مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعينغير مصنف

(أُمُّ شَرِيكٍ): المرأة الثابتة على الإيمان، تقود قبيلتها للإسلام.

 

 

 

إعداد وتقديم: ذ/ نافع الخياطي

عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: وقع في قلب أم شَرِيك الإسلام، فأسلمت وهي بمكة، وكانت تحت أبي العَكَر([1]) الدَّوْسِي. ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرّاً فتدعوهنَّ وَتُرَغِّبُهُنَّ في الإسلام، حتى ظَهَرَ أَمْرُهَا لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا: لَوْلاَ قَوْمُكِ لَفَعَلْنَا بِكِ وَفَعَلْنَا، لَكِنَّا سَنَرُدُّكِ إليهم.

 قالت: فَحَمَلُونِي على بَعِيرٍ ليس تحتي شيء، ثم تركوني ثلاثاً لا يُطْعِمُونَنِي، ولا يُسْقُونَنِي، وكانوا إذا نَزَلُوا مَنْزِلاً، أَوْثَقُونِي في الشَّمْسِ، وَاسْتَظَلُّوا هم منها، وَحَبَسُونِي عن الطعام، والشراب. فَبَيْنَا هُمْ قد نَزَلُوا مَنْزِلاً، وَأَوْثَقُونِي في الشَّمْسِ إذا أنا بِبَرْدِ شَيْءٍ على صَدْرِي، فتناولته، فإذا هو دَلْوٌ([2]) من ماء، فشربت منه قليلاً، ثم نُزِعَ مِنِّي فَرُفِعَ…ثم عاد فتناولته فَشَرِبْتُ منه ثم رفع، ثم عاد فتناولته ثم رُفِعَ مِرَاراً، ثم تركت فشربت حتى رَوِيتُ، ثم أَفَضْتُ سَائِرَهُ على جسدي وثيابي؛ فلما استيقظوا إذا هم بأثر الماء، وَرَأَوْنِي حَسَنَة الهيئة، فقالوا لي: انْحَلَلْتِ فَأَخَذْتِ سِقَاءَنَا فَشَرِبْتِ منه؟، قلتُ: لا والله؛ ولكنه كان من الأمر كذا وكذا. قالوا: لئن كُنْتِ صَادِقَةً لَدِينُكِ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، فلما نَظَرُوا إلى أَسْقِيَتِهِمْ، وَجَدُوهَا كما تَرَكُوهَا، فَأَسْلَمُوا عند ذلك([3]).

الدروس والعبر المستخلصة من القصة:

1- هداية الله ينشرح معها صدر المؤمن. (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْاِسْلاَم)([4]).  

2- أحسن الأقوال: الدعوة إلى الله عز وجل: (وَمَنْ اَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِين)([5]).                               

3- العمل في السر قد يكون أجدَى وأنفع من العمل في الظاهر حسب الظروف والأحوال، انظر- مثلا- مقتضى قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُوتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير)([6]).

4- مُرَاعَاةُ الانتماء والجاه، والاعتبارات الأخرى قد تُنْجِي صاحبها في المآزق. وقديما خاطب قوم شُعَيْبٍ، عليه السلام، نبيهم بقولهم: (يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز)([7]).

5- صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذكوراً، وإناثاً تحمَّلُوا كثيراً من ألوان العذاب من أجل نشر هذا الدين الحنيف، فرضي الله عنهم أجمعين.

6- عناية الله تَحُفُّ بكل مؤمن ومؤمنة، وخاصة في المواقف الحَرِجَة؛ لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)([8]).

7- الكرامات التي يُظهرها الله تعالى على يد عباده الصالحين؛ تعتبر امتداداً لمعجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومَنْ أنكرها فله رأيٌ يخصُّه.

8- لا وجه للمقارنة بيْن عبادة الأصنام والجحود، وبيْن عبادة الإله الحق المعبود، كما لا تَصِحُّ المقارنة بين التِّبْرِ([9])، والتراب.                                                                                     

والحمد لله رب العالمين

 


([1]) أبو العَكَر- بفتح المهملة والكاف؛ كما في: الإصابة؛ لابن حجر: 3/ 137.

([2]) دَلْو: الدَّلْوُ؛ زهي التي يُسْتَقَى بها. تاج العروس؛ للزبيدي، مادة: (دلو).

([3]) القصة من كتاب: صحابيات مجاهدات؛ لمؤلفتها أم الفضل عليّة مصطفى مبارك، ص: 92. وانظر القصة بطولها في: (الخصائص الكبرى)؛ للسيوطي: 2/ 32.

([4]) سورة: الأنعام، من آية: 125.

([5])سورة: فصلت، آية: 33.

([6]) سورة: البقرة، آية: 271.

([7]) سورة: هود، من آية: 91.

([8]) سورة: الحج، من آية: 38.

([9]) التِّبْرُ: الذَّهَبُ كلُّه. لسان العرب، مادة: (تبر).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق