وحدة الإحياءمفاهيم

الأخلاق والقيم في الإسلام

بين الفيلسوف الفرنسي “بول ريكور” أن المسألة الخلقية تتوزع عموديا إلى سجلات ثلاث هي: الإتيقا والأخلاق والحكمة العملية.

فالإتيقا هي مجال التقويمات الجوهرية والعلاقة بمقتضى الخير؛ أي السعي لحياة فاضلة والتطلع للاكتمال (ما سماها الأقدمون: السعادة). لا يتعلق الأمر هنا بالمعايير الموجهة للسلوك الأخلاقي، بل “بنماذج الامتياز” التي أطلق عليها الفلاسفة اليونانيون تسمية “الفضائل”. ويتلخص الهدف الإتيقي في “قصد الحياة الخيرة مع الآخرين ومن أجلهم داخل مؤسسات عادلة”. فالإتيقا، إذن، مرتبطة بهوية الذات في أبعادها الثلاثية: الذات عينها، والآخر المقابل للذات، والآخر الغائب الذي يرتبط بها بهياكل مؤسسية جامعة.

أما الأخلاق فهي مجال الواجبات وتتسم بسمتي الإلزامية والشمولية، بحيث يخضع السلوك لمعايير العقل العملي (بالمفهوم الكانطي) التي تضمن قابلية الفعل الأخلاقي للتعميم[1]. ويرى ريكور أن المرور من الإتيقا إلى الأخلاق يقتضيه الخروج من علاقة الإكراه العنيف المولدة للتناحر والفتنة، بحيث يعامل الإنسان الآخر بما يقبل أن يعامل هو نفسه به. يتعلق الأمر هنا بأوامر الواجب المجردة والكونية التي صاغها كانط.

أما الحكمة العملية فهي مجال التعامل مع الحالات الإنسانية المأساوية والقصوى، ذلك أن مجالي الإتيقا والأخلاق يتصلان بالكليات (الفضائل والواجبات)، بينما يواجه الإنسان دوما مستجدات إشكالية وملتبسة يحتاج فيها إلى التبصر والحكمة لحسم خيارات عصية على الضبط والانتقاء[2].

إذا اعتمدنا النموذج النظري الذي يقدمه ريكور في سبر المسألة الخلقية، أمكننا التمييز بين مستويات ثلاثة نتعرض من خلالها للتصورات الأخلاقية في الفكر الإسلامي من منظور فلسفي مقارن.

وهكذا يمكن أن نميز بين مجال الفضيلة أو القيم الضابطة للمدونة الأخلاقية في مقاصدها وغاياتها الجوهرية (الإتيقا)، ومجال الأحكام الأخلاقية في مضامينها المجردة والكونية (أخلاق الواجب) وأخلاقيات الاهتمام بالذات وجماليات السلوك الأخلاقي (الحكمة).

أولا: نظرية القيم (إتيقا المقاصد)

يتعلق الأمر هنا بالقيم الناظمة للرؤية الأخلاقية الإسلامية وليس بالأحكام والأوامر التكليفية التي هي مناط التشريع والتحديد المعياري. وتستند هذه القيم إلى التصورات اللاهوتية والأنثربولوجية التي يختزنها النسق الديني في مقوماته العقدية والرمزية. ويمكن أن نقف في هذا الباب عند مستويات ثلاثة:

1. إن البنية اللاهوتية في الإسلام وإن كانت تقوم فعلا على معيار التوحيد، إلا أنها مزدوجة التشكل، تتوزع إلى لاهوت الغيب (الإله المجرد الذي ليس كمثله شيء ولا يكافئه أحد) ولاهوت الشهادة أو التجلي الذي يصل حد التشبيه الظاهر بتأويلاته المختلفة. ولا شك أن هذه الازدواجية هي التي تفسر ثراء وتنوع المنظومة  العقدية الكلامية الإسلامية التي تتأرجح بين اللاهوت السلبي (نفي الصفات) والتجسيم الحرفي مرورا بالتأويل العرفاني لصلة الحق والخلق.

ولذا لا تستقيم الأطروحة الهيغيلية الشهيرة حول استحالة انبثاق مفهوم الحرية في التصور اللاهوتي الإسلامي القائم على “التجريد اللامحدد وغير المتعين”، فلا يبقى للذات إلا الاستسلام للواحد وإخضاع العالم له بالقوة والعنف والتعصب.

2.إذا كانت البنية اللاهوتية للإسلام ترفض فكرة الاصطفاء اليهودية وفكرة التجسد المسيحية لأسباب تتعلق بجوهر ومقتضيات التوحيد، إلا أن لاهوت التوحيد لم يفض إلى بناء ميتافيزيقا متعالية للتفكير في الألوهية (إلا في حدود فلسفية ضيقة متأثرة بالميتافيزيقا اليونانية)، بل تحول إلى تصور أنثربولوجي واسع يتعلق بمركزية الإنسان بصفته مرآة الكون ومستودع الأمانة الإلهية ومظهر الترقي والاكتمال.

 ومع أن مفهوم الاستخلاف لم يستثمر إتيقيا في الكتابات التراثية[3] إلا في حدود ضيقة، فإنه يؤسس في الواقع لإتيقا إسلامية شديدة الثراء، نلمس أهم محاولة حديثة لبلورتها في فكر الفيلسوف الباكستاني “محمد إقبال”. يخرج إقبال هذا المفهوم من دلالة الإنابة الوظيفية عن الله في إقامة الشرائع إلى مفهوم الرشد الإنساني واضطلاع الخليفة بدور المستخلف كاملا بعد ختم النبوءة الذي هو حدث يرمز لرفع الحرج عن البشر وتخويلهم الحرية والمسؤولية الكاملة على هذه الأرض. فالقرآن بهذا المعنى شهادة إلهية نهائية ودليل مرن وديناميكي لعمارة الأرض والتحقق بالكمال الإلهي[4].

ولقد حاول المستشرق الياباني “توشيهكو إيزوتسو” رصد الرؤية الإتيقية في القرآن الكريم، من منظور التحليل اللغوي، مبرزا على الأخص المنظور القيمي للبنية اللاهوتية الإسلامية في مستوى الأوصاف الإلهية وعلاقة الإحسان المتبادلة بين الخالق والإنسان، وتأثير هذه البنية على طبيعة السلوك الأخلاقي[5]، إلا أن طبيعة منهجه اللساني المتمحور حول دراسة الملفوظات والتعابير حال دون استكشاف أعمق لهذه الرؤية الإتيقية.

كما أن رضوان السيد استظهر هذه البنية القيمية للإتيقا الإسلامية في ست قيم رئيسية ناظمة هي: وحدة الخلق والرحمة والعدل والخير العام والاحتساب والغاية[6].

3.يبدو مبحث المقاصد القيمية جليا في باب “مقاصد الشريعة” في الدراسات الأصولية. وبغض النظر عن الإشكال الابستمولوجي المطروح حول مبحث المقاصد؛ هل يشكل محورا من محاور المنظومة الأصولية أم هو تشكيلة معرفية جديدة بمنهجها الخاص ومنظومتها الاصطلاحية وأدواتها النظرية والعملية؟ فإنه مما لاشك فيه أن النسق الفقهي يخرج في هذا المبحث من نطاق التقعيد المعياري والضبط الإجرائي للأحكام إلى إطار الكليات الغائية، المرتبطة بهوية الذات الإنسانية في مستويات وجودها المتنوعة.

ولعل ذلك ما أدركه العلامة “الطاهر بن عاشور” في تأكيده أن مبحث المقاصد لا يتعلق بالمباحث الأصولية التقليدية التي “تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشرع بواسطة قواعد تمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تؤيد بها تلك الألفاظ، ويمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثا على التشريع، فتقاس فروع كثيرة على مورد لفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى علة[7].”

أصول الفقه بالمعنى الذي يبينه بن عاشور لا تتعدى القواعد الكلية المستمدة من الصنعة الفقهية في الفروع والجزئيات، وهي في مجملها تتعلق باستثمار دلالة الأحكام من الخطاب الشرعي؛ أي الأوامر التكليفية التي ينعقد بها التعبد وينبني عليها الجزاء والعقوبة.

ويتضح هذا المعنى من التعريفات الأصولية المختلفة للفقه. فالفقه هو بعبارة الجويني “العلم بالأحكام الشرعية[8]“. والفقيه بعبارة الغزالي هو الذي “ينظر في نسبة فعل المكلف إلى خطاب الشرع في أمره ونهيه[9]“. والفقه حسب تعريف الرازي “العلم بالأحكام الشرعية” تكريرا لمقولة الجويني[10].

وقد لخص الجرجاني التعريفات الأصولية للفقه بقوله “هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية[11].”

ولذا يمكن أن نجمل أصول الفقه في مباحث ثلاثة أساسية هي: منهجية تأويلية تتحرى استنباط الأدلة الشرعية، ومبحث لغوي يتعلق بدلالات الألفاظ، ومبحث ابستمولوجي يتعلق بسياقات التشريع. فهو من هذا المنظور علم يتداخل فيه التحليل اللغوي والمنطق الحجاجي وتأويلية التقنين الشرعي[12].

يختلف، إذن، مبحث المقاصد عن علم الأحكام الشرعية، لكونه لا يعنى بطبيعة وصيغ ومراتب الأوامر التكليفية، وإنما بالمنظور القيمي للخطاب الشرعي، بصفته التعبير المعياري عن المقام الوجودي الإنساني (مفهوم الفطرة). ومن هنا مغزى قول بن عاشور: “إن معظم أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة أحكام الشريعة”.

وإذا كان الأصوليون منذ الجويني قد تعرضوا لمصالح الشريعة وضرورياتها، فإنما كان ذلك “يخص مقاصد أنواع المشروعات في طوالع الأبواب دون مقاصد التشريع العامة[13].”

ومن الجلي أن الأصوليين طرقوا في الغالب مبحث المقاصد من باب التعليل الذي يتعلق بالقياس، مع اختلاف واسع في تحديد طبيعة العلة، هل هي الإمارة على حكم النص أو العنصر المؤثر في الحكم أو الحكمة منه. ولهذا المبحث صلة بديهية بالإشكالات الكلامية التي أقحمت بقوة في كتابات الأصوليين المتأخرين. ولقد لخص تاج الدين السبكي الجدل حول التعليل بقولته المعروفة “اشتهر عن المتكلمين أن أحكام الله لا تعلل واشتهر عن الفقهاء التعليل”.

وإذا كان الجويني هو أول من بلور التصنيف الثلاثي للمصالح  بتوزيعها إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات، في مبحث التعليل الذي هو أحد مباحث القياس[14]. وكان الغزالي هو أول من وضع أطروحة الضروريات الخمس؛ أي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال في مبحث الاستحسان[15]، فإن نظرية المقاصد في أفقها الإتيقي المنفصل والمنسجم، لم تبدأ إلا مع “عز الدين بن عبد السلام”، لتكتمل مع أبي إسحاق الشاطبي.

ولابد من الإشارة إلى أن مبحث المقاصد لدى ابن عبد السلام والشاطبي تبلور في سياق صوفي جلي، ولم يأخذ شكل الكتابة الأصولية التقليدية. فكتاب ابن عبد السلام الرئيسي في المسألة يحمل عنوان: “قواعد الأحكام في إصلاح الأنام” مما ينم عن الخلفية الصوفية التي عرف بها، والكتاب وإن كان يعالج  نظرية المصالح، إلا أنه يتناولها من هذا المنظور القيمي التربوي.

يقول ابن عبد السلام: “ويعبر عن المصالح بالخير والشر، والدفع والضر، والحسنات والسيئات؛ لأن المصالح كلها خيور نافعات حسنات، والمفاسد بأسرها مضرات سيئات[16].”

ولا يدخل ابن عبد السلام في النقاشات الكلامية النظرية حول التعليل العقلي، وإنما يكتفي بالقول إن المعيار في تحديد مصالح الناس هو “الظنون العامة”، وهي في معظمها “معروفة بالعقل.. قبل ورود الشرع”، كما أنها مصدر اتفاق كل الشرائع. ويقدم ابن عبد السلام تمييزا واضحا بين مصالح الآخرة التي “لا تعرف إلا بالشرائع” ومصالح الدنيا التي تعرف “بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المتغيرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته[17].”

إن ما نلمسه جليا في نظرية المصالح لدى ابن عبد السلام؛ هو أن مدارها ليس وضع الأحكام، بل أن الشريعة بالنسبة إليه ليست في أساسها تقنين لمعايير ضابطة للسلوك، بل هي إتيقا عامة، فهي “كلها نصائح، إما بدرء مفاسد، أو بجلب مصالح[18].”

من هذا المنظور، يبين بن عبد السلام إن الشريعة مستويين:

ـ مستوى تعبدي يتمحور كله حول علاقة التقرب الإلهي؛ أي بحسب عباراته “إجلال الإله وتعظيمه ومهابته والتوكل عليه والتفويض إليه”.

ـ مستوى تكليفي يتعلق كله “بمصالح العباد”، بحسب أسباب موضوعة ومصالح محددة[19].

ولا يخرج الشاطبي عن هذا التصور رغم الاتجاه الغالب في النظر إليه مجددا في علم أصول الفقه بتطوير أطروحات الجويني والغزالي في كليات الشريعة ومصالحها خروجا من أزمة ابستمولوجية قوضت البناء المنهجي للفكر الأصولي[20].

ونادرا ما يقف دارسو نظرية الشاطبي حول العنوان الذي اختاره مؤلف كتاب “الموافقات” لمصنفه، وهو كما ورد في مقدمته “التعريف بأسرار التكليف“، وقد عدل عنه بحسب اعترافه إلى عبارة “الموافقات” التي أشار إليه بها أحد أصدقائه بناء على رؤيا في النوم[21].

والحال إن موضوع نظرية المقاصد لا يتعلق بمصالح الشرع وكلياته، بل بمقاصد التكليف التي هي من مباحث القيم والفضائل لا مباحث الأحكام استنباطا واستدلالا.

ومع أن الشاطبي يتعرض بالتفصيل للأحكام التكليفية والوضعية بحسب تصنيفاتها المعيارية المألوفة في كتب أصول الفقه، إلا أن الخلفية التي ينطلق منها هي مقاصد الشريعة بصفتها قيما إنسانية كونية دل عليها الاستقراء لا مرجعيات مؤطرة للحكم. ومن هنا عزوفه عن النقاشات الكلامية في التعليل التي يكثر منها الأصوليون السابقون عليه (خصوصا الجويني والغزالي والرازي)، معلقا بقوله: “والمعتمد إنما هو إنا إذا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره[22].”

إن نظرية المقاصد الشاطبية في رأينا هي أطروحة إتيقية تتحدد في مستويات ثلاثة أظهرها “طه عبد الرحمن” في قراءته الطريفة لأصول الشاطبي:

ـ نظرية “المقصودات” المتعلقة بالمضامين الدلالية للخطاب الشرعي، من حيث انطباقها على مقتضيات الفطرة؛ أي الطبيعة الأخلاقية التي تتأسس عليها القيم الإنسانية الثابتة. أطروحة المصالح هنا تختلف من حيث المنهجية والغاية عن التحديد الأصولي الوارد في مباحث القياس والأدلة الإضافية للاستنباط[23].

ـ نظرية “االقصود” المتعلقة بالمضامين الشعورية للخطاب الشرعي من حيث كون القصد عمل إرادي يؤخذ من منطوق النص ومفهومه لا يمكن الاكتفاء فيه بظاهر النص، بل انه مدرك عقلي عملي يتجذر في ممارسة قيمية. فالعبرة في الأحكام الشرعية “بالمدلولات المقصودة لا بالصورة المنطوقة”. ولقد توقف الشاطبي في نظرية القصود عند سمتي الإرادية (إرادة الشارع الأمرية وإرادة المكلف الامتثالية) والتجرد أي التجرد من الأغراض وإخلاص النية[24].

ـ نظرية “المقاصد” التي تبحث في المضامين القيمية للخطاب الشرعي؛ أي غاية الحكم الشرعي من حيث صبغته الحكمية وصبغته المصلحية. بالصبغة الحكمية يخرج الشاطبي من مسلك “التعليل السببي” لدى الأصوليين إلى نمط “التعليل الغائي” القائم على أحكام قيمية وحكم معنوية بحيث يصبح السبب مشروطا بحصول الغاية من الحكم. وبالصيغة المصلحية يخرج  الشاطبي من المفهوم النفعي المادي إلى مفهوم الصلاح الأخلاقي[25].

إن ما نستنتجه من قراءة “طه عبد الرحمن” لأطروحة الشاطبي[26] هو أن النظرية المقاصدية ليست تعديلا أو تجديدا في البنية الأصولية الكلاسيكية، وإن تناولت أغلب موضوعاتها، وإنما هي نظرية إتيقية في القيم الضابطة للتكليف، ومن هنا تصلح أن تكون أساس تأويلية أنثربولوجية للفقه الإسلامي. ولا شك أن الخلفية الصوفية المعروفة للشاطبي[27] كان لها تأثير على تصوره القيمي للفقه الإسلامي.

ويتعين أن نشير هنا إلى أن المقاصدية الشاطبية، تحولت في نظر المحدثين التي افتتنوا بها إلى منهج أصولي جديد، بدلا من استكشاف الآفاق الإتيقية الرحبة التي ألمحنا إليها.

ثانيا: الفقه والأخلاق

يتعين هنا التنبيه إلى الصورة السائدة في بعض الأدبيات الاستشراقية حول خلو الإسلام من نزعة أخلاقية بالمفهوم الحديث الذي حددنا؛ أي أخلاق الواجب المستندة للحرية الذاتية خارج أي وصاية خارجية، مع اعتبار الفقه مدونة قانونية تكرس العلاقة العضوية بين الديني والسياسي في الإسلام[28].

ومع أن الجيل الأول من المستشرقين من نوع كرستيان سنوك هورجونج[29] وغولدزيهر[30] وشاخت[31] مال إلى اعتبار الشريعة الإسلامية مجرد مدونة تشريعية عامة “غير معقلنة” ولا يمكن أن تكون منظومة قانونية بالمفهوم الحديث، إلا أن هذا التصور الذي تبناه عالم الاجتماع الألماني الكبير ماكس فيبر[32] قد أفضى تدريجيا إلى فكرة القانون الإسلامي الكلي و”الجامد” الذي يتعارض مع أي فكر أخلاقي إنساني[33].

إن ما نريد أن نبينه، هنا، هو أن البعد الأخلاقي هو المحدد الأساس للأحكام الفقهية، التي لا يمكن النظر إليها كمدونة قانونية وضعية، بل معايير ضابطة للسلوك بين الأفراد حسب الشرطين الأساسيين المطلوبين في الحكم الأخلاقي؛ أي مبدأ الحرية ومبدأ الشمولية. ولقد ذهب “محمد عبد الله دراز” في دراسته الرائدة حول الأخلاق في القرآن، إلى أن المنظومة الأخلاقية في الإسلام تنسجم في الجوهر مع الفلسفة الأخلاقية الكانطية.

يجمل دراز مرتكزات النظرية الأخلاقية في الإسلام في خمس محددات هي: الواجب (أو الأمر) والمسؤولية (أو التكليف) الغاية (أو النية) العقوبة (أو الجزاء) الجهد (أو الكسب).

ويرفض دراز النظر إلى الأخلاق القرآنية بصفتها أخلاقا دينية، لكونها لا تتعلق بتنظيم العلاقة بين الإلهي والبشري، كما أنها في مجملها تضبط السلوك الخارجي لا الحياة الروحية التي تتعلق بالقلب وبالوعي الذاتي الداخلي، تنيط تحقيق القيم العادلة في الأرض وبوسائلها، لا في السماء وحدها. والأحكام الأخلاقية في القرآن الكريم ليست معلقة على الجزاء الأخروي وحده ولا هي أوامر مطلقة لا تقبل التعقل والفهم، بل تستند لبراهين عقلية ولمقاصد إنسانية، وتراعي الأحوال الواقعية للإنسان وتعالج سلوكه عبر منهجية تربوية مرنة ومتدرجة.

صحيح أن العامل الديني يدخل في اعتبار الشارع، سواء لوضع قاعدة تنظيمية لجانب من جوانب السلوك الإنساني، أو لتوفير ضمان قوي لفاعلية الحكم، أو لتبرير منحى لا يمكن للعقل الحسم فيه، لكن في كل الأحوال لا يلتبس الديني بالأخلاقي ولا يتبع أحدهما الآخر أو يحدده.

وفي معالجته للمصدر الديني للأخلاق القرآنية، يبين دراز أن القرآن صريح في القول بأسبقية قانون الضمير(الفطرة) على الدين الوضعي. فالشعور بالخير والشر والعدل والظلم مفطور في النفس البشرية. فما تقوم به الشرائع هو تأكيد هذا القانون الطبيعي وتكميله وتوضيحه. كما أن الحكم الوضعي لا يفرض بالإكراه، ولا يكون حكما أخلاقيا إلا بقبولنا له وتحوله إلى معتقد داخلي يحكم السلوك دون رياء أو مراعاة لمنافع ذاتية. وهكذا ليس الطابع الإلهي للحكم القرآني سوى مرحلة وسطى بين شعورين إنسانيين ضروريين.

ويستخدم دراز مصطلحات النقدية الكانطية للتمييز بين الديني الذي يتعلق بالوجود الأمثل وبالجمال في ذاته موضوعا للمعرفة والمشاهدة والحب، والأخلاقي الذي يتعلق بالمثال الأسمى والفضيلة. ولكي يلتقي المفهومان لابد من توسط مستوى ثالث، يكمن في استكشاف الصفات الأخلاقية العليا في الخالق وفي تحويل شريعته إلى أحكام ذاتية. فبدون هذا التوسط، يظل الفصل متجذرا بين الوجود والمثال.

وبغض النظر عن المجالات الرحبة التي تركت لتقدير البشر،فان الحكم القرآني يتطلب في تنفيذه الاعتبارات الإنسانية من إمكان تطبيق وإكراهات واقع وموازنة بين الأولويات. وبهذا المعنى يساهم الإنسان في الفعل التشريعي.

وفي معالجته لموضوع القصد الأخلاقي، يعترف دراز أن ما يميز المنظومة الأخلاقية القرآنية هو تأكيد الموقف الإسلامي، على أن الغاية الوحيدة من الفعل هي مرضاة الله، بيد أنه يرى في هذا الموقف سموا بسلطة الواجب في أرفع معانيه وأكثرها فاعلية.

فالمنظومة الأخلاقية من هذا المنظور متكاملة ترفض التحديدات الجزئية (كالتمييز بين الأخلاق الفردية والاجتماعية والصوفية والإنسانية وأخلاق العدالة وأخلاق الرحمة). ففي الأخلاق القرآنية يجتمع العدل والرحمة، الفردي والجماعي، البشري والإلهي، من منطلق التقوى بصفتها عاملا دافعا للخير وكابحا للشر. إنها أخلاق كلية شاملة تتعامل مع مختلف أنماط الوجود الإنساني ودرجات الأهلية القيمية[34].

إن أهمية أطروحة دراز التي لخصناها تكمن في كونها على الرغم من قدمها النسبي (صدرت بالفرنسية أول مرة عام 1951) تشكل إلى حد الآن أهم محاولة شاملة لصياغة الأخلاق الإسلامية من منظور فلسفة الأخلاق، باعتماد المقاييس الكانطية.

ومع أن الإطار المرجعي للمؤلف انحصر في القرآن الكريم، إلا أن الكتاب تناول على نطاق واسع الآراء الكلامية والفقهية في المسائل التي درسها.

وفي اعتقادنا أن مكمن الإشكال الفلسفي المحوري الذي عالجه دراز جزئيا وفي مواضع مفككة هو إشكال غائية الحكم التكليفي مصدرا وغاية، الذي يتوقف عليه تحديد القيمة الأخلاقية للفعل.

ولا بد هنا من تمييز هذا المبحث عن مبحثين متداخلين معه في الكتابات الأصولية:مبحث التحسين العقلي الذي شغل المتكلمين(غرضية الفعل الإلهي) ومبحث المقاصد الذي توقفنا عنده في ثنايا هذا العمل.

 فالحكم الشرعي باصطلاح الأصوليين هو “خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، طلبا أو تخييرًا أو وضعًا”، أو باصطلاح الفقهاء “الأثر الذي يقتضيه خطاب الشارع في الفعل، كالوجوب والحرمة والإباحة[35].”

نستنتج من هذا التعريف الذي يتكرر بألفاظ متقاربة في الأدبيات الأصولية أن السمة المعيارية للفعل تابعة لمرجعيته؛ (أي مصدره الإلهي) ولمنزلته في سلم الأمرية التكليفية.

ومع أن الأصوليين والفقهاء اختلفوا في مسألة غائية الفعل؛ بمعنى غرضيته في مصدر التكليف بحسب مدارسهم الكلامية، فذهب المعتزلة إلى مذهب التحسين العقلي واعتبروا الأحكام معللة بالعقل، في حين ذهب الأشاعرة إلى رفض التعليل العقلي وتمسكوا بالمعيارية التوقيفية[36] إلا أن القائلين بالقياس، وهم جمهور الأصوليين، أخذوا بشكل ما من أشكال التعليل العقلي.

فسواء اعتبرنا العلة حكما أو وصفا مناسبا أو أمارة مصلحة، وهي التحديدات التي لخص فيها الغزالي التعريفات الأصولية للعلة[37] فإنها لا تتعلق بالمراد الإلهي من الفعل(أي الغرض) بل مناط الحكم، أو بلغة الأصوليين “الوصف المؤثر في الحكم”، سواء كان هذا التأثير ذاتي (المعتزلة) أو بفعل الشارع(الأشاعرة).

وحتى ابن حزم الذي يرفض أشد الرفض مبدأ القياس ومفهوم التعليل، لا يخرج عن هذا التصور بقبوله فكرة السبب التي هي نمط من العلة، أطلق عليه بعضهم “العلة الجعلية”؛ (أي علة بفعل الشارع).

يقول ابن حزم: “إن العلة هي اسم لكل صفة توجب امرأ إيجابا ضروريا، والعلة لا تفارق المعلول البتة… وأما السبب فهو كل أمر فعل المختار فعلا من أجله لو شاء لم يفعله… وأما العلامة فصفة يتفق عليها الإنسانان، فإذا رآها أحدهما علم الأمر الذي اتفقا عليه[38].”

فلا أهمية كبرى، إذن، للنقاش الكلامي – الأصولي حول غرضية الأحكام الإلهية؛ أي قابليتها للتعليل العقلي، ما دام الاتفاق قائما حول معقوليتها سواء بالقول بالتحسين الذاتي (الأطروحة الاعتزالية) أو بالتحسين الارتجاعي أي إدراك علتها بعد وضعها شرعا (الأطروحة الأشعرية).

 إن مكمن الإشكال هو ما فات البعض من إدراك الفرق الجوهري بين نمطين من العقلانية الكونية  باستعارة عبارات “رورتي”: عقلانية “الموضوعية” (المعرفة المجردة للظاهرة) وعقلانية “التضامن”؛ أي الالتقاء حول قيم جامعة مؤسسة على الممارسة والعمل[39]. وقد تعلمنا منذ “نيتشه” أن المعارف هي في عمقها تقويمات وتأويلات حيوية لا أحكام مجردة وموضوعية، ولا تنفي معياريتها طابعها العقلاني ما دامت ذات بنية برهانية تتحرى الإقناع وإن لم تستند لأحكام الواقع بصفته تطابقا بين الوعي والظاهرة.

من هذا المنظور نفسه لا يمكن أن نقول أن الأحكام الفقهية قوانين بالمعنى الوضعي الحديث.

وكان المفكر القانوني التونسي “عياض بن عاشور” قد ذهب إلى القول إن القانون في الإسلام هو في آن واحد التعبير عن الإرادة الإلهية ودعامة النظام الاجتماعي وتجسيد العدالة والقوة الرادعة للشر وعلامة وحدة الأمة. فالقانون في الإسلام،  إذن؛ هو من هذا المنظور “لاهوت كوني” كامل حسب عبارة “رالف ستهلاي[40]“.

بيد أن تحويل الأمرية الفقهية إلى أمرية قانونية هو حصيلة مسارين متداخلين ومتزامنين: المسار الاستشراقي الذي توقفنا عنده ومسار الايدولوجيا الإسلامية التي تبنت فكرة تأسيس الشرعية الإسلامية على المرجعية العقدية للقوانين. والأصوب أن يقال أن الأمرية الفقهية تضع قيودا وضوابط أخلاقية للأمرية القانونية ولا تؤسسها أو تعوضها. ولذا يمكن القول مع طه عبد الرحمن أن الفقه “أمرية مضادة” هدفها هو “إقامة تدابير محكمة تدفع الشطط الذي تقع فيه الأمرية البشرية[41]” وهذا هو معنى الحدود الشرعية التي ليست مدونة جنائية، بل هي ضوابط حادة من شطط الإنسان في التجاوز وفي العقوبة معا.

ثالثا: مسالك الحكمة 

يمكن القول إن الفقه الإسلامي يؤسس لأخلاقيتين متمايزتين: “أخلاقية الأوامر والتكاليف”  و”أخلاقية الاهتمام بالذات” بعبارة ميشال فوكو، حتى لو كان يعنى بصياغة الجانب المنضبط بالأحكام.

ولقد أدرك الغزالي هذا الأمر، فاعتبر الفقه علم دنيوي اقتضته طبيعة الحالة الإنسانية المتوحشة: “فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده، إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم في أمور الدنيا، ولعمري انه متعلق أيضا بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا[42].”

فالفقه بهذا المعنى يتعلق بالأحكام الضابطة لمعايير سلوك البشر في ما بينهم، فضلا عن الجانب الخارجي من العبادات. بيد أن علماء الإسلام طوروا منذ بدايات تدوين الفقه نمطا آخر من الخطاب الفقهي يتعلق بالتجربة الدينية في جوانبها الخلقية المكتملة التي تتجاوز حدود الضبط الحكمي.

الأخلاق بهذا المعنى الثاني هي علاقة بالذات وفن عيش وجمالية سلوك تنزع نحو هدف التحقق بالأسماء الإلهية، من خلال تجربة وجودية خصبة وغير متناهية يسعى فيها الإنسان لمعرفة ربه من خلال استكشاف نفسه بدل نفيها[43].

ولقد بين الإمام زروق الفرق بين الفقهين بقوله: “حكم الفقه عام في العموم؛ لأن مقصده إقامة رسم الدين، ورفع مناره، وإظهار كلمته. وحكم التصوف خاص في الخصوص؛ لأنه معاملة بين العبد وربه، من غير زائد على ذلك[44].”

ومع أن التأليف في أخلاقيات الاهتمام بالذات بدأ مبكرا في الإسلام، متوازيا مع تقنين الأحكام ومرتبطا بها كما هو جلي في كتابات الجيل الأول من المتصوفة كالمحاسبي[45] والخزار[46] وأبي طالب المكي[47]، إلا أنه أقصي من المباحث الفقهية بعد اكتمال صياغتها التقنية المنهجية الصارمة. وهكذا تحول فقه الاهتمام بالذات إلى نمط من العلم الباحث دوما عن الشرعية الابستمولوجية في نظام البناء الشرعي.

ولقد برزت بعض المحاولات العلمية الهامة لدمج فقه الأحكام بفقه التزكية، أخذت مسلكين: المسلك الأشعري الذي بلوره الغزالي في مشروعه لإحياء علوم الدين، والتقليد الحنبلي لدى ابن مفلح المقدسي وابن القيم.

ذهب الغزالي إلى مسلك تأويلي يبحث في أسرار العبادات وآداب التربية الصوفية، من منطلق طلب الصدق في السلوك التعبدي، واضعا أسسا مكتملة لعلاج النفس من “مهلكاتها” وصولا لهدف أسمى هو المحبة لله  التي هي “الغاية القصوى بين المقامات والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو  ثمرة  من ثمارها وتابع من توابعها[48].”

أما ابن مفلح وابن القيم؛ فقد حاولا بناء علم للآداب الشرعية يكون بديلا عن الاصطلاحات الصوفية التي بدأت تستقل أوانها عن المدونة الفقهية. الآداب الشرعية من هذا المنظور هي من كمالات العبادة ومحاسن السلوك، تبرز على شكل نصائح ومأثورات في كتاب المقدسي[49] وفي شكل تحليلي موسع لدى ابن القيم الذي يقرر أن “الدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وكذلك التصوف[50].”

إن ما نريد أن نبيّنه في خاتمة هذه الدراسة؛ هو أن الكتابات الصوفية بلورت نظريا وعمليا فقه الاهتمام بالذات، ولم تكن مجرد شطحات وممارسات باطنية.

لقد أوضح “اريك جفروا” بأن مأزق الفكر الإسلامي الوسيط متأت في كونه عزف عن نموذج الإصلاح الصوفي الذي تبلور بقوة بعد سقوط بغداد والأندلس، واختار بديلا عنه الاجتهاد الفقهي المحدود بالقياس التمثيلي المقيد بالأعراف الاجتماعية والثقافية للمجتمعات القبلية العربية.

فالتصور السائد هو أن انحسار حركية الفلسفة (فشل المشروع الرشدي بلغة الجابري) أو القضاء على العقلانية الاعتزالية هو سبب إخفاق المجتمعات المسلمة في المرور نحو عصر النهضة والحداثة، مما ترجمه الانزلاق نحو الطرقية الصوفية “المعطلة للعقل”. يرفض “جفروا” بشدة هذه القراءة  مبينا أن التصوف الإسلامي قدم تصورا عقلانيا أكثر صرامة ودقة من العقلانية الفلسفية والكلامية، يلائم التصورات الابستمولوجية والتأويلية الأكثر حداثة.والعائق الذي حال دون استيعاب العقلانية الصوفية هو اختزال المفاهيم والتصورات الصوفية في جماليات الذوق وباطنية التجربة الروحية بدل النظر إليها كمنظومات فلسفية كاملة[51].

يتعين من هذا المنظور إخراج التصوف من قالبه الباطني لتطبيع وضعه المعرفي داخل الحقل النظري تأويليا وابستمولوجيا. ذلك أن التصوف ليس كما يظن عادة لغة رمزية شاعرية يحتكرها خاصة الخاصة، وإنما يتأسس على مجموعة من الأدوات النظرية والمنهجية التي يمكن أن تصاغ بلغة مفهومة للجميع، بشرط الخروج عن حجب المنطق التعليلي المجرد الذي يختزل إليه عادة العقل..

يجدر التنبيه هنا إلى أن الفكر الصوفي بلور اتجاهين هامين لم تبنى عليهما النتائج المطلوبة والمتوقعة وهما: إرساء إسلام الفرد والذات، وتحرير مسالك التأويل والقراءة.

أما الاتجاه الأول فيبدو جليا في التناقض الذي كثيرا ما يظهر بين الفقهاء الذين هم حراس المشروعية الأرثوذكسية، والمتصوفة الذين اعتبروا أن التدين تجربة فردية لا تنال بالتواضعات والرسوم، وإنما بالمعاناة والمجاهدة الشخصية. ومع أنهم طالبوا بالشيخ المرشد وحثوا على صحبته، إلا أنهم اعتبروا “أن الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق”، وأن الوصول لا يتم إلا بالتخلص من وصاية الشيخ نفسه بعد تحقيق المبتغى من التوجيه والرعاية.

أما الاتجاه الثاني فيبدوا جليا في النسق التأويلي الصوفي الذي رفض  مبدأ تساوق دلالة النص مع الفهم اللغوي بحسب درجة الإبلاغ والتخاطب كما يقننها النسق التداولي المشترك. فباعتبار أن مصدر النص الهي، لابد من الإيمان بلا محدودية كثافته الدلالية المطلقة التي لا يجوز حصرها في المألوف التعبيري الإنساني.

 صحيح أن هذا المستوى الأول من السياق الدلالي ضروري في التكاليف العبادية وأصول المعاملات، إلا أنه لابد من تجاوزه في عمق التجربة الروحية؛ إذ أن  قلب  المتلقي هو محور التأويل وليس النص ذاته بصفته حمال أوجه يعكس حال القارئ ومدى اتساع رؤيته.

وإذا ترجمنا هذين الاتجاهين بلغة العصر واهتماماته، أمكننا القول إن الخطاب الصوفي قادر اليوم على توجيهنا في طريق الحداثة المعرفية والمجتمعية؛ بتجذير إسلام الفرد والتجربة الروحية الشخصية خارج قبضة المؤسسة الدينية (التي إن كانت غير موجودة نصا فهي قائمة واقعا)، وبدفع الاجتهاد التأويلي المفتوح وتعدد القراءات المشروعة للنص بحكم مشاركة القارئ في إنتاج الدلالة في ما وراء الطابع المطلق للمصدر الأصلي.

إن هاذين المبدأين يرسمان الإطار النظري لأخلاقية الاهتمام بالذات في الفقه الإسلامي بمفهومه الأوسع، وهو مبحث فلسفي لا يزال ينتظر التأسيس والبحث.

الهوامش

[1]. راجع، مثلا، كتاب: محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي، المركز الثقافي العربي، 1991.

[2]. راجع:

  1. Ricoeur: lectures 1: “Ethique et Morale” seuil 1991 p. 258-270.

SOI-meme comme un autre seuil 1990 p.199-344.

[3]. قدم عبد النور بدار مراجعة نقدية للتصورات التراثية للاستخلاف في عمله الهام:

 -A.Bidar: l’islam sans soumission Albin Michel 2008 p. 90-97.

[4]. راجع محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود دار الهداية، ط2، 2000.

راجع في المنظور نفسه:

ـ سليمان بشير ديان، الإسلام والمجتمع المفتوح الإخلاص والحركة في فكر محمد إقبال، ترجمة السيد ولد أباه، دار جداول، 2011.

 -A.Bidar: l’islam face a la mort de Dieu Francois Bourin editeur 2010.

[5]. Toshihiko Izutsu:God and man in the Koran Ayer co pub 1980.

[6]. رضوان السيد، “منظومة القيم والحياة الأخلاقية في الرؤية الإسلامية”، التسامح العدد 28، ص12-22.

[7]. الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، دار النفائس، 2011، ص167.

[8]. إمام الحرمين الجويني، البرهان في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، 1997، ج1، ص8.

[9]. أبو حامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، دار الكتب العلمية 2010 ص18.

[10]. الإمام فخر الدين الرازي، المحصول في علم الأصول، دار الكتب العلمية، 1999، المجلد 1، ص4.

[11]. الشريف الجرجاني، التعريفات دار الكتب العلمية، 2002، ص170.

[12]. قدم حسن حنفي محاولة لقراءة أصول الفقه من منظور تحليل التجارب الشعورية؛ “أي فهم النص برده إلى أصله في التجربة الإنسانية”.

انظر كتابه: من النص إلى الواقع: محاولة لإعادة بناء أصول الفقه (مجلدان) دار المدار الإسلامي 2005 –راجع مقدمة ج2، ص36.

[13]. بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، م، س، ص167.

[14]. الجويني، البرهان، ج2، ص79-80.

[15]. الغزالي، المستصفى، ص275.

[16]. عز الدين بن عبد السلام، قواعد الأحكام في إصلاح الأنام، دار ابن حزم 2003، ص9.

[17]. المرجع نفسه، ص13.

[18]. المرجع نفسه، ص14.

[19]. المرجع نفسه، 243-244.

[20]. راجع مثلا: عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة دار المنتخب العربي 1994، ص484-485.

وقد تتبع أحمد الريسوني مظاهر التقليد والتجديد في نظرية المقاصد الشاطبية التي اعتبرها امتدادا لأطروحة المصالح الجوينية الغزالية ومذهب المالكية في الاستصلاح مع تطوير هذا المسلك الأصولي؛ نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي،  دار الكلمة، 1997 ص253-278.

[21]. أبو اسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، دار الكتب العلمية، 2004، ص16.

[22]. المرجع نفسه، ص220،

[23]. راجع مبحث “بيان قصد الشارع في وضع الشريعة” من الموافقات، ص221-222، وفيه إعادة تصور نظرية المصالح بتقسيماتها المعروفة.

[24]. عالج الشاطبي هذه النظرية في: كتاب الأحكام من الموافقات، ص63-218.

[25]. راجع الموافقات في القسم الثالث المتعلق بالمقاصد ص219-468.

[26]. طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث المركز الثقافي العربي، ط2، د. ت، ص97-109.

[27]. تبدو هذه الخلفية الصوفية واضحة في كتبه الاعتصام الذي طرح فيه تصوره للصوفية المعتدلة المجردة من “البدع” راجع على الأخص: الاعتصام، مؤسسة الكتب الثقافية، د. ت، ص140-148.

راجع حول علاقته بالصوفية:

ـ وائل حلاق، تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، ترجمة أحمد موصللي المدار الإسلامي، 2007، ص218-219.

[28]. راجع مثلا:

 -Bernard Lewis:the political language of islam University of Chicago press 1991.

 -Louis  Gardet:l’Islam relgion et communaute Desclee De Brower 2002.

[29]. Christian snouck Hurgronje:Oeuvres choisies Brill 1957

[30]. Ignaz Goldziher:le dogme et la loi de l’islam  edition de l’eclat 2005

[31].Joseph Schacht:The origins of Muhammadan jurisprudence Clarendon press،Oxford 1950

[32]. Max Weber: Sociologie de la religion Puf 1986.

[33]. راجع حول الدراسات الاستشراقية التي تناول النسق المعياري الإسلامي المقدمة النقدية لجونسون في كتابه:

 -Baber Johansen:Contingency in a sacred law and ethical norms in the muslim fiqh  Leiden Brill 1999.

راجع أيضا من المنظور النقدي:

 -Harald Motzki:The origins of Islamic jurisprudence Leiden Brill 2002.

[34]. M. A. Draz: la morale du coran, édition du ministère des habous et des affaires islamiques Rabat 1983 p. 533-541.

[35]. عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، دار الحديث، 2002، ص116.

[36]. راجع الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، دار الكلم الطيب، 2009، ص549.

[37]. الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، دار الكتب العلمية، 1999، ص216.

[38]. ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث 2005، الجزء 8، ص1167.

[39].R. Rorty: contingency, irony and solidarity Cambridge University Press 1989

[40]. Yiad Ben Achour: Au fondements de l’orthodoxie Sunnite Ceres tunis 2009 pp 55-56

[41]. طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، 2012، ص380.

[42]. الغزالي، إحياء علوم الدين، دار ابن حزم، 2005، مجلد واحد، ص25-26.

[43]. Christian Jambet: Qu’est ce que la philosophie islamique? Gallimard 20011 pp 118-119

[44]. أحمد زروق، قواعد التصوف، دار البيروتي، 2004، ص40.

[45]. أبو عبد الله الحارث المحاسبي، الرعاية لحقوق الله المكتبة التوفيقية، د. ت.

[46]. أبو سعيد الخزار، الطريق إلى الله كتاب الصدق  تحقيق ودراسة عبد الحليم محمود، دار المعارف، ط5، 1988.

[47]. أبو طالب المكي، قوت القلوب، دار الكتب العلمية 1997.

[48]. إحياء علوم الدين، م، س، ص1656.

[49]. محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، الآداب الشرعية والمنح المرعية، دار ابن حزم، 2005.

ويبين المؤلف في مقدمته انه يسلك طريقا مألوفا لدى أهل الحديث والحنابلة خصوصا (ص 7 من الكتاب).

[50]. ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، دار الحديث، 2005، ج2، ص252.

[51].Eric Geoffroy: l’islam sera spiritual ou ne sera plus, Seuil, 2009 p. 106-121.

Science
اظهر المزيد

د. عبد الله السيد ولد اباه

كاتب وباحث موريتاني، حائز على دكتوراه في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من جامعة التونسية، وهو أُستاذ الدراسات الفلسفية والاجتماعية بجامعة نواكشوط بموريتانيا.

له مجموعة من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة في العديد من الصحف والمجلات الدولية، تعنى بقضايا الفلسفة المعاصرة وإشكالات التحول الديمقراطي. من بين كتبه كتاب:

ـ  كتاب “الدين والهوية: إشكالات الصدام والحوار والسلطة”.

 ـ كتاب “التاريخ والحقيقة لدى ميشيل فوكو”.

ـ كتاب “الثورات العربية الجديدة المسار والمصير “.

ـ كتاب “عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001.. الإشكالات الفكرية والإستراتيجية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق