وحدة المملكة المغربية علم وعمرانفنون وعمرانغير مصنف

حول بعض مآثر الرباط وسلا من خلال مشاهدات لسان الدين ابن الخطيب

من أهم المحطات العلمية والإنسانية في حياة العلامة الأندلسي لسان الدين ابن الخطيب مقامه لفترة وجيزة في العدوتين الرباط وسلا. واختصار الأمر أن ابن الخطيب خلال زيارته الثالثة للمغرب وافدا على البلاط المريني الذي كان دأب على القدوم عليه سفيرا من طرف بني الأحمر ملوك غرناطة، عرج على مدينة سلا للمرة الثانية لما كان بصدد جولة بجنوب المغرب أذن له فيها السلطان المريني أبو سالم إبراهيم، كان ذلك سنة 761هـ، فبقي في نفسه شيء من هذه المدينة المباركة “التي راقه موقعها، وهدوؤها وانقطاعها، وتأمل أحوالها، ورآها أوفق لمراده، لما كان عازما عليه من العزلة والخلوة والانفراد والانقطاع عن السلطان، لما اتصفت به في ذلك العهد من السكون والاطمئنان، وكونها مدينة علمية دينية، يأوي إليها أهل الخير والصلاح والدين، الذين تشد لهم الرحال، وتحمد صحبتهم في كل وقت وحال”.
وقد قال ابن الخطيب في كتابه “معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار” واصفا مدينتي الرباط وسلا : ” قلت فمدينة سلا العقيلة المفضّلة، و البطيحة المخضّلة، و القاعدة المؤصّلة، و السورة المفصّلة، ذات الوسامة و النضارة، و الجامعة بين البداوة و الحضارة. معدن القطن و الكتّان، و المدرسة (يقصد المدرسة المرينية بالطالعة) والمارستان (الذي تحول إلى دار القاضي قريبا من باب احساين قبل أن يهمل)، و الزاوية كأنها البستان (زاوية النساك) و الوادي المتعدّد الأجفان، و القطر الآمن عند الرجفان، و العصير العظيم الشان… و قابلها الرّباط الذي ظهر به من المنصور الاغتباط، حيث القصبة و الساباط (الباب الكبير بقصبة الأوداية) و وقع منه بنظرة الاعتباط، فاتسع الخرق و عظم الاشتطاط، و بعد الكمال يكون الانحطاط”..
يرجح المؤرخ العلامة محمد بن علي الدكالي، كما نقل عنه ذلك جعفر بن أحمد الناصري أن صاحبنا ابن الخطيب كان يقطن بالحي المعروف بدرب الشماخ، أو حي سيدي مشيش، وراء دار ابن العامري… ومن الأحداث الأليمة التي عاشها ابن الخطيب بحاضرة سلا وفاة زوجته في السادس من ذي القعدة عام 762 هـ، إذ يقول في كتابه “نفاضة الجراب”: ” طرقني ما كدر شربي، ونغص عيشي، من وفاة أم الولد، في بلد الغربة، وتحت سرادق الوحشة، فتجلت عليها حسرتي، واشتد جزعي، إذ كانت واحدة نساء زمانها جزالة وصبرا ومكارم أخلاق”..
وخلال مقام لسان الدين ابن الخطيب بمدينة سلا التقى شيخها الكبير العارف أبي العباس أحمد ابن عاشر في آخر حياة هذا الأخير سنة 764، وقد ذكر بعض مناقب الشيخ ابن عاشر في كتابه “نفاضة الجراب”.
وقد كان ابن الخطيب مدة إقامته بسلا يأوي إلى زاوية النساك التي تقع بالقرب من باب فاس، المعروف اليوم بباب الخميس، وهو الذي يصفها بأنها “الزاوية كأنها البستان”، وهي زاوية أسست ضمن مشروع سياسي مريني أولى عناية خاصة لزوايا العلم والصلاح بحثا عن الشرعية والاستقرار والولاء..

مدخل زاوية النساك بسلا خارج باب فاس ( باب الخميس حاليا) التي كان يختلي فيها ابن الخطيب

المدرسة المرينية بطالعة سلا التي وصفها ابن الخطيب في معيار الاختيار

الباب الكبير (الساباط) بقصبة الأوداية الذي وصفه ابن الخطيب في معيار الاختيار

يقول ابن الخطيب في “معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار” عن شالة بأنها ” مرعى الذمم و نتيجة الهمم، و مشمخ الأنوف ذوات الشمم، و عنوان بر الدّيّم، حيث الحسنات المكتتبة، و الأوقاف المرتبة، و القباب كالأزهار مجودة بذكر الله أناء الليل و أطراف النهار، و طلل حسّان المثل في الاشتهار. و هي على الجملة من غيرها أوفق، و مغارمها لاحترام الملوك الكرام أرفق، و مقبرتها المنضّدة عجب في الانتظام، معدودة في المدافن العظام، و تتأتى بها للعبادة الخلوة، و توجد عندها للهموم السلوة”..
والمعروف أن العالم المربي سيدي عبد الله اليابوري دفين الرباط قرب شاطئ البحر كان قد أسس مدرسة علمية بشالة يأوي إليه فيها طلبته لعل أشهرهم أحمد ابن عاشر السلوي الذي التقى به ابن الخطيب بسلا.. والغالب أن الخلوات المتكررة التي قضاها ابن الخطيب بشالة، على غرار خلواته بزاوية النساك بسلا، جمعت بين تردده على ما تبقى من مدرسة الشيخ اليابوري العلمية التربوية بشالة وبين الترحم على ملوك بني مرين وهو بين القباب التي كانت تزين أضرحتهم في زمانه، أما اليوم فلم يبق من جمالية العمارة الجنائزية المرينية بشالة إلا بقايا ضريح أبي الحسن المريني الذي طالما وقف عنده ابن الخطيب مترحما ومتوسلا…

مدخل موقع شالة بالرباط، الخلوة المفضلة لابن الخطيب

ضريح عبد الله اليابوري برباط الفتح مؤسس المدرسة العلمية بشالة

والطريف أن نصا لابن الخطيب يصف فيه توسله للسلطان أبي سالم إبراهيم عند قبر والده أبي الحسن المريني وظفه العلامة الآثاري عثمان عثمان إسماعيل ليصل إلى اكتشاف أثري لم يسبقه إليه أحد.. لقد كانت آمال ابن الخطيب لما انقطع بسلا ورابط بخلوة شالة أن يسترجع ماله المسلوب بغرناطة وأن يكون سادنا بتربة السلطان أبي الحسن بشالة إلى أن يحج ويرجع سالما شاكرا لنعمة أبي سالم… جاء في رسالة التوسل التي بعثها من شالة وهو بين أضرحة سلاطين بني مرين واصفا نفسه أنه ” توسط جيش الحرمة المرينية حقيقة، إذ جعل المولى المقدس المرحوم أبا الحسن مقدمة، وأباه وجده وثيقة”.. وقد استعمل العالم الفاضل عثمان عثمان إسماعيل في كتابه “حفائر شالة الإسلامية” هذا النص الثمين ليخلص أنه إذا كان قبر أبي الحسن المريني معلوما وقبر جده أبي يوسف يعقوب معروفا في المسجد العتيق بشالة، فإن قبر والد أبي الحسن أبا سعيد عثمان الذي يعتبر مجهولا يقع بين قبر الابن أبي الحسن والوالد أبي يوسف يعقوب وهو معنى قول ابن الخطيب ” إذ جعل المولى المقدس المرحوم أبا الحسن مقدمة، وأباه وجده وثيقة”.. وهذا في نظري من أروع استعمالات نص تاريخي معاصر للأحداث ودقيق الوصف من أجل الوصول إلى اجتهاد أثري غير مسبوق.. وهو ما يفتح الباب لاعتماد هذا المنهج النسقي في حل الكثير من الغموض الذي لازال يحيط بالعديد من المواقع الآثارية والعمرانية ببلادنا…

ضريح أبي الحسن المريني بشالة الذي كان يتردد عليه ابن الخطيب كثيرا

المسجد العتيق بشالة حيث دفن السلطان أبو يوسف يعقوب المريني وخلف محرابه يوجد ضريح أبي سعيد عثمان المكتشف ثم ضريح أبي الحسن المعروف

المكان الذي كان يقف به لسان ابن الخطيب متوسلا لأبي سالم إبراهيم عند مستوى جذع الشجرة وعن يمينه الضريح الذي يرجح عثمان إسماعيل أن به قبر أبي سعيد عثمان المريني

والحال أن ابن الخطيب ترك مشاهدات وانطباعات وأوصاف رائعة لمواقع تاريخية ودينية واجتماعية في العدوتين الرباط وسلا، ستمكن من إعطاء فكرة واضحة ملموسة عن هذه المآثر في عصره في أفق استثمارها يوما ما -لا أدري متى سيأتي- في مجال التنمية الثقافية ورد الاعتبار للمواقع التاريخية والحضارية، وهذا منهج نسقي لا غنى عنه علميا ومنهجيا من أجل استيعاب معطيات التاريخ الحضاري والعمراني للمغرب..
توفي ابن الخطيب كما هو معروف بمدينة فاس مقتولا بإيعاز من بني الأحمر ملوك غرناطة ودفن قرب باب المحروق سنة 776هـ، رحمه الله ونفعنا بعلمه، وجازاه عم المغرب خيرا…

اظهر المزيد

د. جمال بامي

  • رئيس مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، ووحدة علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق