مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

أَهَمِّيَة رُمُوز الوَقْف فِي المَخْطُوطَات الإسْلامِية

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

تمهيد:

الحمْد لله ربِّ العَالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد الأولين والآخِرين، وعلى آل بيْته الطَّيبين الطَّاهرين، وصَحابته الغُرِّ المُحجَّلين.

وبعد؛ فلا يزال عالم المخطوطات الإسلامية يتحف محبيه والمعتنين بقضاياه وإشكالاته بأسراره وخباياه الغميسة، ويفتح أمامهم آفاقا واسعة للبحث والدراسة، فمع الطفرة التكنولوجية والتقنية التي عرفها العصر الحاضر، والإمكانيات المادية والبشرية التي وُضفت في عالم التراث أذى إلى تغيير تلكم النظرة الكلاسيكية التقليدية إلى المخطوط على أنه نص مكتوب فقط لا غير؛ بل أصبح المخطوط ينظر إليه الآن كوعاء مادي يحمل بين ثناياه ملامح متعددة، وعوالم مختلفة، لا تزال إلى مسيس الحاجة إلى من يفض أختامها، ويميط اللثام عن جوانبها المجهولة.

 فلا تزال هناك قضايا مهمة فيه تحتاج إلى مزيد بيان، وتكشيف: كقضية الأختام، والطرر، وقيود الإجازات والسماعات، وقيود التملكات، وقيود النسخ والمقابلة والتصحيح، وقيود الوقف، وقيود الشراء؛ بل نجد فيها تدوينات عجيبة للنساخ مما يرونه هاما في حياتهم: كتاريخ ولادة، أو وفاة، أو زفاف، أو بيع، أوشراء، أو فائدة، أو بيت شعر، أو ذكر لحادثة مهمة، كحرب، أو حريق، أو زلزال، أو ترجمة لبعض العلماء.. وغيرها من أنواع القيود وهو ما يقصد به في علم الكوديكولوجيا بخوارج النص، أو التقييدات الهامشية، التي تكتب غالبا على غلاف الكتاب الداخلي والخارجي، أو على صفحة العنوان، أو في حرود المتن.

ومما يؤسف له أن ثلة من الباحثين لا يلق بالا إلى هذه الخوارج النصية ـ على أهميتها وقيمتهاـ في حين أن هذه التقييدات الهامشية تفوق في أهميتها وقيمتها ما هو في متن المخطوط ذاته.

ومن بين هذه الخوارج المهمة في المخطوطات الإسلامية: قيود الوقف والتحبيس، حيث نجد في خزائن العالم الإسلامي تراث كبير يحوي بين طياته وطرره رموزا للوقف والتحبيس، وهذه الرموز فيها دلالات كبيرة تفصح عن جوانب غميسة من تاريخ الأمة، وماضيها وحضارتها، إلى جانب ما تحويه أيضا هذه الوقفيات من فوائد نادرة، وعلوم جمة.

ولأهمية الموضوع أحببت أن أخصه بمقال أسلط فيه الضوء على أهمية الوقفيات في المخطوطات الإسلامية، وفوائدها الجمة للمشتغليين بتراث الأسلاف رضوان الله عليهم.

فأقول وبالله التوفيق:

أهمية رموز الوقف في المخطوطات الإسلامية

1- إن دراسة مضامين هذه الوقفيات المثبتة على طرر الكتب المخطوطة يقدم خدمة لتاريخ الكتاب من جانبين:  الجانب التاريخي، والجانب الباليوغرافي أو الخطي. فاعتماداً على المخطوطات الحاملة لوثائق الوقف فإنه يمكن تَأْريخ نسبة كبيرة من هذه المخطوطات وتعريفها، ومما يساعد المهتمين بعلم المخطوطات في دراستهم المخطوطية هذه هو وجود هذه الوثائق الوقفية على ظهر الأوراق الأولى من المخطوطات، وأحياناً في وسطها، كما توجد هذه الوقفيات في بعض أجزاء المخطوط أو في جميع أجزائه، أما الجانب الباليوغرافي أو الخطي، فيمكن للباحث في المخطوطات أن يحل رموز كتابه طالما ظل صاحبها مجهولاً، بمعنى أن مؤلَّف مخطوط مجهول المؤلِّف يكتشف من خلال مقابلة خط وقفية له عليها اسمه بكتابة هذا المخطوط[1].

2- رموز الوقف والتحبيس تعين العالم الكوديكولوجي من الوقوف على تأريخ تقريبي لنسبة كبيرة من المخطوطات غير المؤرخة، أو المجهولة المؤلف، أو العنوان، أو هما معا.

3- رموز الوقف والتحبيس المثبتة على الكتب المخطوطات تعين على صيانتها من الضياع والسرقة، باعتبار الواقف يشترط أن لا يباع الكتاب الموقوف، ولا يوهب، ولا ينقل من محله، ويختم ذلك بالأيمان المغلظة، والوعيد الشديد والدعاء على من أخل بذلك، مما جعل الناس تحتاط جدا من الكتب التي بها قيود الوقف والتحبيس فلا تمد لها الأيدي بالنهب والسرقة – وإن شوهد في بعض الحالات خروج عن هذه القاعدة -.

4- رموز الوقف والتحبيس تعين على تحديد الزمان والمكان يقول د. شوقي بنبين:”فالوقوف على اسم الواقف أو الخزانة الموقوف عليها يساعد في الغالب الأعم على تحديد تقريبي للزمن وربما للمكان الذي نسخ فيه المخطوط المجهول التاريخ أو النسب”[2].

5- رموز الوقف والتحبيس تعين على تصحيح تاريخ مخطوط معين، فكم من مخطوط مؤرخ اطمأن إليه محققه، فثبت بعد دراسة المخطوط دراسة كوديكولوجية أنه نسخ في زمن تفصله قرون من التاريخ المثبت عليه[3].

6- رموز الوقف والتحبيس تعين على توثيق وتأكيد اسم الكتاب، واسم مؤلفه، حيث نجد في مضمون الوقفيات اسم المحبس، وأسماء الكتب المحبسة، وأسماء مؤلفيها، وعدد المجلدات المحبسة.

7- رموز الوقف والتحبيس تعين على الوقوف على بقية نسخ الكتاب المخطوط في باقي الخزائن يقول د. خالد الطباع:” قد يعمدون إلى كتابة الوقف على النسخة الخطية؛ وهو أمر يساعد الباحث على معرفة مكان بقية النسخة؛ إذا كانت أجزاؤها ناقصة من خلال دراسته لتاريخ المدرسة، أو الزاوية، أو المسجد الذي تم عليه الوقف”[4].  

8- ومن فوائد هذه الوقفيات أنها توثق تلك اللحظة التاريخية التي حبس فيها الواقف كتبا معينة على طلبة العلم، فيسجل ذلك كله بذكر اسم الواقف، والموقوف عليه، وأسماء الكتب الموقوفة، وأسماء الشهود على الوقف،  فالوقفيات بهذا الاعتبار تقدم خدمة جليلة لطلبة العلم الفقراء المنقطعين للدراسة ممن لا يملكون المال الكافي لشراء أمات الكتب، فيقوم الواقف والواهب نيابة عنهم بالتفضل بتوفير جميع الكتب والمراجع المفيدة لهم، ويوقفها على خزانة المدرسة، فيجد الطالب بغيته بيسر وبدون مقابل مما يشجع على التعلم والتمدرس.

9- ومن فوائد هذه الوقفيات أننا نلمس في مضامينها أبعادا عميقة للنفس الإنسانية المسلمة المحبة للخير، “وذلك لما تحويه من أفكار، وما تنبئ عنه من معلومات تعكس النظرة الاجتماعية، والإحساس من الموصي بالحاجة إلى ما يؤثِّر في مجتمعه، ويشغل أذهان بني جلدته، كما أن محتويات تلك الوصايا ما هي إلا انعكاس اجتماعي ينبئ عن تفاعلات ذلك المجتمع، وما يؤرق أبناءه؛ لأن الوصية والحرص على منافعها دليل على أن المجتمع يحرص أفراده على التعاطف والترابط بالرغم مما يحصل عندهم من مشاحنات وفتن، كما نلمس هذا في الوقائع التأريخية المرصودة “[5].

10- ومن فوائد هذه الوقفيات أننا نلمس من خلالها  أصناف المحبسين، وأنواع الواقفين من الملوك والسلاطين، والعلماء، والتجار، وعامة الناس..مما يدل أن مفهوم الخير عام في المجتمع الإسلامي، وأنه لم يكن مقتصرا على جهة دون أخرى؛ بل هو تقليد معروف بين: غنيهم وفقيرهم، رفيعهم ووضيعهم بلا استثناء.

11- ومن فوائد رموز هذه الوقفيات على المخطوطات أنها بمثابة وثائق ومستندات لا يمكن الطعن في صحتها، وموردا هاما للمؤرخين والكودكولوجيين لإعادة إحياء التراث الإسلامي، وإعادة صياغة جديدة للتاريخ، وقلب المفاهيم التقليدية، لأن هذه الوقفيات تمدنا: بأسماء أعلام مغمورين لا نجد لهم ترجمة في كتب التراجم، وكذلك أسماء الخانات والأحياء والشوارع التي لم يعد لها وجود واندثرت معالمها، فهي بهذا الاعتبار تعد مصدرا مهما لدراسة الجوانب التاريخية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، والحضارية للدول والمماليك التي كتبت فيها الوقفية؛ لأن حرص الواقف على تدوين الوقفية بشكل دقيق، ومقصود يعين على بيان وكشف هذه الجوانب بتفصيل.

(وقفية والدة السلطان أحمد المنصور الذهبي للجامع الكبير للسيوطي، على خزانة مسجدها الجامع بمراكش)

– خزانة القرويين –

نص التَّحبيس:

[…مولانا الإمام ظل الله في الأنام مولانا أبو العباس المنصور بالله أمير المؤمنين هذا الجامع الكبير للإمام الأسيوطي المشتمل على ستة أسفار المكتوب هذا على أولى ورقة من السفر الخامس منه بالكتب التي من تحبيس المولاة والدته الحرة الكريمة المحتدين المنتمية من صالح القول والعمل إلى الأحمدين المولاة المسعودة بنت الشيخ الأصيل الخطير الشهير الشيخ أحمد بن عبد الله الوزكيتي بمسجدها الجامع من مراكش المحروسة على طلبة العلم وأهله، وشرط أيده الله أن لا ينتفع به إلا في محله أشهد بذلك وتولاه وبنى عليه نية وعملا صيانة من …وأيدي التلف إليه تحبيسا مؤبدا، ووقفا مسرمدا ابتغاء وجه الله العظيم والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وكتب في أواسط صفر عام 1001 من الهجرة الكريمة النبوية].

الخاتمة:

على الرغم من أهمية رموز الوقفيات، وما تمثله من قيمة كوديكولوجية بالنسبة للمشتغل بالتراث الإسلامي المخطوط، فإنه للأسف لم تعط لها بعد ما تستحقه من رعاية واعتناء، مما يدعونا بشدة إلى ضرورة البدء بالاهتمام بها، من خلال وضع كشافات وفهارس خاصة بالمخطوطات التي تحمل وقفيات العلماء والسلاطين، ورقمنت الوثائق الوقفية الإسلامية المحفوظة بالخزائن العامة والخاصة بالعالم، مع العمل على دراسات كوديكولوجية لمضامين هذه الوقفيات، واستنباط ما تحويه من معلومات قيمة: تاريخية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، ودينية، وحضارية.. وهذا مجال واسع للباحثين المختصين ينبغي التنبه إليه، والانكباب عليه لما فيه من فوائد علمية نفيسة.

وفي الختام أحمد الله  تعالى الذي وفقني لإتمام هذا المقال حول: « أهمية رموز الوقف في المخطوطات الإسلامية »، راجيا منه سبحانه وتعالى أن ينفع به، ويذخر لي أجره يوم لقائه. 

وصل الله على نبينا المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى.

 والحمد لله رب العالمين.

********************

هوامش المقال:

[1] – دراسات في علم المخطوطات والبحث البيبلوغرافي: د. أحمد شوقي بنبين، منشورات كلية الآداب بالرباط، مطبعة النجاح، ط1، 1993م، (ص: 54).

[2] – مقال: ظاهرة وقف الكتب في تاريخ الخزانة المغربية، (ص: 28)، مجلة دعوة الحق، عدد: 404.

[3] – مقال: ظاهرة وقف الكتب في تاريخ الخزانة المغربية، (ص: 28)، مجلة دعوة الحق، عدد: 404.

[4] – منهج تحقيق المخطوطات: د. إياد خالد الطباع (ص: 49).

[5] – نجد قبل 250 سنة: د. محمد بن سعد الشويعر (ص: 57-58) ط1، إصدارات النخيل، 1412هـ.

************

جريدة المصادر والمراجع:

-دراسات في علم المخطوطات والبحث البيبلوغرافي: د. أحمد شوقي بنبين، منشورات كلية الآداب بالرباط، مطبعة النجاح، ط1، 1993م.

-ظاهرة وقف الكتب في تاريخ الخزانة المغربية: د. أحمد شوقي بنبين،  مقال منشور في مجلة دعوة الحق، عدد: 404.

-منهج تحقيق المخطوطات: د. إياد خالد الطباع، دار الفكر، ط1، 1423هـ/2003م.

-نجد قبل 250 سنة: د. محمد بن سعد الشويعر،  ط1، إصدارات النخيل، 1412هـ.

*راجع المقال الباحث: عبد الفتاح

اظهر المزيد

د. محمد بن علي اليــولو الجزولي

  • أستاذ باحث مؤهل بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط.
  • حاصل على الدكتوراه: تخصص مناهج الدراسات العلمية للسيرة النبوية شعبة الدراسات الإسلامية، جامعة ابن زهر أكادير، من خلال بحث بعنوان:” مرويات الشمائل النبوية في طبقات ابن سعد الزهري البغدادي (230هـ): جمع ودراسة”، عام 2012م.
  • أستاذ باحث بمركز الأبحاث التابع لشركة ابن القيم للتعليم والبحث العلمي بأكادير(سابقا).
  • مهتم بالتراث الإسلامي، وعلوم السيرة النبوية والحديث الشريف، شاركت في ندوات وطنية ودولية، وأنجزت عدة أبحاث ومقالات منشورة في مجلات محكمة ومواقع إلكترونية، وتحقيقات في طور النشر بحول الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق