت ط1/ 1996مـ.

*راجع المقال الباحث: يوسف أزهار

Science

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق