مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

إدريس بن محمد العراقي الفاسي

هو الإمام العلامة الحافظ الحجة المحدث المحقق المتبحر فخر المغرب أبو العلاء إدريس بن محمد بن حمدون العراقي الحسيني الفاسي، ولد ـ كما ذَكر عن أبيه ـ سنة (1120هـ ) تقريباً.

توجه مذ أقبل على طلب العلم عام (1134هـ) إلى الاهتمام بعلم الحديث النبوي الشريف وكل ما له صلة به؛ ضبطا ورواية ودراية، إلى حدّ جعله مولعا بهذا الفن، والذي أخذه وغيره من الفنون على جماعة من أكابر شيوخ عصره منهم: والده، والشيخ المسناوي، وأبو عبد الله بن زكري، وأبو الحسن علي الشدادي، وأبو الحسن علي بن أحمد الحريشي، وأبو القاسم أحمد بن سليمان الأندلسي الفاسي، وأبو العباس أحمد بن عبد الله الغربي الرباطي، وأبو عبد الله محمد بن عبد السلام بناني الفاسي، وأبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس، وأبو العباس أحمد بن مبارك اللمطي، وغيرهم، حتى ذكر أن غالب أهل عصره أجازوا له الرواية عنهم.

ولما سطع نجمه في علم الحديث، وأصبح المشار إليه فيه، وشهد له غير واحد من شيوخه وأقرانه بالحفظ والإتقان، قصده للاستفادة من علمه والأخذ عنه الفقهاءُ فضلا عن الطلبة النجباء ؛ فكان الشيخ الشهير أبو محمد عبد الكريم اليازغي يأتي إلى باب داره يسأله، وناهيك بهذا شرفا يقول عبد الحي الكتاني. وأما تلامذته فمنهم: وَلَداه أبو محمد عبد الله، وأبو زيد عبد الرحمن، وابن عمه زيان، والحافظ محمد بن عبد السلام الناصري، وكان ملازما له، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الصقلي، ومحمد بن أحمد الحُضَيْكي، وغيرهم.

ومن شهادة شيوخه له بالتفوق والنبوغ قول شيخه أبي عبد الله جسوس في إجازته له:«إنه ممن حاز قصب السبق في علم الحديث حفظا ورواية ودراية، ووصل في ذلك غاية الغاية، بحيث لم يصل إليها أحد من أهل عصرنا فيما نعلم».

وكان شيخه ابن مبارك اللمطي يشير إلى الرجوع إليه، ويبالغ معه في تحقيق بعض مسائل الحديث، فَحَدَث أن كان هذا الشيخ يدرِّس كبرى الشيخ السنوسي، فجرى ذكره لبعض الأحاديث، فسأل المترجمَ عمن خرّجه، فذكر له على البديهة ستة طرق، فقال له: «لله درك، لقد تعب ابن حجر ولم يُخَرِّج له إلا طريقين».

وقال عنه ابن عمه أبو محمد الوليد بن العربي العراقي: «كان يلقب بسيوطي عصره». بل هناك من جعل درجته فوق درجة الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد كان أبو حفص عمر بن عبد  الله الفاسي يقول فيه: «إنه أحفظ من ابن حجر».

وحلاّه الحافظ أبو الفيض مرتضى الزبيدي المصري بحافظ العصر ثم قال عنه: «اعتنى بعلم الحديث حفظا، وضبطا، ورواية، ودراية حتى مهر فيه، ودَرَّسَ للطالبين وأفاد، وانتفع به كثيرون، وأقرأ الكتب الغريبة مع تحقيق وإتقان ومراعاة للفن، فلم يكن في وقته من يدانيه في هذا الفن حتى أشير إليه بالحفظ».
أما عن حاله فقال محمد بن جعفر الكتاني: «وكان ـ رحمه الله ـ مقبلا على شأنه، مجتنبا ما يخل بمروءته، ذا سمت حسن، وهيئة ووقار، قويا في دينه، ملازما لأوقاته، قائما بما ولي من الولايات، من إمامة وتوريق وغيرها».
وكما اتجهت عناية المترجم إلى علم الحديث دون غيره فإن جلّ مصنفاته تدور في فلك هذا العلم، ومن جملتها: شرح على شمائل الترمذي، وشرح الثلث الأخير من المشارق للصغاني في مجلد كبير ضخم، وشرح إحياء الميت للسيوطي، وتخريج أحاديث الشهاب للقضاعي، وتكميل مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا للسيوطي، والدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع، وفتح البصير في التعريف بالرجال المخرج لهم في الجامع الكبير، واختصر ـ كما نُقل من كتابه فتح البصير ـ الكامل في الضعفاء لابن عدي، وتاريخ الخطيب البغدادي، وخرج كتاب الحضرمي في الرقائق، واستدرك على السيوطي في جامعه  الكبير نحوا من عشرة آلاف حديث قيدها على طرة نسخته من الجامع، على ما ذكر عبد الحي الكتاني، وذكر الحجوي أن عدة ما استدركه من ذلك يشتمل على نيف وخمسة آلاف حديث، وغير هذا من الأجوبة الحديثية والطرر المفيدة.

توفي المترجم ـ رحمه الله ـ بفاس سنة (1183هـ) وقيل: (1184هـ)، عن نيف وستين سنة، وقبره عن يمين محراب الزاوية الصقلية التي بالسبع لويات تحت الخزانتين الصغيرتين هناك، قبالة ضريح الشيخ أبي العباس أحمد الصقلي.

مصادر الترجمة:
طبقات الحضيكي (120-121)، سلوة الأنفاس لمحمد بن جعفر الكتاني (1/150-152)، فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني (2/818-825)، إتحاف المطالع لعبدالسلام ابن سودة (1/30)، الأعلام للزكلي (1/280-281)، شجرة النور الزكية لمخلوف(356)، الفكر السامي للحجوي (2/621)، معلمة المغرب (18/6024-6025).

إنجاز: د.مصطفى عكلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق