مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

“معنى الحكمة القائلة: “الإنسان مدني بالطبع

قال ابن خلدون في مقدمته (341:2) :

«إنّك تسمع في كتب الحكماء قولهم: “إنّ الإنسان مدنيّ الطبع”، يذكرونه في إثبات النّبوّات وغيرها، والنسبة فيه إلى المَدِينة، وهي عندهم كناية عن الاجتماع البشريّ، ومعنى هذا القول: أنّه لا تمكّن حياةَ المنفرد من البشر، ولا يتمّ وجودُه إلّا مع أبناء جنسه، وذلك لما هو عليه من العجز عن استكمال وجوده وحياته، فهو محْتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته أبدا بطبعه، وتلك المعاونةُ لا بدّ فيها من المفاوضة أوّلا، ثمّ المشاركة وما بعدها، وربّما تفضي المعاملةُ عند اتّحاد الأغْراض إلى المنازعةِ والمشاجرةِ، فتنشأ المُنافَرة والمُؤَالَفة، والصَّداقة والعداوة، وتؤول إلى الحرب والسِّلم بين الأمم والقبائل، وليس ذلك على أيّ وجه اتّفق، كما بين الهَمَل من الحيوانات، بل البشر بما جعل الله فيهم من انتظام الأفعال وترتيبها بالفكر كما تقدّم، جعل ذلك منتظما فيهم، ويسَّرهم لإيقاعه على وجوه سياسيّة وقوانينَ حكميّة، ينكِّبُون فيها عن المفاسد إلى المصالح، وعن الحسن إلى القبيح (كذا في النص المطبوع، ولعله يريد: من القبيح إلى الحسن)، بعد أن يميّزوا القبائحَ والمفسدةَ بما ينشأ عن فعل ذلك عن تجربة صحيحة، وعوائد معروفة بينهم، فيفارقون الهمَل من الحيوان، وتظهر عليهم نتيجة الفكر في انتظام الأفعال وبعدها عن المفاسد.

هذِه المعَاني التي يحصل بها ذلك لا تبعُد عن الحسّ كلَّ البعد، ولا يتعمّق فيها الناظر، بل كلّها تُدرَك بالتجربة وبها يستفاد؛ لأَنّها معان جزئيّة تتعلّق بالمحْسُوسات، وصدقُها وكذبُها يظهر قريبا في الواقع، فيستفيد طالبها حصول العلم بها من ذلك، ويستفيد كلّ واحد من البشر القَدْرَ الّذي يُسِّرَ له منها، مقْتنصا له بالتّجربة بين الواقع في معاملة أبناء جنسه، حتّى يتعيّن له ما يجب،وينبغي فعْلاً وترْكاً، وتحصل  بملابسته الملَكة في معاملة أبناء جنسه».

مقدمة ابن خلدون، تحقيق: عبد السلام الشدادي، طبعة: بيت الفنون والعلوم والآداب، الطبعة: الأولى، سنة:2005م، (241:2).

انتقاء: د. سعيد بلعزي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق