مركز الدراسات والبحوث في الفقه المالكيغير مصنف

التقرير العام عن الدورة التكوينية: «الرؤية التاريخية وأهميتها في البحث الجامعي في العلوم الشرعية»

في إطار الأيام الجامعية السابعة لمركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي التابع للرابطة المحمدية للعلماء، والرامية إلى دعم البحث العلمي والتكوين في العلوم الشرعية والإنسانية، وتأهيل باحثين متخصصين في الفقه المالكي وأصوله:

نظم كل من مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة ومركز ابن القطان للدراسات في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش بشراكة مع ماستر الفقه المالكي رواية ودراية وتطبيقا، بكلية العلوم الشرعية بالسمارة، التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، دورة للتكوين المتخصص لفائدة طلبة الدكتوراه والماستر في موضوع:

«الرؤية التاريخية وأهميتها في البحث الجامعي في العلوم الشرعية»

وذلك أيام: 1ـ 2ـ 3 رجب، سنة 1441ﻫ، الموافق لـ 25ـ 26ـ 27 فبراير، سنة 2020م، وقد أطرها مجموعة من جلة الأساتذة في تخصصات مختلفة، وشارك فيها نحو من ثمانين طالبا جلهم من طلبة السمارة وأكادير.

وهذا ملخص عام لعروض الدروة:

الجلسة الافتتاحية

رئيس الجلسة الدكتور عبد الله مومن، المقرر: الباحث عبد الرحيم اللاوي

انطلقت أشغالُ الدورة يوم الثلاثاء 1 رجب سنة 1441ﻫ، الموافق لـ 25 فبراير، 2020م، بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، تلتها أربع كلمات افتتاحية، وهي كالتالي:

الكلمة الأولى: كلمة السيد عميد كلية السمارة، الذي عبر عن سعادته وسروره باحتضان كليته للأيام الجامعية السابعة، باعتبارها حدثا وطنيا علميا مهما، ثم رحب بالأساتذة المشاركين في الدورة، وأشاد بدور الجهات المنظمة، موجها لها الشكر على الجهود التي بذلت لإنجاحها.

الكلمة الثانية: كلمة السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، ألقاها نيابة عنه ذ محمد السرار، رئيس مركز ابن القطان للدراسات في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش. أشار فيها إلى أن العلوم الإسلامية لم توجد دفعة واحدة، بل تراكمت عبر مراحل تاريخية متعددة، كان لها أثر كبير على كثير من القضايا العلمية، ومن هنا جاءت أهمية هذه الدورة؛ إذ الغفلة عن الرؤية التاريخية أوقع في إشكالات في فهم كثير من قضايا العلوم.

ثم مثل لذلك: بالمقابلة بين كتابي: الرسالة للشافعي وجمع الجامع لابن السبكي، وهما مؤلفان في نفس العلم، أي: علم الأصول، لكن مقتضيات الزمن أثرت تأثيرا واضحا في العلم، وأدخلت فيه كثيرا من المباحث التي لم تكن منه، ككثير من قضايا علم الكلام وعلم اللغة. ثم بين أن ما قيل في علم الأصول، يقال في علم مصطلح الحديث، وعلم التفسير، وغيرهما من العلوم.

الكلمة الثالثة: كلمة السيد رئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة، ذ محمد العلمي. الذي استهلها بشكر الجهات المنظمة، والأساتذة المشاركين في الدورة، ثم عقب ببعض التوجيهات التنظيمية التي يجب الالتزام بها. ثم ختم بالحديث عن أهمية الرؤية التاريخية في العلوم الإسلامية، موضوع الدورة، التي لا ينبغي إغفالها حتى يفهم التركيب الذي وسم العلوم الشرعية وحدد أنساقها عبر الزمن.

الكلمة الرابع: كلمة السيد منسق ماستر المذهب المالكي رواية ودراية وتطبيقا، ذ إبراهيم بن عبلا، التي قدم بها الدورة، وذكر أهدافها، وموضوعها، وأسباب اختياره، والحاجة إليه، وأهميته في الوقت الحاضر. ثم لفت انتباه الطلبة إلى ما تكتسيه الرؤية التاريخية من أهمية. كما ذكر بعض المشاكل التي يعيشها البحث العلمي في بعض الجامعات المغربية، موضحا أن الدورة جاءت للإجابة عن هذه المشاكل، وتصحيح بعض هذه الأخطاء.

ولفت الأستاذ في كلمته إلى التنسيق الإيجابي والبناء الذي ميز إعداد الدورة بين الجهتين المنظمتين، وأن الإعداد العلمي لها الذي هندسه مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي، رافقه أناة وصبر وتشاور موصول بين الكلية والمركز، حتى خرج البرنامج على هيئته النهائية.

كما خص الأستاذ بالشكر الجهات الداعمة في إقليم السمارة على الاحتضان الذي حظيت به الدورة من طرفها، وخصوصا السيد عامل إقليم السمارة، والسيد رئيس المجلس الإقليمي، والسلطات المحلية والمنتخبة.

ثم ختم كلمته بشكر اللجنة المنظمة، وبالتنويه بدور الرابطة المحمدية للعلماء في خدمة البحث العلمي،  ودعم التكوين في العلوم الشرعية بالجامعة المغربية.

الجلسة الصباحية: رئيس الجلسة: ذ محمد السرار

المحاضرة الأولى: العلوم الشرعية كنظام توازن بين الدين والزمن

ذ محمد العلمي رئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة

المقرر: ذ فؤاد القطاري

افتتح الأستاذ محاضرته بالتأكيد على أهمية ضرورة النظر إلى العلوم الشرعية بصفتها عنصر التوازن والانسجام الوحيد بين النصوص الشرعية [الثوابت] وبين الزمن [المتغير].

هذه العلاقة شرط صحة للرؤية العلمية، ومع ذلك فقد وقع التفريط فيها، وغفل عنها كثير من الباحثين والدارسين، علما أن  وضع التوازن في العلاقة بين الزمن والشريعة، والدين والحياة، هي من خصوصيات الدين الإسلامي؛ إذ إن وجود منظومة ثابتة، واستمرارها داخل الزمن بكل تحولاته، ومحاولة الحفاظ عليها في أتون تقلباته، لا يكاد يوجد في أية منظومة دينية أخرى، كالمسيحية والبوذية وغيرهما.

وقد مهد الأستاذ لهذا الموضوع بقضية رأى أنها ينبغي أن تكون محل نقاش بين الباحثين والدارسين لتصير مُسلَّمة ومقدمة ثابتة، مفادها أن الدين الإسلامي لم يصلنا مباشرة من القرن الأول، بل وصلنا عبر جملة من المؤسسات العلمية التي أنتجت منظومات قيمية وجمالية هي السر في توازن أسلوب الحياة عند الشعوب الإسلامية إلى اليوم.

وكمثال على هذا، لا يمكن الحديث اليوم عن القرآن الكريم دون واسطة علم القراءات، أي: عن سلسلة روايات تمتد من عصرنا إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه، وقس على ذلك سائر علوم القرآن الأخرى. وما قيل في القرآن الكريم يقال في الحديث النبوي الشريف، وغيره من المعارف والعلوم.

والحاصل: أن الإسلام لم يصلنا خارج المؤسسات، وهذا أمر ينبغي أن يصير مسلما لدى الطالب الباحث في الجامعة، وعليه يبني تصورُه ونظره للعلم والعالَم، والدعاوى التي تدعي خلافَ ذلك، كدعوى الرجوع إلى الزمن النقي الصافي، عهد السلف الصالح، والاكتفاء به، وإلغاء أربعة عشر قرنا من الاشتغال المسؤول في بحور من العلوم والصنائع المعنوية، التي صاغت الشخصية الإسلامية وأكسبتها القوة والرسوخ والمنعة، وكدعوى أن التاريخ لوَّث الثقافة الإسلامية، فلا بد من الرجوع إلى العهد الذهبي أو الزمن الطاهر، وغيرهما، هي دعاوى مخطئة، معادية للتاريخ، ومفضية إلى الجهل في الحال، أو المآل.

ثم مثل الأستاذ المحاضر لذلك ببعض المسائل التي وقعت في صدر الإسلام، واختلف فيها بين مَن: يرى أنها من البدع والإحداث في الدين، ومَن يرى أنها ـ وإن كان بدعة ـ فهي تحقق مصلحة شرعية جوهرية. ثم استقر الأمر على النظر الذي يراعي المصلحة الشرعية في التعامل مع كل حادث، ووقع الاتفاق عليه، وصار معتمدا إلى يومنا، وبهذا حُمي الإسلام:

المثال الأول: قضية جمع القرآن بعد مقتل عدد من قراء الصحابة في معركة اليمامة، حيث وقع نقاش بين عمر بن الخطاب وبين أبي بكر، ثم بينهما وبين زيد بن ثابت في مشروعية هذا الجمع، وكان مدار النقاش هل ننكف عن جمع القرآن لأنه أمر «لم يفعله رسول الله»، أو نفعله لأنه «خير».

وقد اتفق الصحابة بعد هذا النقاش الجامع بين الفقه والأصول على الأخذ بالنظر المصلحي، وألغوا جانب كونه مبتدعا.

والذي ينبغي الوقوف معه هنا هو أن الصحابة رضي الله عنهم، لما هَمَّ عثمانٌ بتدوين القرآن في مصحف جامع، لم يكرروا هذا النقاش من جديد، بل أجمعوا على الجمع ، ومن هنا رأى المالكية التمييز بين البدعة وبين حكمها الشرعي؛ فالبدعة تعترضها الأحكام الخمسة كما هو معروف عندهم.

المثال الثاني: جمع السنة النبوية التي أمر بها عمر بن عبد العزير، وكانت بداية للتأليف في الحديث النبوي الشريف، فهذه القضية أيضا وقع الاتفاق على مشروعيتها لِما تحققه من مصالح شرعية معتبرة، بالرغم من أن الغزالي ذكر في إحيائه أن الإمام أحمد كان ينكر على الإمام مالك تصنيف الموطأ، ويقول: ابتدع ما لم يفعله الصحابة. فلم يُلتفت إلى هذا الرأي مع جلالة قدر الإمام أحمد ؛ لأنه مخالف لما يقتضيه السياق العام من وجوب الكتابة والتدوين، وإن كانت بدعة، خشية «دروس العلم وذهاب العلماء» كما علل بذلك عمر بن عبد العزيز.

وقريب من هذا الكلام يجري على الفقه، حيث تكن هناك مذاهب فقهية، ولكن كثيرا من العلماء، منهم القاضي عياض رأوا أن السلف هم الذين حذروا انتشار الأمر، وشيوع الاختلاف، وقرروا أن يحصروا الرأي في مذاهب معينة، وكرهوا أن تتبع مذاهب الصحابة مباشرة؛ لأن كلامهم فيه مجملات ومطلقات وعمومات لم تقيد ولم تحرر.

وإنما الذي دقق الناس فيه هو كلام أهل المدينة الذي استقر في مذهب الإمام مالك وأصحابه، وكذلك كلام أهل الكوفة الذي استقر في مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وقُل مثل ذلك في بقية المذاهب المدونة.

والخلاصة التي انتهت إليها العلوم أنها تتركب من ثلاثة أشياء:

الجانب المعرفي، والمقصود به المعلومات وقواعد العلم، ومدارها على الصحة، وإضافة ما يمكن إضافته إليها بكل دقة وضبط وتثبت، وعلى هذا تشكلت متونها التي صانتها وحافظت عليها.

 2ـ الجانب الشكلي والمنهجي، وفيه انتظمت شروط العلم داخل الزمن، وتحددت أجوبته على قضايا الوقت وتحدياته، وفيه تبلورت شخصيته المستقلة وكيانه الخاص.

الجانب الجمالي والأدبي، التي انتظمته كتب أدب العلم والعلم والمتعلم، وأدب الرواية والراوي والسامع، والفتوى والمفتي والمستفتي، والإملاء والمملي والمستملي، وما يجري مجراها.

هذا التركيب استقرت الخرائط المعرفية، فلكل علم خريطة في ذاته، وخريطة في علاقته بالعلوم الأخرى، بحيث يحمي نفسه من أن يتدخل في علم آخر، أو أن يُشتغل فيه بأدوات علم آخر، كقول الفقهاء: «التصحيح للمحدثين»، و«هذه المسألة محلها علم الكلام»، وقول المحدثين أيضا: «وهذه المسألة محلها الفروع الفقهية»، وهكذا.

وقد توقف الأستاذ المحاضر مع القضية الجوهرية في محاضرته، وهي: «التوازن بين الشرع والزمن في المذاهب الفقهية»، مبرزا جملة من القضايا التي وقع فيها توازن بين الشرع والزمن في اجتهادات الفقهاء وتقريراتهم، فالمالكية مثلا لهم مسائل كثيرة جدا تغيرت فيها فتاواهم مراعاة للزمن أو للعرف، وليس هذا تغييرا للحكم الشرعي، وإنما هو تغيير للمناط والاجتهاد بتغير العرف، أو وقوع ما يدعو إلى التخفيف أو التشديد.

فمن ذلك أخذهم بشهادة اللفيف، وهي شهادة غير جائزة في أصل الشرع، وقواعد الشهادات في المذهب المالكي، ولذلك لم تكن مقبولة ولا معمولاً بها عند المالكية إلى القرن الحادي عشر، حسبما قرره ميارة في شرحه على الزقاقية، فأخذوا بها لقلة العدول، وشكوى الناس من ضياع الحقوق والأموال.

وما قيل في شهدة اللفيف يقال في شهادة السماع، وشهادة المبتدعة من الشيعة والخوارج إذا عمت بها البلوى، على ما ذكر ابن فرحون في تبصرته وأبو الحسن الصغير في تقييده.

هذا، وقد اشتهر عند الحنفية الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في مسألة تضمين الأجير المشترك، فأبو حنيفة لم يضمنه؛ لأنه أمين، وصاحباه يضمِّنانه؛ نظرا لما أحدثه أهل الوقت من تضييع الأجراء لأموال الناس؛ استكثارا للربح.

ومِن أَثَر الزمن في تغير فتوى الشافعية تجويزهم لبيع المعاطاة، بعد تحريمهم له قروناً طويلة، واعتبار بعضهم له من كبائر الذنوب.

وكما أثر الزمن في الاختيارات الفقهية الفرعية، كذلك أثَّر في بعض القواعد الأصولية، ومن ذلك تنازل الشافعية تدريجيا إلى الاعتراف بالمصالح المرسلة باعتبارها قاعدة للاجتهاد، مع أن الشافعي يرى أن من استحسن فقد شرع، وتابعه في ذلك كبار أصحابه.

ليقرر الأستاذ المحاضر بعد عرضه لهذه النماذج، أنه يجب على الباحث الحذر في تصور صلة الشريعة بالزمن، أو الزمن بالشريعة. والخلل هنا يقع من طائفتين:

الطائفة الأولى: ذابت في الزمن وتماهت مع التحولات دون ضابط، ويجب التنبه جيدا إلى أن حالة الصيرورة هذه، لها وجود قوي في الإنسان المعاصر؛ إذ تؤطره وتؤثر فيه جملة من التوجهات الفلسفية النسبية، والمعادية للثوابت الإنسانية والأخلاقية والدينية.

 ومن هنا زَلَّ بعض الناس وغالوا في الاعتداد بأثر الزمن على الفقه، فوَسَّع من دائرة تغير الفتوى بتغير الزمن والعرف، وعمَّمَها إلى تغير الحكم الشرعي نفسه بتغير العرف والزمن، ذاهلا عن حقيقة أن الحكم الشرعي، هو: خطاب الله تعالى القديم الذي لا يتغير، وإنما يتغير ما كان مبنيا على العرف، أو تغير مناطه كما نبه على ذلك القرافي في فروقه.

وقد نبه الأستاذ في هذا السياق على بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض من يدعي التجديد في الفقه وأصوله، وهو المرادفة بين القطعي والثابت من جهة، وبين الظني والمتغير من جهة أخرى، وهذا خطأ، صاحب مقولات التجديد الفقهي والأصولي، وإنما الصحيح عند العلماء أن الثابت هو الشريعة، ومدركها قد يكون قطعيا، وقد يكون ظنيا، وأما المتغير فهو الزمن نفسه، والاجتهاد الفقهي هو الميزان بين الثابت بقطعيه وظنيه، وبين المتغيرات التي يأتي بها الوقت.

الطائفة الثانية: من ينظر إلى الأمور من خلال مطلقات مستقلة عن الزمن، وقد ورَّثها ذلك العداءَ للتاريخ وكل ما هو جديد، وجعلها تحكم على الفقه الإسلامي وجميع العلوم الإسلامية بكونها دخلت عصور الانحطاط منذ قرون عدة، يرجعها البعض إلى العهد العباسي أو الأموي.

وهذا الضرب من النظر يستبطن رؤية مثالية تائقة إلى عصر ذهبي للرعيل الأول، أو فجر الإسلام.

ثم ختم الأستاذ محاضرته بالتعريج على خاصية تميزت بها العلوم الشرعية، وهي التوسط بين المتعارضات التي يفرضها الزمن، مبينا أن هذه خاصية الإسلام نفسه.

المحاضرة الثانية: رؤى ومقترحات في البحث العلمي في الدراسات القرآنية، ذ سعيد بوعصاب أستاذ بكلية الشريعة بالسمارة، التابعة لجامعة ابن زهر، أكادير

المقرر: ذ فؤاد القطاري

استهل الأستاذ محاضرته بملحوظة دقيقة حول المنحى الذي تسير في فلكه البحوث القرآنية في الآونة الأخيرة، مشيرا إلى أنها وَحَّدت الوجهة، وركزت بصفة خاصة على ما اصطُلح عليه بـ «الدراسات الموضوعية»، أو «التفسير الموضوعي» بأقسامه الثلاثة، وهي:

ـ الموضوع القرآني.

ـ موضوع السورة الواحدة.

ـ المصطلح القرآني. إضافة إلى الاهتمام بالدراسات النقدية، والمناهج.

وفي هذا السياق أبرز الأستاذ المحاضر قضايا أخرى في مجال الدراسات القرآنية حَريةً بمزيد من التوقف والتأمل، والبحث والدراسة، مؤكدا على أهمية الاطلاع على ما أُنجز في الموضوع قديماً وحديثاً؛ قصدَ أن يتفادى الطلبة تكرار البحوث، مبينا أن المقصود بالاطلاع ليس هو الوقوف على التفاصيل والتفاريع، وتحري الجزئيات.

ومن المواضيع العلمية الحرية بالعناية والاهتمام في مجال الدراسات القرآنية، والتي حث الأستاذ الطلبة على الاشتغال عليها في بحوثهم الجامعية ما يلي:

ـ توسيع مصادر علوم القرآن؛ إذ الغالب على الباحثين في هذا المجال الاعتماد على المادة القرآنية المباشرة، والمراد بها: المصنفات الجامعة في علوم القرآن، كالبرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي، وغيرهما من المؤلفات العامة أو الخاصة، أو مقدمات التفاسير، مع إغفالهم لمصادر أخرى جمعت مادة قرآنية مهمة، حري بالباحث أن يقف عندها، كمصادر السنة النبوية، خاصة ما عُني منها بالأحاديث الصحيحة والحسنة، مثل صحيح البخاري وغيره.

ومنها: الشروح التي وضعت على المصنفات الحديثية، ففيها مادة قرآنية مهمة، وهي كثيرة جدا أكتفي بالإشارة إلى: التمهيد والاستذكار لابن عبد البر، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني.

والفائدة من توسيع مصادر الدراسات القرآنية عديدة، من أهمها: تأصيل المسائل، وتجاوز ترداد الخلاف فيها، كقضية ترتيب الآيات القرآنية، والتفسير بالرأي، وغير ذلك من القضايا القرآنية التي حسمت في كتب السنة أو في علم الأصول.

ثم ختم الأستاذ قائلا: بأن ما قيل في المصادر الحديثية ينسحب على المصادر الأصولية، ومصادر السيرة النبوية، وغيرها من المصادر، مع تفاوت وتمايز في الكم والكيف.

المحاضرة الثالثة: مداخل ضرورية إلى الاستمداد من الدرس الأصولي

ذ عبد الله عبد المومن

أستاذ بكلية الشرعية بالسمارة، التابعة لجامعة ابن زهر، أكادير

تقرير ذ فؤاد القطاري

قسم الأستاذ محاضرته إلى تمهيد وثلاثة مداخل.

أما التمهيد، فتوقف فيه المحاضر مع المصطلحات التي اشتمل عليها العنوان، مبرزا أن المراد بالمدخل هو الخطوات المنهجية المتبعة للاستمداد من مجال معرفي ما، ويطلق في المناهج المعاصرة على: الإطلالة المنهجية المعرفية على حقل معرفي ما بغية الإحاطة بكلياته، والتصور الدقيق لمعانيه الإجمالية.

أما المداخل، فأولها: المدخل المنهجي والموضوعي، وتناول فيه الأستاذ ثلاثة عناصر:

العنصر الأول: الأصول العلمية المؤثرة في تدوين الفكر الأصولي، وأولها: أن أصول الفقه مستمد من الأصلين: الكتاب والسنة، فهما المنهل والحياض الذي يستقي منه الأصوليون، وإليه يردون، مع مراعاة التراتبية بينهما، وتأتي بعدهما الأصول التبعية.

أضف إلى ذلك أنه علم مبني على القطع، وهذه المسألة قد أثيرت قديما وحديثا منذ عصر الباقلاني، وتلميذه الجويني وإلى يومنا هذا، ووقع النزاع فيها بين منتصر لها ومشكك فيها، كما وقع الاختلاف في تحديد المقصود بالقطعيات في علم الأصول، هل هي القواعد والأدلة الكلية، أو كل القضايا والمبادئ الأصولية.

وخاتمة تلك الأصول: العملية، فهو علم عملي، ونتائجه عملية، فالمراد بعلم الأصول اقتباس الأحكام العملية لا العلمية، على عكس علم أصول الدين.

وعليه، فعلم الأصول يمتاز عن العلوم النظرية الصرفة، ولذلك بني على البيان.

والعنصر الثاني: أصول الفقه منهجا بين التصور والتصديق، وهنا أبرز الأستاذ أن علم الأصول يتجاوز علميته إلى كونه أداة منهجية. وعليه، فإن علم الأصول يمكن استخدامه في كل المجالات المعرفية باعتباره قانونا مجردا، وهو بالإضافة إلى ذلك يعد أصدق تعبير عن المنهجية العلمية في الفكر الإسلامي، كما أشار إلى ذلك ذسامي النشار وغيره من المعاصرين.

والعنصر الثالث: طبيعة المنهجية الأصولية، وتقوم على ثلاثة أسس:

الأساس الأول: المبادئ التي يقوم عليها المنهج الأصولي، وهي خمسة أمور:

الأمر الأول: الإيمان بكمال الشريعة وشمولها وعمومها.

الأمر الثاني، وهو مترتب عن الأول، أن كل فعل من أفعال العباد، أو نازلة تنزل بهم، أو حادثة تقع لهم، إلا ولله فيه حكم، ولا تخلو من حكم شرعي.

الأمر الثالث: أن الأحكام الواردة على أفعال المكلفين لا بد أن تستند إلى دليل شرعي، سواء كان نقليا أم عقليا.

الأمر الرابع: إذا كانت الأحكام لا تثبت إلا بدليل، فإن مستند الأدلة النصوص الشرعية.

الأمر الخامس: إذا كانت الأحكام لا تثبت إلا بالنصوص، فإن وسيلة استخراجها هي الاجتهاد.

الأساس الثاني: هناك مراحل وخطوات في المنهج الأصولي، أي: أن عملية الاستنباط الصحيح لابد أن تمر بمراحل وخطوات منهجية هي التي توصل المجتهد إلى استنباط الأحكام الفقهية، وقد بسط الأصوليون هذه المراحل وشروطها، وتبدأ من تحديد الأدلة وترتيبها، وغير ذلك.

الأساس الثالث: بيان الشروط اللازمة التي ينبغي تحقيقها ليكمل الوفاء بهذا المنهج ومقتضياته، وهو قائم على شرطين: الربانية، والعالمية.

المحاضرة الرابعة: السياق التاريخي لعلم أصول الدين ذ عبد القادر بيطار

أستاذ، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، وجدة

المقرر: ذ عبد القادر الزكاري

مهد الأستاذ محاضرته بالحديث عن التأريخ لعلم أصول الدين بثلاث مقدمات:

المقدمة الأولى: علم أصول الدين لُقِّب بألقاب مختلفة، منها: علم الكلام، والتوحيد، والعقيدة، والفقه الأكبر، والصفات، وهي أسماء متعددة لمسمى واحد، كما أشار إلى ذلك التهانوي في: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم.

ثم عقّب على ذلك بالإشارة إلى أنه عند التدقيق في هذه الاستعمالات يوجد فرق دقيق بينها، فمصطلح أصول الدين مثلا، هو: علم التوحيد في صيغته النهائية، وأما علم الكلام، فيشتمل على كل ما أنتجه مفكرو الإسلام من مختلف التوجهات، [أهل السنة ـ معتزلة..إلخ].

المقدمة الثانية: علم أصول الدين عرف صحوةً كبيرة في الرجوع إليه، وهنا دعا الأستاذ الباحثين إلى ضرورة قراءتهم لكتاب: المرجع في علم الكلام الذي أصدرته جامعة أكسفورد؛ لاشتماله مباحث دقيقة في علم الكلام.

المقدمة الثالثة: هناك دعوة إلى تجديد علم الكلام، ونبه الأستاذ إلى أن علماء أهل السنة كانوا سباقين إلى هذه الدعوة، داعيا الحضور إلى قراءة كتاب: علم الكلام الجديد لإبراهيم بدوي؛ ليؤكد أن علم الكلام هو جديد في كل أزمنته، وأن علماء الكلام عاشوا مشاكل أمتهم، ذاكرا أمثلة تعزز ما قرره.

ثم شرع الأستاذ بعد هذه المقدمات في الحديث عن تاريخ علم الكلام، مؤكدا إلى ضرورة دراسته، حتى لا تلتبس على الباحث المفاهيم والمناهج، مرشدا الباحثين في هذا الباب إلى الاستعانة بكتاب: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية للشيخ مصطفى عبد الرازق (ت1947م)، أحد مشايخ الأزهر؛ إذ أفرد في آخره مبحثا للحديث عن علم الكلام، وألقابه ونشأته وتاريخه.

بعد ذلك انتقل الأستاذ للحديث عن مدارس أهل السنة الكلامية، وخصائصها، وهي:

المدرسة الأولى: مدرسة أهل الحديث، وهذه المدرسة اعتمدت الأخبار في السنة مصدرا لأخذ العقائد، وتميزت برفض علم الكلام، معقبا أنها لم ترفض علم الكلام على إطلاقه؛ بدليل أن الإمام مالك كان متكلما؛ وله رسالة في القدر، كتب بها إلى ابن وهب.

ثم تحدث عن قسمين من علم الكلام، أحدهما: المحمود، والآخر: المذموم. منبها إلى ذم علماء أهل السنة للكلام إنما ينزل على علم الكلام المذموم عند المعتزلة، والذي مسوا به قواعد العقائد، أما ذمه إطلاقا فإنما صدر من بعض متأخري الحنابلة.

وذكر الأستاذ موقف الإمام أبي الحسن الأشعري من علم الكلام، حيث استحسنه، وألف في ذلك رسالة سماها: «استحسان الخوض في علم الكلام».

المدرسة الثانية: الماتريدية، وهي مدرسة لم يشتغل بها الباحثون كثيرا، ولم تعطَ ما تستحق من الاهتمام، مع أنها قريبة من المذهب الأشعري، معتبرا أن المؤسس الحقيقي لهذه المدرسة هو: الإمام أبو حنيفة (ت150هـ)؛ لأنه أول متكلم في الإسلام، وكتابه: الفقه الأكبر أول كتاب في العقيدة، وكل من جاء بعده تأثر به.

ثم أردف بالإشارة إلى أن هذه المدرسة امتدت في العالم الإسلامي، وأن العلامة أبا منصور الماتريدي (ت333هـ) من أكبر أئمتها، له فيها مؤلفات، من أشهرها: كتاب التوحيد، وتأويلات أهل السنة، وهو تفسير كبير. وجاء بعده الإمام النسفي صاحب العقائد النسفية، وظهرت بعدهما مصادر كثيرة.

المدرسة الثالثة: الأشعرية، وقد أشار الأستاذ المحاضر إلى أن المدرسة الأشعرية صُحبةَ الماتريدية، هي الممثل لعلم الكلام السني، معززا كلامه بما ذكره طاش كبري زاده في  مفتاح السعادة.

كما أشار أيضا إلى أن الشهرستاني في الملل والنحل ذكر أن أبا الحسن الأشعري يعد امتداد لمدرسة السلف.

ثم نبه الأستاذ إلى وجود مدرسة لا يهتم بها الباحثون كثيرا، ولها تأثير كبير في الدرس العقدي الأشعري، وهي: مدرسة عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب القطان البصري، الذي كان على طريقة السنة، مشيرا إلى أن هناك دراسات وأبحاثا لكنها لا تعدو أن تكون سطحية غير منصفة بحيث تصدر عن الرجل أحكاما غير صحيحة.

وختاما ألمح الأستاذ محاضرته إلى أن العقيدة الأشعرية كانت محل اهتمام كبير، وأنها كانت تدرس في مكة ومصر والحجاز والمغرب، وأن في الخزانة الحسنية وحدها يوجد بها 1500 مخطوط في العقيدة الأشعري، مما يدل على أن المغاربة وعلماءهم وولاة أمورهم كانوا يهتمون بهذه العقيدة.

اليوم الثاني: الأربعاء 26 فبراير، سنة 2020م، الموافق لـ2 رجب، سنة 1441ﻫ.

الجلسة الصباحية: رئيس الجلسة: ذ مصطفى الزعري

المحاضرة الخامسة: تاريخ التأليف في علوم الحديث: نظرة على أنماطه السابقة، ومناهجه المرعية، وتوجيه إلى مجال الاشتغال المعاصرة ذ محمد السرار

رئيس مركز ابن القطان للدراسات في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش

المقرر: ذ طه فطناسي

أوضح الأستاذ المحاضر في بداية مداخلته أن عرضه يعد حلقة ضمن سلسلة طويلة تتجلى في الرؤية التاريخية وأهميتها في فهم العلوم الشرعية، خصوصا في مجال البحث الجامعي، محاولا بذلك إبراز جزء من هذه الرؤية في علم من علوم الشريعة، وفي مجال محدد ضيق، وهو تاريخ التأليف في الحديث النبوي، لا في علوم الحديث عموما.

وحدد الأستاذ بعد ذلك عناصر المحاضرة في ركنين كبيرين أساسين: الأول: حول أنماط التأليف ومناهجه، والثاني: متعلق بمحاولة الانتقال من الجمود عن تتبع الرؤية التاريخية إلى اقتراح ما يمكن أن يقع به الاستمرار في علوم الحديث.

فالركن الأول: الذي هو أنماط التأليف، وهي أنماط متضمنة وبعضها غير معبر عنه، يمكن ملاحظته من خلال التتبع والبحث والاستقراء.

واكتفى الأستاذ بعرض الأنماط الكبرى التي انخرطت فيها أجيال من العلماء، دون الأنماط المنفردة التي اختص بها عالم واحد دون غيره، وأكد بعد ذلك على تأثير خصوصية التاريخ في هذه الأنماط، ممثلا لذلك بعملية التوثيق والنقل التي بدأت بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وكذلك عملية التدوين التي تقوم على كتابة حديث النبي صلى الله مجردا دون أن تدخلها عملية التصنيف التي تقتضي التبويب والتقسيم ليكون بذلك كامل الصناعة.

ثم وضح أن عملية التدوين لا حاجة لنا بها اليوم، فهي حاصلة، وهي الآن متجاوزة ولا تدخل في مطلوبات الزمن.

موجها بعد ذلك الطلبة إلى الاستفادة من بعض الدراسات التي تعتبر رائدة في بيان مرحلة التدوين، مثل: دراسات في تدوين الحديث النبوي الشريف للندوي.

وانتقل المحاضر إلى استعراض بعض الشبهات التي تطرح حول مرحلة تدوين السنة النبوية من قِبل بعض المستشرقين، مبينا زيف هذه الدعاوى وبطلانها، وخاصة قولهم: إن نقل السنة شابتها جملة من الشوائب بسبب اعتماد الرواية الشفوية، وهي مظنة للنسيان والزيادة والنقصان؛ والهدف من هذه الدعوى: أن السنة النبوية فيها خلط كبير وخطأ كثير، وهو ادعاء باطل مبني على فهم صيغ التحديث أنها تعبير عن رواية شفوية، عكس ما هو معلوم مقرر في علوم الحديث.

وقد تلت مرحلة التصنيف مرحلة ثالثة مهمة، وهي مرحلة تخليص وتجريد المصنفات الحديثية، والتي قام بها الجيل التالي لتلاميذ الرواد الأوائل، [أواسط ق 3] حيث ألفوا كتبا حملت في عناوينها هوية النمط، كالمسانيد الكثيرة، وعلى رأسها مسند الإمام أحمد، ومسند ابن أبي شيبة.

وبعد هذه المرحلة لاحظ تلاميذ أصحاب المسانيد أنها واسعة كبيرة الحجم، تحتاج إلى انتقاء، فبدأت مرحلة جديدة تجسدت في اختيار مجموعة من الأحاديث على درجة عالية من الصحة، وبها فتح باب جديد من أبواب التأليف في الحديث النبوي، وهو باب التأليف في صحيح الحديث. وأول من فتح هذا الباب بمؤلف كامل الصناعة، بديع الوضع، غريب النسق، الإمام البخاري في صحيحه.

وعملية الانتقاء هذه قامت على أمرين، الأول: الانتقاء مع مراعاة أعلى درجات الصحة، والثاني: الاكتفاء بالصلاحية في الاحتجاج فقط، ولو كان الحديث حسنا، وهذا هو عمل أصحاب السنن.

ثم جاءت مرحلة التقريب، التي قام بعض العلماء بعد أن وجدوا تلك المصنفات متشعبة، تحتاج إلى نوع من التبسيط والتيسير حتى تسهل الاستفادة منها، ككتب التخريج. ويدخل في هذا النمط من التأليف كتب الجمع بين الأحاديث، كالجمع بين أحاديث الصحيحين، أو الكتب الستة.

ولما فرغ العلماء من عملية الجمع بين الكتب، وأكثروا من التخريج، انتقلوا إلى مرحلة انتقاء أحاديث معينة باختصار شديد، حتى تصل إلى غير المتخصص، ككتاب الأربعين النووية، الذي يندرج في هذا النمط من التأليف؛ لأن مؤلفه عمد إلى الأحاديث القواعد فقط.

ثم تلتها مرحلة جمع الزوائد، فتفطن العلماء إلى نمط جديد من التأليف دعت إلىه الضرورة، بعد أن استنفذت مرحلة الجمع أغراضها، فظهر التأليف المعجمي للأحاديث المرتب على الحروف من غير تقييد بكتب معينة، ومن هذه المؤلفات: الجامع الكبير والجامع الصغير للحافظ السيوطي، حيث تخفف من الأسانيد بالعزو، ومن الأسماء الطويلة بالرموز.

ويبقى المشروع الذي رافق رواية الحديث هو بيان معانيها، وتحديد وجوب العمل بالحديث. وأكد الأستاذ المحاضر أن هذه العملية بدأت بواكيرها الأولى مع الكتب المصنفة، ولم تنقطع، وذلك أن التبويب هو عملية بيان وإيضاح للمراد من الحديث، كما هو صنيع البخاري، وأبي داود، وابن حبان، الذي رتب كتابه ترتيبا أصوليا.

ومن صور العناية بمعاني الأحاديث التعليقُ على الحديث، وهذا النمط ظاهر بوضوح في عمل الإمام الترمذي، الذي يعلق على كثير من الأحاديث.

ثم ظهر بعد ذلك نمط الشروح للأحاديث وبيان غريبها، التي كانت تهدف إلى كشف الغموض الواقع في بعض الأحاديث، ودرء التعارض الظاهر الواقع بينها.

بعد هذا، شرع الأستاذ في الركن الثاني من مداخلته، وهو المتعلق بمحاولة الانتقال من الجمود على تتبع الرؤية التاريخية إلى اقتراح ما يمكن أن يقع به الاستمرار في علوم الحديث، حيث دعا إلى ضرورة إزالة حواجز التصحيف والتحريف والنقص من كتب الحديث؛ خدمة للأجيال القادمة، حتى ينتقلوا بعد ذلك إلى مرحلة أخرى من خدمة الحديث النبوي.

ثم بين أن قواعد فهم الحديث النبوي ترتكز بشكل أساس على اللغة، ثم على قواعد أصول الفقه، من خاص وعام، ومطلق ومقيد، وبعض قواعد علم الكلام التي كانت أساسا لبيان مشكل الحديث خاصة فيما يتعلق بصفات الله تعالى وعصمة أنبيائه. وهذه القواعد كلها عامة.

وأما القواعد الخاصة، وهي القواعد المتعلقة بالأحاديث المروية بلفظ واحد ولو تعددت مخارجه، وكذلك الحديث الذي اختلف الرواة في سياقه، وهذا الاختلاف خصوصا المتعلق بالروايات يستوجب إنشاء قاعدة تضبطه، وهذه القواعد الخاصة ستنفي كثيرا من التشتت والخلط في الفهم للحديث النبوي. وهي قواعد موجودة وعمل بها العلماء، إلا أنها تحتاج إلى جمع، ومزيد عناية.

وختم الأستاذ المحاضر مداخلته بالتأكيد على أن مجالات البحث في علوم الحديث، وآفاقه كبيرة جدا، لازالت في حاجة إلى مزيد من الجهد والعناية، ومثل لذلك بالإمام ابن حجر الذي جاء في عصر قيل فيه: إن علم مصطلح الحديث قد نضج، ولم يعد محتاجا إلى العناية بعد شيخه العراقي، فألف متن نخبة الفكر، الذي اعتبر سابقة في التأليف في علم المصطلح.

المحاضرة السادسة: علم السيرة النبوية: الحصيلة والآفاق، ذ حسن تقي الدين

أستاذ بكلية العلوم الشرعية بالسمارة، التابعة لجامعة ابن زهر، أكادير

المقرر: ذ عبد القادر الزكاري

قسم الأستاذ مداخلته إلى مقدمة، وثلاثة مباحث:

أما المقدمة، فبين فيها أهمية السيرة النبوية، من حيث كونها أحد مصادر الفقه الإسلامي، وأهم المعارف الإنسانية في تاريخ الفكر الإسلامي، وهي امتداد لما اشتهر به العرب قديما من الاهتمام بالأنساب والعظماء.

كما بين أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تمثل حياة إنسانية متكاملة نموذجية من المهد إلى اللحد؛ باعتبارها حياة عملية واقعية، وأنها التطبيق العملي لرسالة الإسلام، والنموذج الوحيد الذي يجد فيها كل واحد من طبقات المجتمع موطن القدوة فيها.

بعد المقدمة شرع الأستاذ في المبحث الأول، الذي خصصه للتعريف بالسيرة النبوية من حيث مدلولها اللغوي والاصطلاحي.

أما عن معناها اللغوي، فحصره في: السنة، والضرب، والسير، والطريقة المحمودة المستقيمة. وأما الاصطلاحي، فأتى فيه بتعاريف مختلفة للمتقدمين، والمتأخرين، والمعاصرين، كتعريف البخاري، والحسن اليوسي، وعبد القادر المجلسي، وسليمان الندوي، ومحمد الزحيلي، وغيرهم.

ليخلص من هذه التعاريف إلى بعض الخلاصات والاستنتاجات، وهي:

أن تعريف الإمام البخاري، والندوي، والزحيلي تتسم بالعموم، ويتداخل فيها مفهوم السيرة مع مفهوم السنة. وباقي التعاريف الأخرى خصَّصته بالعلم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك تعاريف أخرى خصصت تعريف السيرة بما قبل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم من لدن ذكر آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما المبحث الثاني، فتناول فيه الحديث عن: إضاءات وصور من الجهود المبذولة في التأليف في السيرة النبوية في الغرب الإسلامي، وأوضح في هذا المبحث أن العناية بالسيرة النبوية بدأت منذ عهده صلى الله عليه وسلم، حيث أشار إلى أنه برز من الصحابة جملةٌ من الأعلام، كعبد الله بن عباس رضي الله عنه، الذي كان يعقد أمسيات عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يسأل عن أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدونها.

وفي جيل التابعين وتابعيهم ظهر أيضا جماعة ممن اهتموا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت غايتهم جمْع ما يتعلق بها، منهم: عروة ابن الزبير، وأبان بن عثمان، منبها إلى أن هؤلاء لم تكن لهم مؤلفاتهم، بل روايات رويت عنهم.

وأردف الأستاذ أنه بعد هذه الطبقة ظهر علماء آخرون، كعاصم بن قتادة الأنصاري، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وموسى بن عقبة، صاحب المغازي، [التي كان ينوه بها الإمام مالك]، ومحمد بن إسحاق الشهير، وكذا أصحاب السنن والمسانيد، مذيلا بالقول: إن هذه الطبقة اعتمدت الرواية والنقل في صحة الأخبار.

وخصص الأستاذ الحديث في هذا المبحث لبيان عناية علماء الغرب الإسلامي بالسيرة النبوية، موضحا أن ثلة منهم شاركوا في التأليف في السيرة النبوية، منهم: ابن حبيب الأندلسي، صاحب كتاب فضائل الصحابة والمغازي ، وأبو محمد بن حزم، والحافظ بن عبد البر، والقاضي عياض، الذي انبرى للدفاع عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، والسهيلي، صاحب الروض الأنف، مؤكدا إلى أنه لم يخل عصر من تأليف في السيرة النبوية.

ثم عرج الأستاذ المحاضر على جهود أهل سوس والصحراء والجنوب في خدمة السيرة النبوية، مبرزا الوجوه التي أبدعوا فيعا، وانفردوا بها على من سبقهم.

وختم هذا المبحث بالإجابة عن سؤال، وهو: لماذا لم تتوقف الكتابة في السيرة النبوية؟ مجملا الجواب عنه في: مراعاة عقلية الأجيال المتسمة بالاختلاف، فالجيل المعاصر لا يستطيع قراءة السيرة المكتوبة بالرواية، وتطور مسائل التأثير والتأثر في الناس، وكذا ظهور مناهج جديدة في تناول السيرة، وتنقيح مرويات السيرة.

وأما المبحث الثالث فقد أفرده للإشارة إلى بعض الجوانب المحتاجة للبحث في السيرة النبوية، وذكر جملة منها، وهي:

ـ موسوعة مصادر السيرة.

ـ موسوعة المرويات.

ـ موسوعة مفردات ومصطلحات ألفاظ السير.

ـ تناول الجانب الاجتماعي في السيرة النبوية.

ـ القيم الأخلاقية في السيرة النبوية.

الجلسة المسائية: رئيس الجلسة: ذ الطيب البوهالي

المحاضرة السابعة: مسالك التأليف في مقاصد الشريعة بين المتقدمين والمتأخرين، ذ محمد المنتار، أستاذ بكلية الآداب بالمحمدية، جامعة الحسن الثاني

المقرر: ذ عبد القادر الزكاري

ذكر الأستاذ في مستهل مداخلته أن لموضوعه مسوغين: مسوغ أصلي، يتعلق بالأبحاث الخاصة المتعلقة بالبحث في مثل هذه المواضيع.

ومبرر تبعي، يرتبط بالأبعاد المنهجية والاستشرافية للحديث في هذا الموضوع؛ وذلك لما يحمله الحديث عن مقاصد الشريعة من تداخل منهجي ومعرفي بين حقلين من حقول المعرفة: حقل أصول الفقه، وحقل مقاصد الشريعة.

ثم حدد عناصر محاضرته في مقدمات أربعة:

الأولى: البعد المفهومي لمقاصد الشريعة.

الثانية: العلاقة الجدلية بين مقاصد الشريعة وأصول الفقه.

الثالثة: الأبعاد الوظيفية لعلم مقاصد الشريعة.

الرابعة: أبرز المراحل التي مر منها علم مقاصد الشريعة.

وقد تجاوز الأستاذ المحاضر المقدمات الثلاثة ليفصل الحديث عن المقدمة الرابعة؛ لما لها من علاقة بالسياق التاريخي لمقاصد الشريعة، وقسَّمها إلى مستويين:

المستوى الأول: المعالم الخاصة بالتأليف في مقاصد الشريعة عند المتقدمين، وجعلها ثلاثة مراحل:

أ ـ مرحلة الإمام الجويني وتلميذه الغزالي.

ب ـ مرحلة العز بن عبد السلام، وتلميذه القرافي.

ج ـ مرحلة الإمام الشاطبي.

 المستوى الثاني: المعالم الخاصة بالتأليف عند المتأخرين، وقسمها إلى ثلاثة معالم منهجية أيضا:

المعلم الأول: ما قام به ولي الله الدهلوي في كتابه: حجة الله البالغة.

المعلم الثاني: العلامة الطاهر ابن عاشور، ومحاولته في هذا الباب، ويضاف إلىه ذ علال الفاسي.

المعلم الثالث: اصطلح عليه بـ:«الانشغال بالمقاصد».

ثم شرع في تفصيل مراحل التأليف في المقاصد، بادئاً بمرحلة الجويني (ت478هـ) من خلال كتابه: البرهان في أصول الفقه، وتلميذه الغزالي (ت505هـ) من خلال كتابه: المستصفى، وغيره، مبرزا ما قام به كل واحد من هذين العَلمين، حيث ذكر أن الجويني طرح خمس مراتب للمصالح لم يسبق إليها، وهي: الضروريات، والحاجة العامة، والمكرمات، والمندوبات، والعقل. وكذلك من خلال كتابه: غياث الأمم في التياث الظلم، الذي حاول أن يربط ما وقعت فيه المنظومات من الناحية السياسية، حينما دعا أنه لا عاصم من ذلك إلا بالعودة إلى روح الشريعة ومقاصدها.

وأما أبو حامد الغزالي، فقد طور ما بدأه شيخه، مشيرا إلى أنه أضاف مصطلح الحفظ، أي: كيف نحفظ هذه الضروريات الخمس؟ وكيف نرتبها؟ وجاء بالترتيب الخماسي.

ثم انتقل الأستاذ إلى الحديث عن المعلم الثاني، الذي تحدث فيه عن العز بن عبد السلام (ت660هـ) وتلميذه شهاب الدين القرافي (ت684هـ)، مؤكدا أن الأول كان سباقا إلى التأليف في مقاصد الصلاة، ومقاصد الصوم، وذلك برؤية فريدة متميزة، بالإضافة إلى ما قام به أيضا في كتابه المتميز: قواعد الأحكام في مصالح الأنام.

أما القرافي فقد تجلى إبداعه في كتابه: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، كما ظهر إبداعه في: سد الذرائع وفتحها.

ثم انتقل إلى المعلم الثالث والأكبر ـ كما اصطلح عليه ـ وذلك مع الشاطبي (ت790هـ) في كتابه: الموافقات وغيره، منوها بأهميته القصوى في هذا الباب، داعيا إلى وجوب الرجوع إلى جميع كتب الشاطبي دون الاقتصار على كتابه الموافقات.

وختم الحديث عن هذا المستوى بالإجابة عن تساؤل مفاده: ما الذي برَّز هؤلاء الأعلام، فنالوا هذه الحظوة والمنزلة؟ ليؤكد هنا على ضرورة ربط المعرفة بسياقها التاريخي.

أما المستوى الثاني، وهو: المعالم الخاصة بالتأليف عند المتأخرين، فقد تحدث فيه عن ثلاث محطات:

المحطة الأولى: توقف فيها مع ولي الله الدهلوي (ت1176هـ) من خلال كتابه: حجة الله البالغة، وأشار إلى أنه كان سباقا إلى مصطلح الأسرار.

المحطة الثانية: تحدث فيها عن الطاهر ابن عاشور، وما أضافه في مقاصد الشريعة، مبرزا أهم المآخذ التي أخذت عنه، وعناية الباحثين بكتابه.

ليختم الأستاذ مداخلته بتفصيل الحديث عن المحطة الثالثة التي اصطلح عليه بـ:أصحاب الانشغال بمقاصد الشريعة من المعاصرين، متوقفا عند بعض المآخذ التي أُخذت عليهم، وأهم الأخطاء التي وقعوا فيها، وأنه لا يمكن الذهاب إلى مقاصد الشريعة دون التمكن من علم أصول الفقه، مشيرا أن هذا هو صنيع الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات، حيث جعل المقاصد في النصف الثاني من الكتاب.

المحاضرة الثامنة: منهج التقعيد الفقهي بين النظر والتطبيق، ذ عبد السلام الطيبي

أستاذ بكلية العلوم الشرعية بالسمارة، التابعة لجامعة ابن زهر، أكادير

المقرر: ذ طه فطناسي

افتتح الأستاذ مداخلته بعرض إشكالية موضوعه، وهي: هل القواعد الفقهية علم قائم بنفسه، له حد، وموضوع، وواضع، وثمرة؟ أم أنها مجرد ديوان تطبيقي لصيغ أحكام فقهية كلية ناظمة لجزئيات وفروع تشترك في الحكم، كما وردت على ألسنة الفقهاء والمجتهدين من أهل الفتيا، والقضاء؟ موضحا أن جل الكتب والدراسات والأبحاث التي تناولت موضوع القواعد الفقهية ـ بحسب اطلاعه ـ لم تقف عند هذه الإشكالية، ولم تعرف أصلا بعلم القواعد الفقهية، كما جرت به العادة في باقي الفنون، كالتفسير، والحديث، والمنطق، مستثنيا من ذلك ما ورد في بعض الشروح والحواشي للكتب التطبيقية لعلم القواعد الفقهية، من ذلك ما جاء في كتاب: الفوائد الجَنية حاشية المواهب السنية في نظم القواعد الفقهية لأبي الفيض محمد ياسين بن عيسى الفاداني المكي، وكذلك في كتاب: إيضاح القواعد الفقهية للعلامة عبد الله بن سعيد الحضرمي.

 ليستعرض بعد ذلك ما تضمنه هذان الكتابان تأنيسا وتأكيدا على علمية القواعد الفقهية.

ثم انتقل الأستاذ بعد ذلك إلى إثبات علمية القواعد الفقهية ببيان مدى قبول مسائل كلي من الكليات العلمية للأنواع والتقاسيم والعلل، وهو أمر حاصل في هذا العلم، حيث نوعوا القواعد الفقهية، وقسموها إلى قواعد متفق عليها بين جميع المذاهب، وقواعد مختلف فيها بين عموم المذاهب الفقهية، وكذلك بين القواعد النصية والقواعد الاجتهادية.

وفي معرض إثبات علمية القواعد الفقهية ذكر أن توليد وتقعيد القواعد الفقهية ليس أمرا ارتجاليا، بل عملية منهجية، لها ضوابطها وأصولها الموضوعية والوظيفية، معتبرا أن هذا الأمر من أصدق الأدلة على علمية القواعد الفقهية.

ليستنتج مما ذكره أن القواعد الفقهية ليست جزئية من علم الفقه، بل هي علم قائم بنفسه، له أصوله وضوابطه وقواعده المنهجية التي تضبطه.

ثم طرح الأستاذ تساؤلا آخر، وهو: هل يمكن الاكتفاء في القاعدة الفقهية بالمحدد دون الحد، أي بمحدداتها ومقوماتها الأساسية دون تعريفها الاصطلاحي المنطقي؟ موضحا أن هذا السؤال يفرضه واقع الدراسات والبحوث الأكاديمية الجادة؛ إذ أفاضت جل هذه الدراسات والأبحاث في تعريف القاعدة الفقهية سواء من جهة الترتيب الوصفي، أو من جهة اللقب الاسمي، وأخذت منهم جهدا كبيرا ومدادا كثيرا، ولكن لم يسلم عندهم ولا تعريف واحد من النقد والرد، وإن كان الأستاذ محمد الروكي يرى أن تعريف الإمام المقري هو أنسب تعريف بحقيقة القاعدة الفقهية، وذلك أنه جعل القاعدة الفقهية وسطا بين الأصول الشرعية العامة والضوابط الفقهية الخاصة.

بعد هذا المدخل العام حدد الأستاذ المقومات الأساسية والمحددات المميزة للقاعدة الفقهية، وأجملها فيما يلي:

– أن يكون حكم القاعدة الفقهية كليا مستوعبا لأكثر الجزئيات.

– أن ينطبق حكمها على عموم جزئياتها، إما اطرادا إذا لم يدخلها استثناء، أو غلبة إذا دخلها الاستثناء.

– أن تكون جزئياتها مصوغة صياغة موضوعية مجردة.

– أن تكون الصياغة بعبارة موجزة دقيقة في دلالتها على حكمها ممعنة في الاستغراق والعموم.

ثم توقف الأستاذ مع وصف القاعدة الفقهية بالكلية والمطردة، مبينا أن اطراد القاعدة هو الأصل، لكن قد تطرأ عليه بعض المستثنيات، فيكون انطباقها على الجزئيات غالبا، لا اطرادا؛ ولهذا ضُمَّ مصطلح الغالب إلى المطرد، فهذا التزاوج في وصف القاعدة لا ينقص من حقيقتها العلمية، ولا يؤثر عليها، كما هو مقرر عند علماء القواعد، وذلك أن الأغلبية عندهم في هذا الباب كالاطراد، عملا بقاعدة: «ما قارب الشيء يعطى حكمه» وقاعدة: «الغالب كالمحقق».

ولم يغفل الأستاذ في مداخلته الجانب التطبيقي في مجال القواعد الفقهية، حيث اختار ثلاثة قواعد فقهية، وقام بدراستها، وهي: «كل مستودع أضاع وديعة بتفريطه فهو ضامن لها»، وقاعدة: «كل مستعير ضاعت منه العارية بتفريطه فهو ضامن لها»، وقاعدة: «المفرط ضامن». مشيرا إلى أن هذه القواعد حكمها يختلف، فالحكم في الأمثلة الثلاثة هو الضمان الناتج عن التفريط، فالمثالان الأولان لم تتوفر فيهما شروط القاعدة الفقهية، فاعتبرت بذلك ضابطاً فقهيا، وإن كان بناؤها وأسلوبها يشبه في الظاهر القاعدة الفقهية، وذلك لتخلف محددات وضوابط القاعدة الفقهية عنهما، بخلاف المثال الثالث، فهو قاعدة فقهية؛ لاستيفائها لجميع محددات وضوابط القاعدة الفقهية.

وقبل ختام المداخلة طرح الأستاذ سؤالا حول المراد بالتقعيد الفقهي بين النظرية والتطبيق؟ مبرزا مسالك عملية التقعيد، حاصرا إياها في مسلكين، الأول: مسلك الاستنباط، والثاني: مسلك الاستقراء.

اليوم الثالث: الخميس 27 فبراير، سنة 2020م، الموافق لـ3 رجب، سنة 1441ﻫ

الجلسة الصباحية: المحاضرة التاسعة: تأريخ الفقه المالكي من خلال مؤلفاته ، ذ محمد العلمي رئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة

المقرر: ذ محمد الخادير

مهد الأستاذ المحاضر موضوعه بتمهيديين اعتبرهما ضروريين:

الأول: وضَّح فيه أن تأريخ الفقه عرف إشكالا يتجلى في كون بعض المؤرخين المعاصرين للفقه الإسلامي استسهلوا إصدار الأحكام على ألف وثلاثمائة سنة من دون حسيب ولا رقيب، من ذلك قولهم: إن الفقه كان طفلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أصبح شابا وكهلا في عهد المذاهب، وشاخ بعد ذلك، وانتهى عصر الاجتهاد، ومات إلى أن جاء القرن الثالث عشر الهجري حيث انتعش فيه الفقه الإسلامي بعد عصور الانحطاط.

الثاني: اقترح فيه أن المنهجية لضبط المذهب هي تصنيفه إلى ثلاث شعب أمهات:

الشعبة الأولى: المتون الفقهية الجامعة للمسائل والأحكام، وهي في المذهب المالكي على الترتيب الآتي:

السماعات، وتشمل الروايات عن مالك، والأقوال عن تلاميذه. وهي مادة المتون الفقهية. والجهود على المتون، وهي: الشروح، والحواشي، والطر والتقاييد…

الشعبة الثانية: فنون النظر والحجة والتأصيل،  وهي علوم لا تتوجه إلى الناس بالفتوى، ولا إلى المجتمع بالأحكام التي يقصد منها التطبيق الفوري، بل غرضها التأصيل، والتقعيد، والحجة، والنظر، وتشمل: أحكام القرآن، ومتون الحديث ذات الغرض الفقهي، وشروحها، وكتب أصول الفقه، والقواعد الفقهية، ومسائل الخلاف…

الشعبة الثالثة: فنون الفقه العملي والتطبيقي: وهي العلوم المتعلقة بالنواحي العملية، وتطبيق الأحكام الشرعية، وهي: الإفتاء، والقضاء، وما يتصل بهما من مجالات الحياة وخططها، كمسائل الأحكام، وأصول القضاء، والوثائق، والشروط، والنوازل والفتاوى والأجزاء الفقهية، والمناسك والفرائض…

ونبه المحاضر على وجوب تأريخ كل فن من هذه الفنون، إن أردنا تاريخا صحيحا للفقه الإسلامي، وبذلك نصل إلى تأريخ مضبوط للتشريع الإسلامي. ثم عقب بعد ذلك على تقسيم الحجوي للفقه الإسلامي في كتابه: الفكر السامي، ورآه حكما جائرا على الفقه، وتحاملا غير صحيح.

ثم شرع الأستاذ في ذكر ملامح تأريخ المذهب المالكي من خلال متونه والجهود عليها، فذكر أن المالكية ألفوا في المذهب أكثر من 250 متنا فقهيا، واعتنوا بهذه المتون شرحا وتحشية واختصارا… وإن اختلفت أوضاعهم، من متن لآخر، كثرة وقلة.

ثم طرح سؤالا: كيف تشكل المذهب المالكي من خلال هذا التراث الكبير؟ ليجيب أن تشكله تم عبر أربع مراحل:

المرحلة الأولى: جمْع مسائل الإمام وتدوينها، حيث ألفت في هذه المرحلة بواكير المتون معتمدة على السماعات، منها: مدونة أشهب، وكتاب ابن وهب، ومختصرات ابن عبد الحكم، وكتاب خير من زنته لابن زياد… ثم ألفت الدواوين، وهي: المدونة، والمستخرجة، والواضحة، والموازية، والمجموعة، والمبسوط للقاضي إسماعيل.

وقد بلغت هذه المرحلة غايتها بتأليف النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لابن أبي زيد القيرواني. وهي الديوان لجامع لمجمل المتون الحاوية للسماعات والروايات.

المرحلة الثانية: تشكيل المذهب، وهذا التشكل حصل في جهود المالكية على المدونة، وذلك من خلال محاور فقهية، من أبرزها:

ـ أن يصير للمذهب ديوان للإفتاء، يكون واضحا ومفهوما ومختصرا، خاليا من الحشو؛ وقد تجلى ذلك في مختصرات المدونة، كاختصار ابن أبي زيد القيرواني، واختصار البرادعي.

ـ تحقيق الرواية وضبط الألفاظ، وشرح الغريب الحاصل في المدونة، وشرح المشكلات.

ـ تقرير قواعد المذهب.

ـ التخريج والقياس على المسائل المنصوصة في المدونة وغيرها من الأمهات، بيان أسباب الاختلاف في المدونة.

ـ المراقبة النقدية للاشتغال الفقهي…

وقد أكملت الجهود على المدونة [بالإضافة إلى بعض الجهود الموازية لمتون أخرى قليل كالبيان والتحصيل لابن رشد وشرح التلقين للمازري]، تشكيل المذهب، ونضجت فيه طرق الفتوى وقواعد الاشتغال المذهبي، ولكن بقيت في المذهب مشكلة مزمنة لم تحل هي مشكلة ضعف الترتيب، وهي عنوان المرحلة اللاحقة.

المرحلة الثالثة: ترتيب المذهب، وقد بدأت مع ابن شاس؛ الذي لاحظ ضعف ترتيب كتب المذهب بسبب ارتباطها بالمدونة، فقام بتأليف كتاب عقد الجواهر، ناهجا فيه أسلوب الغزالي في كتابه الوجيز، الذي كان عنوان الترتيب الحسن في الفقه الإسلامي قاطبة، فكان لتأليف عقد الجواهر عظيم الأثر في المذهب لاحقا.

ثم ألف بعده ابن الحاجب كتاب جامع الأمهات مختصرا، وقد جاء محكما من جهة الصناعة الفقهية، ونحا فيه اختصار كتاب ابن شاس.

إلا أن ابن شاس اندرجت له في كتابه بعض فروع الشافعية، وتبعه عليها ابن الحاجب.

الرابعة: تصحيح المذهب واستقراره، رغم أن ابن الحاجب أحكم الصناعة الفقهية، إلا أنه وقع له الخلل في اتباعه لابن شاس، حيث لم يسهر على تدقيق مسائل المذهب في اختصاره لعقد الجواهر، إلى أن جاء خليل فقام بنقد جامع الأمهات في شرحه التوضيح، وتجاوز ما وقع فيه من أخطاء، عتدما ألف مختصره الشهير، الذي اعتمده المالكية صحبة مختصر ابن عرفة.

عروض الطلبة والباحثين: إلقاء ومناقشة

العرض الأول: المصادر المعتمدة في المذهب المالكي وأسباب اعتمادها

هاجر وحمان، ومحمد الصغير، طلبة كلية الشريعة بالسمارة

المقرر: الباحث محمد الخادير

افتتحت الطالبة هاجر وحمان هذا العرض بالحديث عن: المصادر المعتمدة في المذهب المالكي، مشيرة إلى أن لكل مذهب من المذاهب الفقهية المعتمدة مجموعة من الركائز التي يقوم عليها، وأن من أحاط بها أحاط بالمذهب، والتي تشكل بمجموعها مبناها ومحتواها، وهي: إما أصول، أو قواعد يعتمد عليها، أو مدارس يتكون منها، أو مصادر يعول عليها. أما الأصول، فإن العمل فيها للمجتهد النظار، وأما المصادر فهي الممهدة لمعرفة الفروع والأحكام، ولا غنى عنها للمجتهد.

ثم أشارت إلى أن المذهب المالكي كباقي المذاهب اختار أصحابه مجموعة من الأمهات، والدواوين، والمصنفات، جعلوها مرجعا لأخذ الأحكام، ومعينا للمفتين، والفقهاء، والقضاة. ثم عرجت على المراحل التي مر منها المذهب المالكي، كمرحلة النشوء والتأسيس: التي تبدأ  من جلوس الإمام مالك للفتوى وتنتهي نهاية القرن الثالث، وهي مرحلة تأصيل قواعد المذهب، من خلال تأصيل الأصول، وتقعيد القواعد، ورسم المنهج العام الذي سلكه الأتباع من بعدهم، وتميزت هذه المرحلة بجمع الروايات والسماعات عن الإمام مالك وتدوينها، وأشهر مصنفات هذه المرحلة: هي الموطأ، والأمهات، والدواوين.

ثم المرحة الثانية: مرحلة التطور: من بداية القرن الرابع إلى نهاية القرن السادس، وهي لا تنفصل عن المرحة السابقة، وتميزت بظهور نزعة الضبط، والتحرير، والتمحيص، والتلخيص، والتهذيب مع التفريع، فهي بمثابة الغربلة لما كان في مرحلة الجمع والترتيب. ثم أشارت أن منهج التصنيف في هذه المرحلة ينقسم إلى قسمين: كتب الفقه النظري، وكتب الفقه التطبيقي.

بعد هذا أخذ الكلمة الطالب محمد الصغير مستهلا كلمته بالإشارة إلى أن اعتماد المؤلفات في المذهب ينظر إليه من جهتين: الأولى: باعتبار مؤلِّفه، والثانية: باعتبار المؤلَّف نفسه.

وأبرز أن الجهة الأولى ينظر فيها لمكانة المؤلِّف العلمية، ونمطه في التأليف، وأما الشق الثاني المتعلق بالكتاب، فذكر أن غالب مدار اعتماده على أمرين: الأول: صحة نسبة هذا الكتاب إلى صاحبه، والثاني: يتعلق بمادته العلمية، موضحا أنها تدرك بأمور سبعة: أولا: صحة أصول المسائل. ثانيا: النظر في هذه المسائل من حيث اعتمادها على قول إمام مالك، أو سماعات أصحابه، أو من جاء من بعدهم. ثالثا: التقيد بما به الفتوى: وهو القول المتفق عليه، والقول الراجح، والمشهور والقول المساوي، وزاد بعضهم ما جرى عليه العمل. رابعا: العناية بالجانب التأصيلي. خامسا: كثرة المسائل واستيعابها للفقه مع دقة الضبط والتحرير. سادسا: العناية بالحدود والماهية الشرعية. سابعا: المسائل الواقعية في الفتوى، أي: أن الفتاوى تطابق وتمشي على ما هو عليه الواقع.

العرض الثاني: محاور المناقشة الكلامية من خلال كتاب: «العواصم من القواصم» لابن العربي (ت543ﻫ)، ياسين أوفقير، طالب بكلية الآداب، جامعة ابن طفيل، القنيطرة

المقرر: الباحث طه فطناسي

حدد الباحث لعرضه، هدفين أساسين، الأول: محاولة فهم المحاور وأولويات النقاش الكلامي عند المتكلمين، والثاني: إبراز منهج الإمام ابن العربي في كتابه: «العواصم من القواصم»، وذلك من خلال مناقشته للشبهات والأفكار المخالفة للإسلام، وإمكانية الإفادة منه في تقييم وتقويم الخطاب العقدي المعاصر.

ثم عرض بعد ذلك جملة ملاحظات منهجية لفهم السياق العام الذي ألف فيه كتاب: العواصم من القواصم، مبينا أنه يندرج ضمن جهود علماء أهل السنة في محاصرة الشبهات والتصدي للطعون التي وجهت للإسلام، فالحديث عن مناقشة الملل والنحل والفلسفات المخالفة للإسلام هو حديث مباشر وبشكل أساسي عن الأشاعرة، وهذه الحقيقة تؤكدها الوقائع التاريخية، مشيرا أن المكتبة الإسلامية  تزخر بعدد من المؤلفات التي أرخت لهذه الأفكار والشبه التي وجهت للإسلام، كما تشهد لذلك المناظرات والروايات التاريخية التي أبرزت لنا نوعا من العبقرية والنبوغ التي تميز بها علماء الإسلام على مر العصور في الحجاج والذب عنه، ممثلا لذلك بالمناظرة الشهيرة للإمام الباقلاني مع ملك الروم.

وقوة الحجاج هذه التي تميز بها علماء أهل السنة يمكن تفسيرها بالنظر المنطقي في العقائد، فعلماء الكلام كما وصفهم الإمام ابن العربي «توسعوا في الأدلة العقلية التي ذكرت في القرآن على مقتضى الإيجاز والبلاغة دون توابعها ولوازمها وتفصيلاتها»، فلم يكن هذا التصدي ممكنا لولا النظر المنطقي، الذي أصبح الاختيار السائد في الثقافة الإسلامية.

ثم عرض الباحث بعد ذلك بعض الردود التي وجهت للعلماء الذين عارضوا تعلم المنطق والاستدلال به كالإمام السيوطي والنووي.

ثم انتقل بعد ذلك إلى صلب الموضوع وهو محاور وأولويات النقاش الكلامي عند متكلمي أهل السنة، من خلال كتاب العواصم من القواصم، فأجملها فيما يلي:

1) إنكار الحقائق: وهو القول بالنسبية الكاملة، أي: أنه لا يقين لأي مدرك سواء جاء عن طريق الحس أو العلم، «لا معلوم ولا مفهوم»، وهذا المذهب أشد خطرا؛ لأن إبطال وجود الحقائق القطعية يعني إبطال العقل والإيمان، ومن ثم إسقاط التكليف جملة، قال ابن العربي: «وذلك أمر اخترعته الملحدة للعامة ليسترسلوا في الإباحة».

2) إنكار الحس، أو المثالية: وهو القول بأن أساس المعرفة هو الوجدان والذوق، حيث يزعم أصحابه أنه هناك عالم مثالي، هو المصدر الوحيد للحقيقة، وأن الواقع ليس إلا خيالا وضلال خادعة، وقد أكد ابن العربي أن الغزالي قد تسربت إليه بعض هذه الأفكار في أواخر حياته مع إجلاله الكبير له.

3) الاقتصار على المحسوس أو المادية: وهو القول باستحالة الوصول إلى يقين في القضايا النظرية التي وراء الحس، وهذه المقدمة يلزم منها إبطال الاعتقاد الديني؛ لأنه قائم على الإيمان بالغيب.

4) العقيدة الباطنية: التي يقول أصحابها بأن العلم لا يؤخذ إلا من معصوم دائم الوجود، وهو قول يفتح الباب على مصراعيه لإبطال الأحكام الشرعية والتغيير فيها باستمرار. وبين أنه قول يستند على الحلول، ويلزم منه لوازم الحلول الباطلة، بنسبة النقص لله سبحانه وتعالى في أنه أرسل من لا يقدر على إكمال التبليغ.

5) العقل منشئ للأحكام الدينية والتجربة كمصدر للمعرفة: وقد رد ابن العربي في هذا المحور على ثلاثة طوائف جمعهم في سياق واحد بعبقرية فذة، وهم: «المعتزلة» و«الفلاسفة»، و«الطبائعيين»، وأظهر المشترك بينهم في أنهم يستبطنون أغراضا فلسفية، ثم يبدلون الدين ليصبح مطابقا لفلسفاتهم، ممثلا لذلك بصفات الله سبحانه وتعالى، وقد خص المعتزلة بالرد عليهم في قولهم، بأن التكليف وشكر المولى عز وجل واجب بالعقل.

6) الأخذ بالظاهر مطلقا، أو الغلو في الإشارة، وقد جمع الطالب هنا محورين للتشابه القائم بينهما؛ لتعلقهما بطريقة واحدة في فهم النصوص، وهما: أولهما: الأخذ بالظاهر مطلقا، والثاني: الغلو في الإشارة، والخروج عن مقتضى اللسان العربي.

7) الطعن في الصحابة، وفي تواتر القرآن، وختم بقضية فتنة الصحابة والدفاع عنهم، وبالحديث عن القراءات، ومن المعلوم أن الطعن في عدالة الصحابة يلزم منه الطعن في نقلهم للدين، أي: في صحة النقل، وكذلك الطعن في بعض أحرف القرآن يستلزم إبطال تواتره.

والملاحظ في ترتيب هذه المحاور أن ابن العربي جعل بعض القضايا التي يسلط عليها اليوم الضوء كثيرا، وتطرح بشكل واسع في الأوساط العلمية متأخرة في الترتيب كقضية الطعن في عدالة الصحابة، فطرح الطالب سؤالا عن المعيار المعتمد الذي وضعه ابن العربي في ترتيب هذه المحاور؟ مجيبا عنه بأنه يفهم من الاسم الذي أطلقه عليها وهو: «القواصم»، هذا المعيار هو مدى خطورتها على الدين، وبالضبط على الأحكام الشرعية، سواء كانت اعتقادية أو عملية، وهو التكليف، مما أدى به إلى التصدي أولا لأقوال وآراء «فلسفية» و«معرفية»، والتي وإن لم تصرح بعدائها للدين، فإنها تحمل بذورا كامنة كفيلة بهدم التكليف إن تم التسليم بها.

لينتقل الطالب بعد ذلك إلى المحور الثاني من مداخلته المتعلق بالمنهج العلمي لابن العربي في الرد وإمكانية الإفادة منه في قضايا معاصرة، مستعرضا ملامح هذا المنهج، حيث أجملها في استجماع ثلاثة أنماط من القواعد: قواعد المعقول، وقواعد المنقول، وقواعد اللغة، ليستعرض بعد ذلك طرق نقض بعض الشبهات والأفكار المعاصرة الشبيهة لها.

ثم ختم مداخلته ببعض الخلاصات والتوصيات التي جاءت على الشكل الآتي:

– أن دور علم الكلام الأساسي هو الدفاع عن الإسلام.

– أن العلماء قاموا برصد جميع الأفكار والفلسفات السائدة في عصرهم مهما كانت بعيدة، ودرسوها بدقة، وتنبهوا إلى ما يشكل فيها تهديدا حقيقيا للإسلام، وصنفوها باعتبار خطورتها.

– القضايا المعرفية التي تناقش مفهوم الحقيقة والعلم ومصادر المعرفة تقع في المرتبة الأولى. ولهذا صدر متكلمو أهل السنة متونهم العلمية بتقريرها.

– أن دور علم الكلام بالنسبة للقضايا الطبيعية يتمثل في تخليصها مما تشحن به ويركب عليها من أفكار مخالفة للإسلام وللعقل.

– أن دور علم الكلام بالنسبة للقضايا الفلسفية يتمثل أولا في الحيلولة دون اختراقها للشريعة وللغة الخطاب الشرعي.

ليخلص في النهاية إلى أنه لا يجوز للبحث العقدي والكلامي المعاصر أن يعرض عن هذا التراث، أو يزهد فيه تحت مسمى مقولات متجاوزة في العلوم الشرعية كبدعية المنطق، أو أن يختزله في النقاش السطحي في قضايا ثانوية أو مفتعلة، ذاهلا بذلك عن التحديات التي يواجهها المسلمون في العالم، مضيفا إلى أنه يجب النفاذ إلى روح علم الكلام، والتمكن الكامل من أدواته وقضاياه، كما يجب دراسة الأفكار والفلسفات المعاصرة، وحينها سيتمكن الباحث من إدراك «الأشباه والنظائر» في القضايا العقدية، وسيتمكن من توفير الأجوبة الصحيحة لا الخاطئة التي تسير على مقتضى العلم والأصول، الأجوبة التي لا تتقادم مع الزمن، والتي توفر الأمن الديني الحقيقي للمسلمين.

العرض الثالث: ملاحظات منهجية حول تحقيب المعاصرين للفقه الإسلامي

للطالبين الباحثين محمد أيتب وخليق، وإبراهيم أحميم، من كلية الشريعة، آيت ملول، أكادير، المقرر: ذ محمد الخادير

استهل الباحث محمد أيتب وخليق مداخلته بالحديث عن ملاحظات منهجية على تحقيب الفقه من قِبل الباحثين المعاصرين، ثم عرف التحقيب بأنه: «تأطير حوادث الماضي، وتصنيفها وفق حقب تاريخية، ذات سمات مشتركة»، ثم ذكر من شروط التحقيب أن يكون بين كل حقبة قطيعة معرفية تميزها عن الحقبة السابقة لها.

ثم عرف تحقيب الفقه بأنه: تقسيم تاريخ الفقه إلى حقب أو فقرات بشكل دقيق ومنظم، مما يظهر تطور الفقه في خضم الزمن، وأبرز أن للتحقيب بُعدين: بُعد إجرائي وشكلي، وبُعد إيديولوجي.

كما عرج على أهمية التحقيب وفوائده، وذكر أن الفقه متجذر وأصيل في التاريخ، وأنه مشروع الأمة الإسلامية كافة.

ثم بيَّن معايير تحقيب الفقه الإسلامي، حيث لاحظ أن المعاصرين الذين تتبعوا تقسيم الفقه الإسلامي لا يخرجون في تقسيمه عن الآتي:

1ـ النظر إليه من حيث التكوين والنشأة والتطور.

2ـ النظر إليه من حيث الصلابة والقوة والضعف والركود.

3ـ النظر إليه باعتبار الحركة والتطور والاجتهاد والتقليد.

4ـ النظر باعتبار المدارس الفقهية.

5ـ النظر إليه من حيث مسالك التأليف.

وفي الأخير اعتبر أن تقسيم الفقه هو اصطلاحي محض، ولا حرج على أحد إذا اختار القسمة الزمنية، إذا انضبطت المعاني، وصحت في نفسها، وإنما الحرج إذا كانت القسمة اعتباطية لا معنى لها.

ليأخذ الكلمة بعده الباحث إبراهيم أحميم، حيث استهل كلمته بملاحظات منهجية حول كتاب الفكر السامي للحجوي، وقد توقف معه في تحقيب الفقه الإسلامي إلى ثلاثة أطوار: الطفولية، الشباب، الشيخوخة، معقبا على هذا التقسيم في كونه لا يستقيم أن نَصِف الفقه الإسلامي بطور الطفولية، وكان الأولى أن يصفه بطور النشأة، أما طور الشباب فجعله عصر الاكتمال، كأن العصر النبوي كان ناقصا، والحقيقة عكس ذلك.

أما الملاحظة على طور الشيخوخة، فقد نبه إلى أنه فيه من المخاطرة في التعبير؛ لأن هذا النعت غير صحيح، والواقع عكس ذلك؛ لأن جميع العصور كان فيها التأليف والاجتهاد، وليس متأخرا وجامدا، كما ذكر ذلك في كتابه الفكر السامي، أما وصفه لبعض العصور بالجمود والانحطاط الفقهي، فهذا غير دقيق.

ليختم بالتنبيه إلى أنه سار على نهج الحجوي عددٌ من المعاصرين، منهم: محمد يوسف موسى في كتابه: تاريخ الفقه الإسلامي، وعبد الوهاب خلاف، مع أنه خالف نسبيا الحجوي؛ لأنه لم يصف العصور المتأخرة بعصور الانحطاط والجمود.

الجلسة الختامية:

رئيس الجلسة: ذ إبراهيم بن عبلا منسق ماستر المذهب المالكي رواية ودراية وتطبيقا

المقرر: ذ عبد الرحيم اللاوي

اختمتت الأيام الجامعية بمجموعات من الكلمات، تمحورت أغلبها حول الشكر للجهات المنظمة للدورة، والأساتذة المشاركين فيها.

وأهم الداخلات، هي:

كلمة السيد عميد كلية السمارة، ذ حميد الركيبي، وجَّه من خلالها الشكر للجهات المنظمة، والأساتذة المشاركين في الدورة، والطلبة المستفيدين منها، كما عبر عن سروره لنجاح هذا المحفل العلمي المشهود.

كلمة ذ محمد السرار، رئيس مركز ابن القطان للدراسات في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش. أشاد فيها بدور السيد الأمين العام للرابطة المحمدة للعلماء في تشجيع البحث العلمي بمدينة السمارة، وتعاونه مع كليتها، كما نوه بإهداء الرابطة المحمدية للعلماء جميع إصداراتها لمكتبة كلية الشريعة بالسمارة.

ليشيد في كلمته بموضوع الدورة والنجاح الذي حققته، مهنئا الجهات المنظمة على حسن اختيار الموضوع.

كلمة ذ محمد العلمي، رئيس مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة، باسم اللجنة التنظيمية، حث فيها الأساتذة المشاركين على تسليم عروضهم للجهة المنظمة، حتى تتمكن من نشرها؛ تعميما للفائدة. كما لفت انتباه الطلبة للاستفادة من موضوع الدورة، والاهتمام بالجانب الشكلي للعلم، وأكد أيضا على وجوب الاشتغال العلمي داخل النسب العلمية الموروثة عن العلماء.

ثم ختمت الدورة بتوزيع الشهادات وتذكارات رمزية  على الأساتذة الضيوف.

جمع وتنسيق: الباحث عبد الرحيم اللاوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق