مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلاميةغير مصنف

تقرير عن محاضرة : “مدخل إلى البيوإتيقا” للأستاذة د. نزهة جسوس

    عبد العزيز النقر

مركز ابن البنا المراكشي

   نظم “فريق البحث في الفلسفة والفكر النقدي” بتنسيق مع “مركز الأبحاث حول الإنسان والمجال والمجتمع” (التابعين لكلية الآداب – الرباط) محاضرة علمية بعنوان : “مدخل إلى البيوإيتيقا“، وذلك يوم الثامن من شهر ماي سنة 2024. تولى الأستاذ عزيز قميشو (أستاذ الفلسفة بكلية الآداب – الرباط) تنسيق وتسيير فعاليات هذا اللقاء العلمي الذي شهد كذلك إلقاء كلمة لمدير مركز الأبحاث “الإنسان والمجال والمجتمع” الأستاذ سعيد بنيس.

   أكد الأستاذ عزيز قميشو في كلمته الافتتاحية على أهمية وراهنية موضوع المحاضرة، خصوصا في ظل التسارع الذي تشهده العلوم البيولوجية والطبية (والتقنيات المرتبطة بهما) وما يترتب عنها من نتائج على المستوى الأخلاقي. كما أعرب عن سعادته في أن تكون هذه المحاضرة هي أول نشاط في إطار التعاون بين فريق البحث في شعبة الفلسفة ومركز الأبحاث حول الإنسان والمجال والمجتمع. أشار الأستاذ المسير كذلك إلى بعض النقط التي تتجلى فيها أهمية هذه المحاضرة، من بينها – مثلا – المسار والكفاءة اللذان يميزان الأستاذة نزهة جسوس. إذ بالإضافة إلى مسارها المهني كأستاذة للطب بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، فإنها استطاعت أن تراكم سنوات من الخبرة في مجال البيوإتيقا، سواء على المستوى الوطني أو الدولي. وكمثال على هذه النقطة الأخيرة، يمكن الإشارة إلى أن الأستاذة جسوس قد سبق لها أن شغلت عضوية (من 2000 إلى 2005) ثم رئاسة (2005 إلى 2007) لجنة اليونسكو الدولية لأخلاقيات البيولوجيا.

   هذا فيما يتعلق بالأستاذ المحاضرة، أما بخصوص الموضوع في حد ذاته، فتنبع أهميته من عدة اعتبارات. منها على سبيل المثال أن القضايا التي تعالجها الأخلاقيات التطبيقية لا تكاد تقتصر على مجال بحثي معين، بل إنها تتوزع على مباحث معرفية أو مجالات بحثية متنوعة. وبذلك، فهي يمكن أن تمثل بالنسبة للمشتغلين بالفلسفة، كما يؤكد الأستاذ قميشو، أرضية خصبة لمعالجة العديد من القضايا الأخلاقية الكبرى التي تمس الإنسان المعاصر في شتى مناحي حياته. ولا يعني هذا أنه في مستطاع الفلسفة في الوقت الراهن أن تقارب هذه المواضيع وما يتصل بها من إشكالات انطلاقا من بعض البناءات النظرية الجاهزة بغرض بسط الهيمنة الفلسفية عليها. فعلى العكس من ذلك تماما، يمكن القول – دون مبالغة – إن مجال البيوإيتيقا قد شكل بالنسبة للفلاسفة “مدرسة” للتعلم وإعادة النظر في “أدوات” و”آليات” و”مقاربات” الفكر الأخلاقي الكلاسيكي. وهكذا، فمجال البيوإيتيقا (الأخلاقيات) قد شكل، من منظور المُسيِّر، أحد القطاعات المعرفية التي أسهمت في مراجعة الفكر الفلسفي لبعض أسسه ومبادئه حتى يتسنى له مواكبة الإشكالات الأخلاقية المطروحة على الإنسان المعاصر. وبطبيعة الحال، لا يمكن للفكر الفلسفي وحده أن يقارب كل هذه الإشكالات أو تلك الرهانات، بل لا بد في ذلك من تظافر مباحث علمية ومعرفية مختلفة من جهة، ومن تعاضد مشارب ومناهل فكرية متنوعة من جهة أخرى.

   أما بالنسبة للأستاذ سعيد بنيس (كلية الآداب – الرباط)، فقد تطرق في كلمته إلى التعريف بالمركز الذي يشرف عليه داخل الكلية (أي مركز الأبحاث حول الإنسان والمجال والمجتمع)، مشيرا إلى أهم وحدات البحث المكونة له والأهداف المتوخاة من تأسيسه، وأيضا المهام الملقاة على عاتقه (أي المركز)، والتي يأتي في مقدمتها إقامة روابط بين المباحث المعرفية المختلفة. ويرى الأستاذ بنيس أن مجال البيوإيتيقا يمثل بامتياز ميدانا تتلاقى فيه مستويات مختلفة من المستويات التي يراهن المركز على دراستها ومقاربتها، وهذه المستويات الثلاثة هي : الإنسان، المجال، والمجتمع. بعد ذلك، توقف الأستاذ بنيس عن بعض المظاهر التي تتجلى فيها العلاقات الممكنة بين البيوإيتيقا والعلوم الاجتماعية، خصوصا وأن البيوإيتقيا (الأخلاقايت) تشكل مدارا لاهتمام مجالات بحثية يتقاطع فيها القانوني والاجتماعي والعلمي – الطبي …

   قبل الدخول إلى صلب المحاضرة، أشارت الأستاذة جسوس إلى أن البيوإيتيقا ليست مجرد تخصص أو مادة معرفية، بل إنها تمثل “مقاربة” تمزج بين عدة مباحث وتخصصات علمية (بما في ذلك العلوم الإنسانية والعلوم القانونية والعلوم الطبية والعلوم التقنية …). كما أنها ترتبط بشكل وثيق بحقوق الإنسان، ولئن كان الجيل الأول من هذه الحقوق خاصا بالحقوق المدنية، وكان الجيل الثاني متعلقا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن الأخلاقيات تمثل مكونا أساسيا ضمن الجيل الثالث من هذه الحقوق.

   شرعت الأستاذة المحاضِرة في عرضها من خلال الوقوف عند المستوى الإتِيمولوجي المتعلق بالفروق الموجودة بين مصطلحين مهمين هما : la morale et l’éthique. وترى الباحثة أن كلمة morale، التي تترجمها بـ”الأخلاق”، تشير إلى “القواعد الموجهة التي تحدد الالتزامات أو الواجبات التي يمكن بناء عليها تقديم فكرة معينة عن الخير والشر”. تتأسس فكرة الأخلاق عموما على مسألة القيم les valeurs التي يمكن أن تكون إما قيما كونية أو خاصة بمجتمعات معينة. أما عن مصطلح éthique، الذي تترجمه الباحثة بالأخلاقيات، فهو عبارة عن مبحث ذا طابع معياري وعملي يهدف إلى تحديد الكيفية التي يجب أن يسلك أو يتصرف وفقها إنسان ما. بالتالي، يمكن القول، حسب الأستاذ جسوس، أن الأخلاقيات تحيل بشكل أكبر على كيفية أو نمط وجود معين. أشارت الباحثة كذلك إلى وجود تعاريف أخرى ممكنة للأخلاقيات، حيث يسميها البعض بـ”علم الأخلاق” الذي يسمح – من خلال الاعتماد على تخصصات ومباحث متعددة – بمقاربةِ أو حلِ الصراعات أو التعارضات القيمية بهدف تعريف “الواجب” وتعيين حدوده.

   إضافة إلى ما تقدم، أشارت الأستاذة جسوس إلى أن مصطلح “البيوإيتيقا” يعود في أصله إلى الطبيب الألماني Van Resensselaer Potter، والذي عرفها (أي البيوإيتيقا) بكونها عبارة عن “مزج بين العلوم الحيوية (البيولوجية) والقيم الإنسانية”. ورغم إشارتها إلى هذا التعريف الأولي، فقد عادت الباحثة للتأكيد على أنه لا يوجد تعريف محدد ومضبوط للبيوإيتيقا، معتبرة أنها تعبر عن مجال بحثي تتداخل فيه إسهامات ومقاربات تنتمي لمجالات وتخصصات مختلفة ومتعددة (كالعلوم الإنسانية والعلوم الصحية والعلوم القانونية).

   يصعب، من منظور الأستاذة جسوس، الفصل بين مجال البيوإيتقيا وحقوق الإنسان، ويتجلى هذا التداخل في كونها تهتم – على سبيل المثال – ببعض الحقوق من قبيل “الحق في الصحة” و”الحق في البيئة” معطية الأولية للفرد على كل ما عداه بما في ذلك مصلحة العلم أو بعض الاعتبارات المجتمعية. في بداياتها الأولى، قامت البيوإيتيقا على جملة من المبادئ الأساسية : الاستقلالية، أولوية مصلحة الفرد (الشخص)، الإحسان (أو المعاملة الحسنة Bienfaisance)، العدل أو العدالة. بعد هذا، تطرقت الباحثة إلى مسألة تتعلق بجوانب ترتبط بالتطور التاريخي للمقاربات البيوإيتيقية على مستوى “علاقة الطبيب بالمريض”. وقد أشارت المحاضِرة، بهذا الصدد، إلى أن مسار هذا التطور مرّ من مراحل كبرى كانت هذه بعض خصائصها الأساسية : أنسنة الكيفية التي يُعامل بها المريض بحيث يجب النظر إليه كـ”شخص” لا كـ”حالة” فقط، العمل على نزع صفة “الأبوية” عن الأطباء في معاملتهم لمرضاهم من خلال التأكيد على استقلالية المريض، ثم أخيرا (أي في المرحلة الأخيرة من مسار التطور) ظهور القانون المتعلق بالعلوم الحيوية  وتطبيقاتها، وهو ما يعكس بوضوح ارتباط التطورات البيولوجية بالسياق القانوني.

   وبخصوص هذه المرحلة الأخيرة، أكدت الأستاذة جسوس أن الأمر يتعلق بالتفكير في معنى وكيفيات استخدام التطورات العلمية- التكنولوجية في الفترة المعاصرة بصفة عامة، وبالتطورات العلمية في المجال الطبي والبيولوجي بصفة خاصة. يرجع هذا الأمر، في نظر الباحثة، إلى أن العلم يمس بشكل أساسي مجموعة من الجوانب الأخلاقية والفلسفية والمجتمعية والقانونية. ولا يقتصر هذا الأمر على الدول الغربية المتقدمة علميا وصناعيا فحسب، بل إنه يخص كذلك باقي المجتمعات والدول بحكم كونية العلم، حيث إن معظم “التطبيقات” التي تعرفها الدول المتقدمة تصل إلى جل بلدان العالم. وهكذا، فإن من بين الأهداف التي تتوخاها الأخلاقيات هي تطوير علم يكون ذا طابع مسؤول أكثر من الناحية الأخلاقية، حيث يكون الإنسان وكل الكائنات على كوكب الأرض في مأمن من الأخطار أو النتائج السلبية الناجمة عن التطور العلمي …

   أشارت المحاضرة بعد ذلك، بعُجالة، إلى بعض “أدوات البيوإيتسقا”، لتقفَ بعد ذلك عند الإعلان العالمي للبيوإيتقا وحقوق الإنسان، والذي اعتبرته وثيقة مرجعية في هذا الشأن. وقد ركزت من بين مبادئ هذه الوثيقة على ثلاثة: “احترام الكرامة الإنسانية في الممارسة الطبية”، “احترام التنوع الثقافي والتعددية”، و”المسؤولية الاجتماعية والصحية”. والجدير بالذكر أنها فصلت القول حول هذه المبادئ الثلاثة من خلال تقديم شروحات مستفيضة وتفصيلات مهمة (كما هو الحال مثلا في علاقة البيوإتيقا ببعض القضايا التي تهم المرأة)، كما أنها قد عضدت شروحاتها وأقوالها ببعض الأمثلة المهمة (كالمراجعة التي شهدتها القواعد الإرشادية العامة الموجهة للبحث البيو- طبي على المستوى الدولي سنة 2016، خصوصا فيما يتعلق بدور المرأة في هذا المجال). فضلا عن ذلك، فقد وقفت المحاضِرة عند بعض المواد المتضمنة في الوثيقة المرجعية للبيوإتيقا، كالمادة 26 والمادة 18 والمادة 27 والمادة 28، مقدمة حولها عدة تعليقات وشروح تبرز من خلالها أهمية وراهنية هذه المواد، مع العمل في نفس الآن على توضيح بعض حدودها.

   وفي ختام مداخلتها، خلُصت الأستاذة جسوس إلى أن الأمر يتعلق هنا (أي في مجال الأخلاقيات) بمنظور واسع وتعددي يقوم على إسهامات ومقاربات تنهل من حقول علمية ومعرفية متنوعة وتستدعي مشاركة وانخراط جميع مكونات وأطياف المجتمع. كما أنها تمتاز، حسب الباحثة، بكونها لا تراهن على الحاضر فحسب، بل إنها تأخذ في الحُسبان كذلك حماية حقوق الأجيال القادمة. وختمت الأستاذة نزهة محاضرتها بالحديث عن المراحل التي قطعتها عملية مأسسة البيوإتيقا بالمغرب، مع إشارتها إلى بعض الصعوبات التي تعترض هذه العملية في بلادنا.

   وبعد انتهاء الأستاذة نزهة جسوس من محاضرتها، تفضلت بمناقشة الآراء التي تقدم بها بعض السادة الأساتذة أو الطلبة الباحثون مع الإجابة على كل استفساراتهم وأسئلتهم.

ذ. عبد العزيز النقر

حاصل على شهادة الماستر في الفلسفة

باحث بمركز ابن البنا المراكشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق