وحدة المملكة المغربية علم وعمرانفنون وعمرانغير مصنف

نقش تأسيس باب شالة المريني: استثناء معماري في العالم الإسلامي

لا يخفى أن موقع شالة الأثري يعتبر خزانا مركزا لمجمل مراحل التاريخ المغربي، إذ عرف تسلسل دول وثقافات وحضارات بدءا من الأمازيغ القدامى والفينيقيين والرومان وصولا إلى مختلف الدول الإسلامية التي تركت بصماتها المعمارية فيه إلى حين اتخاذها روضة لدفن ملوك وأعيان بني مرين على عهد السلطان أبي الحسن المدفون بها في ضريحه الشهير؛ لكن تاريخها العلمي أيضا لا يخفى، فقد جعل منها العلامة عبد الله اليابوري مدرسة علمية اجتمع فيها حوله طلاب العلم والصلاح منهم العارف ابن عاشر السلوي، وقد أحدث المرينيون فيها مدرسة علمية على غرار ما فعلوا في فاس وسلا ومكناس ومراكش وغيرهما.. وكان من المترددين عليها العلامة الأندلسي لسان الدين بن الخطيب دفين باب المحروق بمحروسة فاس… 

ويثير الانتباه بموقع شالة بابها الأثري الذي يمثل مدخلها الرئيسي والمحتوي على برجين تم شطفهما من أسفل حتى لم يبق سوى جزء صغير بارز بأعلى المربع، ثم وضع في المساحة المحصورة بين الشظف العلوي وبين البروز الناشئ عددا من المقرنصات الجميلة، ويغلب على الظن حسب العلامة عثمان عثمان إسماعيل أن الفنان المريني قد استوحى هذا الشكل الزخرفي من واجهة مسجد الأقمر بالقاهرة (أسس سنة 519هـ).

باب شالة الأثري ويظهر فيه البرجان المقرنصان وفي أعلى القوس شريط أفقي به نقش التأسيس

واجهة مسجد الأقمر بالقاهرة الذي يغلب على الظن أنه ملهم زخرفة باب شالة الأثري

والمثير للانتباه أن نقش تأسيس الباب ومعه أسوار شالة والمقبرة المرينية الذي كتب بالخط الكوفي المضفر مؤرخ بسنة 739ه وكتب عليه من خلال ما بقي مقروءا:

 “أبو الحسن ابن المقدس المرحوم أبي يوسف ابن عبد الحق خلد الله ملكهم، فكان الفراغ منه في آخر ذي الحجة عام تسعة وثلاثين وسبعمائة”

ويرى معظم مؤرخي الفن أن الخط النسخي قد حل محل الكوفي على المباني الأثرية في الكتابات التأسيسية في منتصف القرن السادس الهجري لسهولة قراءة النسخ وصلاحيته في الدعاية بالإعلان عن المنشآت[1].

ومعروف أن مسجد الصالح طلائع بالقاهرة هو آخر المساجد الفاطمية الذي تحمل واجهته نقشا كوفيا تأسيسيا سنة 555هـ؛ وهو آخر نقش كوفي تأسيسي تاريخي في المشرق الإسلامي، وبعد هذا التاريخ اقتصر الخط الكوفي على العبارات الدعائية وحل النسخي محله في الكتابة التأسيسية. ويلاحظ الفاضل عثمان عثمان إسماعيل[2] أن هذا التطور لازال في حاجة إلى دراسة بالنسبة إلى الغرب الإسلامي، لأن مدخل شالة البارز –الذي نحن بصدده- يحمل نقشا كوفيا تأسيسيا من عام 739هـ، أي بعد انتهاء استعمال الكوفي التأسيسي بالشرق بحوالي قرنين.

الباب الأثري بشالة وتظهر فيه المقربصات في البرجين

 

الباب الأثري بشالة من الداخل

مسجد الصالح طلائع بالقاهرة آخر معلمة بالمشرق تحمل نقشا تأسيسيا بالخط الكوفي 555هـ قرنين تقريبا قبل نقش باب شالة الأثري 739هـ

نحن إزاء نقش تأسيس فريد من نوعه يستحق أن يدرج في أدبيات التأريخ لتطور الفن الإسلامي عبر العصور، وهو ما يستدعي أيضا استثماره من أجل الرفع من القيمة الأثرية والمعمارية لشالة الذي تحظى بتقدير الباحثين عبر العالم لكن العمل الرئيس ينبغي ان يضطلع به الباحثون المغاربة من أجل التعريف أكثر بهذا الموقع الأثري الهام والحرص على الحفاظ عليه والتعريف به واستخلاص العبر العلمية والتاريخية والإنسانية منه..

[1] عثمان عثمان إسماعيل: دراسات جديدة في الفنون الإسلامية والنقوش العربية بالمغرب الأقصى (دار الثقافة، بيروت لبنان، 1977، ص 236).

[2] المرجع نفسه، ص237

د. جمال بامي

  • رئيس مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، ووحدة علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق