مركز الأبحاث والدراسات في القيمدراسات وأبحاث

خرافة قيم التحديث وتطوير الذهنية المغربية في الفكر الكولونيالي الفرنسي 2/6

 

    يواصل الأستاذ محمد أعمار قراءاته في كتاب ” المنهاج التربوي بالمدرسة المغرية زمن الحماية “للأستاذ محمد بلكبيرليستل منه جانبا آخر من قيم التحديث المزيفة في الخطاب الكولونياني :

    ” يرى المستعمرون أن احتلالهم لبلدان أخرى عناية ربانية،ورحمة إلهية، ساقها الله ساقها الى هذه البلدان .وان الاستعمار بهذا الموجب تشريف لفرنسا لأنه تكليف الهي .ففي هذا الشان كتب Roche Faucould-Liancourt أحد نواب البرلمان سنة 1835 ،ف معرض حديثه عن احتلال فرنسا للجزائر :” يالها من مهمة نبيلة أغدقتها علينا العناية الربانية ،وعينتها لنا يوم احلالنا لهذا البلد (الجزائر) ،حيث عملنا على اجلاء الحكومة المتوحشة التي اضطهدته ،إننا مسؤولون عن مصير هذه الشعوب ،وقد تحمانا أمانة وواجب الدفع يها للتواصل والحوار مع حكومة راقية ودولة متحضرة ،في مجال الأنوار والمعارف والمعتقدات التي أفاءتها علينا العناية الربانية ”(1).

    ومسألة “العناية ” تقترب كثيرا من مبدأ ” التفويض الإلهي ” في مجال الحكم ،حيث يمارس فرد أو أكثر ،سلطته على جماعة أو أقلية أو مجتمع ،” بتفويض من الله ” دون أن يكون للحكوميين حق التدخل (حكم التقطيع) .وكأن المسألة هنا قضاء وقدر ،وأن الله أوكل للمستعمرين مهمة غزو الشعوب دون أن يكون للغزاة إرادة ولا خيار . ولكن الفرنسيين لا يحرصون أنهم مستعمرون أو غزاة ،بل هم دعاة للسلم وحماة للشعوب :” …إن من فضل العناية الإلهية أن كان لنا البحر الأبيض المتوسط لنجعله فرنسيا ،وكانت لنا الجزائر لنحميها” (2)

    لقد وجد المستعمر الفرنسي في دعوى العناية الإلهية مرتكزا لنشر نفوذه وبسط حكمه خارج حدود فرنسا :فالاستعمار منة إلهية للتخليص” الشعوب المتخلفة” ولذلك لا يجب على فرنسا أن تسعى لفرد سلطتها ومعمريها على السكان بقوة السلاح ، ولكن عن طريق ما تدره عليهم من نعم الحضارة .وقد أصى المسؤولون ألا يظهر المعمرون في المستعمرات كسادة أقوياء ،غلاظ ،قساة ، مفعمين بالجشع .ولكن عليهم أن يظهروا كمرشدين وحماة (3) .ومن ثمة يصبحون ،تلقائيا ،وكلاء أقوياء للحضارة ،يعلمون الأفارقة دون أدنى صعوبة . وعندئذ يتحقق مجد فرنسا وتنجح عبقريتها التي حددها( لويس بلان- L.Blanc) ف أن تتجاوز فرنسا حدودها الجغرافية وتنتشر ف العالم لتغزوه بقوة أفكارها وحسن معاملاتها (4).وهذا تصريح آخريرى أن من فضل العناية الإلاهية على الأفارقة ،أن فرنسا إذا ما كتب لها أن تستقر نهائيا في شمال إفريقيا، وتتغلغل داخل القارة السمراء وتبسط نفوذها في تخوم الصحراء فإنها ستخلص هذه المناطق مما هو منتشر فيها من تعصب وتزمت ولصوصية . وتنشر ،بديلا عن ذلك كله ،التسامح والسلم والحرية والأمن (5) . ولذلك فتقدم البشرية رهين بعظمة فرنسا (6).ومعنى ذلك أنه لا تقدم للشعوب بدون استعمار فرنسا لها . وهكذا تصبح المعادلة كالتالي :العناية الإلهية تساوي تقدم الشعوب ، وهما معا يساويان الاستعمار .ولذلك سنجد ،فيما بعد ،كتابا وساسة كولونيانيين يجاهرون بالاستعمار ويربطونه بسل تحرير الشعوب المتخلفة ،ويبنون على ذلك شرعية وجودهم في المستعمرات كأمر إلهي غير قابل للنقاش :” …وبما أن حضورنا في المستعمرات  شرعي بفضل تفوق ثقافتنا وحضارتنا ،فإن واجبنا الأول هو أن نسلك سلوك المتحضرين ،الذين يتميزون عن الأهالي الذين وضعناهم تحت وصايتنا بفضل تفوقنا الأخلاقي …”(7).

    لم تكن قضية” العناية الإلهية”سوى تبرير واه لسياسة الاستعمار الفرنسي ، الذي راى أن من الضروري ربط المستعمرات بالمتربول ،بواسطة رابطة نفسية شديدة ،تجعل الأهالي فرنسيين في اللغة والتفكير والروح …

    ولكي يتعزز تبرير الاستعمار المرتكز على ما يسمى “حسنات الاستعمار” . شددت فرنسا على عامل آخر هو ” العبقرية الفرنسية ” .

     

    1-       

    Roche Faucould-Liancourt – Note sur colonisation d’alger 1835. « in LaFrance au Maroc »p62
    2-
    L.Blanc : « Histoire de dix ans Tome 5.p.172.
    3-
    C.R.Ageron. « La France coloniale »p.p.243-244.
    4-
    L.Blanc.in « Revue du progrès15JuiLLet 1839.
    5-
    voir .Revue des deux mondes . Sept 1882.p94.
    6-
    Léon Hugonnet.in « LaFrance au maroc ».p.65.
    7-
    E.Bernard. « Belletin de la mission laїque Française » ;Novembre1909

     

      اظهر المزيد

      الأستاذ محمد أعمار

      • خريج جامعة السربون باريس فرنسا.
      • حاصل على الإجازة في الآداب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، تخصص الفلسفة.
      • حاصل على شهادة التخرج من المدرسة العليا للأساتذة سابقا. وكلية علوم التربية حاليا.
      • أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي بالعديد من المؤسسات التربوية بالمغرب.
      • أستاذ مادة علوم التربية بالعديد بالمراكز التربوية، بالمغرب.

      مقالات ذات صلة

      اترك تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

      زر الذهاب إلى الأعلى
      إغلاق