مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات محكمة

أحاديث نبوية في فضل السحور

الحمد لله الذي أكرمنا بشهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن سيِّدنا ونبينا محمّداً عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى والنور، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم النشور وبعد:

  فلا ريب أن السحور سنة ربانية، ونعمة إلهية، ووصية نبوية؛فمن عمل بهذه السنة  أجر وحصل له الكثير من الخيرات، ومن تركها غُبِن وحُرِم الكثير من البركات.
وقد ورد في السنة النبوية عدة أحاديث شريفة تدل على فضل السحور وأهميته، يحسن التذكير بها، فأقول وبالله التوفيق:

لقد وردت في فضل السحور عدة أحاديث نبوية، ومن هذه الفضائل أذكر:

أولا: حصول البركة؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تسحروا فإن في السحور بركة “([1])، وقال: ” إن السحور بركة أعطاكموها الله فلا تدعوها”([2])، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن سماه بالغداء المبارك، فقال: “هلم إلى هذا الغداء المبارك”([3]). 

ثانيا: أن فيه مخالفة لأهل الكتاب؛ لحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور”([4]) .

قال الخطابي: “كان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب، وعلى مثل ذلك كان الأمر في أول الإسلام، ثم نسخ الله عز وجل ذلك، ورخّص في الطعام والشراب إلى وقت الفجر بقوله: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)  البقرة:187”([5]).

ثالثا: صلاة الله وصلاة الملائكة على المتسحرين؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإنّ الله وملائكته يصلون على المتسحرين”([6])

فصلاة الله عليهم تعني رحمته بالعباد، وصلاة الملائكة عليهم بمعنى: استغفارهم لهم، لأن وقت السحور هو وقت القرب من الله سبحانه وتعالى؛ حيث ينزل الله إلى السماء الدنيا نزولا يليق بجلاله فيقول: “هل من سائل يُعطى؟ هل من داعٍ يستجابُ له؟ هل من مُستغفرٍ يغفرُ له حتى ينفجر الصبح؟”([7])

رابعا: تقوية العبد على العبادة: ويدل على هذا الفضل؛ حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة”([8]).

قال النووي رحمه الله: “أجمع العلماء على استحبابه (أي: السحور)، وأنه ليس بواجب، وأما البركة التي فيه فظاهرة؛ لأنه يقوي على الصيام وينشط له وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر”([9]) .

وفي الختام أحمد الله  تعالى الذي وفقني في هذا المقال الذي تحدثت فيه عن بعض ما ورد في فضل السحور من أحاديث نبوية صحيحة، من غير استقصاء، والله تعالى أسأل أن يتقبل مني هذا الجهد المتواضع، وأن ينفع به إنه مجيب.

والحمد لله رب العالمين.

 *****************

هوامش المقال:

([1]) رواه البخاري في صحيحه (2 /36)، كتاب: الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب، برقم: (1923)، ومسلم في صحيحه (1 /488)، كتاب: الصيام، باب: فضل السحور وتأكيد استحبابه، برقم: (1095).

([2]) رواه أحمد في مسنده (38 /218) برقم: (23142) وصححه الألباني. صحيح الجامع الصغير (ص: 337)، برقم: (1636).

([3]) رواه أحمد في مسنده (28 /371-372) برقم: (17143)، وصححه الألباني. صحيح الجامع الصغير (752)، برقم: (4081).

([4]) رواه مسلم في صحيحه (1 /488)، كتاب: الصيام، باب:  فضل السحور وتأكيد استحبابه، برقم: (1096).

([5]) عون المعبود (6 /336).

([6]) رواه أحمد (17 /150) برقم: (11086)، وحسنه الألباني. صحيح الجامع (ص: 686)، برقم: (3683).

([7]) رواه مسلم في صحيحه (1 /342)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، برقم: (758).

([8])  رواه البخاري في صحيحه (2/35-36)، كتاب: الصوم، باب:  قدر كم بين السحور وصلاة الفجر، برقم: (1921).

([9]) المنهاج شرح صحيح مسلم (7 /206).

******************

ثبت المصادر والمراجع المعتمدة:

الجامع الصحيح. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قام بشرحه وتصحيحه وتنقيحه: محب الدين الخطيب، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية القاهرة. ط 1/ 1400.

صحيح الجامع الصغير وزياداته. محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. ط3/1408-1988.

صحيح مسلم. وفي طليعته: غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد كتاب مسلم بن الحجاج للزبيدي.دار طيبة. الرياض. ط1/ 1427-2006.

عون المعبود شرح سنن أبي داود. أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي. دار الكتب العلمية – بيروت. ط2/ 1415.

المسند. أحمد بن حنبل. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسسة الرسالة. ط2/ 1420-1999.

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي. دار إحياء التراث العربي – بيروت. ط2/ 1392

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق