مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

نبذ من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

وبعد فلا ريب أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأنبياء مقاما، وأشرف الرسل منزلةً، وأنبل الخلق كرامةً، وأجمل مخلوقٍ خِلقةً، رؤوف رحيم، هين لين، قوي حكيم، خُلقه القرآن، وشمائله السماحة، وفضائله السلم، وسيمته العدالة، ووسيلته الإرشاد، وغايته الإسعاد.. يعفوا عند المقدرة، ويصفح على المزلة، يحتمل أذى الناس، ولا يُحَمّلهم أذاه، عفٌّ كريم، حيي حليم، زكَّى ربنا سبحانه عقلَه فقال: ﴿ماضل صاحبكم وما غوى﴾ وزكى بَصَره فقال: ﴿مازاغ البصر وما طغى﴾ وزكى لسانَه فقال: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾، وزكى أخلاقَه فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾،  وزكى أهلَه فقال: ﴿إنما يريد الله لِيُذْهِب عنكم الرجس أهل البيت﴾، وزكى مُعَلّمَه فقال: ﴿عَلَّمه شديد القوى ذو مرة﴾ وزكى كَلامَه فقال: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ وزكَّى رسالتَه فقال: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وزكى أُمته فقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، وسواها من خلاله وشمائله مما حفلت به كتب السير، وتناقلته نقلة التواريخ والأخبار، وأودعته الكتب الأسفار، كوصف أم معبد الخزاعية له صلى الله عليه وسلم بقولها: «ظاهرُ الوضاءة، أبلجُ الوجه، حَسَنُ الخلق، لم تَعِبه تُجْلة، ولم تُزْرِ به صعلة، وسيمٌ قسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَحَل، وفي عُنقه سَطَع، أحْور، أكحل، أزَج، أقْرن، شديدُ سواد الشعر، إذا صَمَت عَلاه الوقار، وإن تكلم عَلاه البَهاء، أجملُ الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنُه وأحلاه من قريب، حلوُ المنطق، فضْلٌ لا نزرٌ ولا هَذَر، كأنَّ منطقَه خَرَزاتٌ نُظِمْن يَتَحَدَّرْن، رَبْعةٌ لا تُقحمه عينٌ مِن قِصَر، ولا تَشْنؤُه من طُول، غصنٌ بين غُصنين، فهو أَنظَرُ الثلاثة مَنظرا، وأحسنُهم قدْرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.. ([1])

 وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صفته: «جليل المُشاش والكَتِد، دقيقُ المسربة، أجرد، شَثْن الكفين والقدمين.. بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجودُ الناس كَفًّا، وأجرأُ الناس صَدرا، وأصدقُ الناس لهجة، وأوفى الناس ذِمة، وألينُهم عريكة، وأكرمُهم عِشْرة، من رآه بديهةً هابَه، ومن خالطه معرفةً أَحَبه، يقول ناعتُه: لم أر قبله ولا بعده مثلَه صلى الله عليه وسلم»([2])

وغير ذلك من الآثار الدالة على عظيم المكانة وشريف المنزلة لنبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، وقد أفاض القاضي عياض في كتاب الشفا في شمائل النبي صلى الله عليه وسلم بما لا مزيد عليه، ثم ختم بحديث الحسن بن علي رضي الله عنه عن ابن أبي هالة المشتهر على الألسنة المتداول بين العلماء والمؤرخين وأهل السير، المتناثرة مجموع ألفاظه في كتب الصحاح والسنن مما يبوئه مكانة تنبئ عن قبوله والرضى بمضمونه، وممن رواه ـ على اختلاف في بعض ألفاظه ـ ابن سعد في الطبقات (1: 422) ، والترمذي في الشمائل (1: 26) ، وهو في دلائل النبوة لأبي نعيم (ص: 551) ، ومختصر تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر (1: 329) ، وتاريخ الإسلام الكبير للذهبي (2: 311) ، والبداية والنهاية لابن كثير (6: 31)، وشمائل الرسول لابن كثير، (ص: 50)، والخصائص الكبرى للسيوطي (1: 76)، ومجمع الزوائد (8:273)، وعيون الأثر لابن سيد الناس (2: 405) فآثرنا إيراده هنا بمناسبة ذكرى المولد النبوي الكريم؛ تبركا بمقامه، وتنويها بذكره، وتشوفا إلى الاقتداء بخلاله، والتأسي بشمائله صلى الله عليه وسلم.

قال القاضي رحمه الله: قد أتيناك- أكرمك الله- من ذكر الأخلاق الحميدة والفضائل المجيدة، وخصال الكمال العديدة، وأريناك صحتها له صلى الله عليه وسلم، وجلينا من الآثار ما فيه مقنع، والأمر أوسع، فمجال هذا الباب في حقه صلى الله عليه وسلم ممتد تنقطع دون نفاده الأدلاء، وبحر علم خصائصه زاخرة لا تكدره الدلاء، لكنا أتينا فيه بالمعروف مما أكثره في الصحيح والمشهور من المصنفات، واقتصرنا في ذلك بقُل من كُل، وغيضٍ من فيض، ورأينا أن نختم هذه الفصول بذكر حديث الحسن  عن ابن أبي  هالة؛ لجمعه من شمائله وأوصافه كثيرا، وإدماجه جملة كافية من سيره وفضائله..

قال الحسن بن علي رضي الله عنه: سألت خالي([3])  هند  بن أبي هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئا أتعلق به. قال:  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رَجِل الشعر، إن انفرقت عقيقته فَرَق، وإلا فلا يجاوز شعرُه شحمةَ أذنيه إذا هو وفَّره، أزهر اللون واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ من غير قَرَن، بينهما عرق يُدِرُّه الغضب، أقنى العِرْنين ، له نور يعلوه، ويحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلَّج الأسنان، دقيق المسرُبة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا، متماسكا، سواء البطن والصدر، مُشيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرَّد، موصول ما بين اللَّبَّة والسُّرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين ما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين، وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف… سبط  العصب، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلُّعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المِشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظرُه إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام.

قلت: صف لي منطقه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فَصْلاً لا فضول فيه ولا تقصير، دمِثا ليس بالجافي ولا المهين، يُعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تُعُرِّض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قَلَبَها، وإذا تحدث اتصل بها، فضرب بإبهامه اليمنى راحتَه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جُل ضحكه التبسم، ويَفترُّ عن مثل حب الغمام.

قال الحسن : فكتمتُها عن الحسين  بن علي زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأل أباه عن مدخل رسول صلى الله عليه وسلم، ومخرجه، ومجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئا.

قال الحسين : سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: كان دخوله لنفسه، مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جَزَّأَ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقِسمتُه على قدر فضلهم في الدين. منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج. فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه مَن أَبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبَّت الله قدميه يوم القيامة» لا يُذكر عنده إلا ذلك، ولا يَقبل من أحد غيره.. يدخلون رُوَّادا، ولا يتفرقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة ـ يعني فقهاء ـ.

قلت: فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟

قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزُن لسانه إلا مما يعنيهم، ويؤلفهم ولا يفرقهم، يُكرم كريمَ كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يَطوي عن أحد بِشْرَه وخُلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويُحسن الحسن ويصوبه، ويُقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يُقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أَعَمُّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.

فسألته عن مجلسه، عما يصنع فيه؟! فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه، حتى لا يَحسب جليسُه أن أحداً أكرم عليه فيه، مَن جالسه أو قاومه لحاجة صابَره حتى يكون هو المنصرف عنه، مَن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناسَ بسطُه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء.. مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تُنثى فلتاتُه، يتعاطون بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويرحمون الغريب.

فسألته: عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه. فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يوئس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يُعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: «إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه»، ولا يطلب الثناء إلا من مكافيء، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أوقيام.

قلت: كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان سكوته على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر: فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى.

 وجُمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر فكان لا يُغضبه شيء يستفزه

وجُمع له في الحذر أربع: أخذُه بالحسن ليُقتدَى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة. انتهى الوصف بحمد الله وعونه.

ن الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي دفين مراكش:1/198-208


([1]) ن زاد المعاد: 2/54

([2]) ن تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي:4/303.

([3]) خاله؛ لأنه أخو أمه من أمها؛ إذ هو ابن خديجة التي هي أم فاطمة التي هي أم الحسن. فهند بن أبي هالة التميمي ربيب النبي صلى الله عليه وسلم، ولدته خديجة من زوجها الأول أبي هالة، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه الحسن بن علي هنا صفة النبي صلى الله عليه وسلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق