مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةغير مصنف

غَزْوَةُ بَدْرٍ وَأَثَرُهَا فِي تَارِيخِ الإِسْلَام

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

 

د. محمد علي اليُولو الجزولي

باحث بمركز ابن القطان

مقدمة:

      الحمد لله الذي منَّ على المسلمين بشهر رمضان، وجعله شهر التقوى والعمل للجنان، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد الشَّفيع المُشفَّع، وعلى أهل بيته الطاهرين، وأصحابه الكرام العدول البررة الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد؛

      فإن شهر الصيام والقيام يحمل بين طيَّاته الكثير من الذكريات الجميلة، والملاحم العظيمة من ملاحم الإسلام، ومشاهد الإيمان، ومن أعظم هذه الذكريات ذكرى غزوة بدر الكبرى التي يصادف تاريخ وقوعها السابع عشر من هذا الشهر الكريم ، حيث مر على المسلمين عبر تاريخهم الجهادي المجيد الكثير من المعارك والحروب، في سبيل نشر الإسلام في ربوع المعمورة؛ لكن تبقى معركةٌ واحدة هي أمُّ هذه المعارك وأُسُّها، وهي المنبع الذي استمدَّ منها رجال الإسلام ولا يزالون، أخلاقيات الحرب، ومبادئ العسكرية المنضبطة، مما عَزَّ نظيره في حروب غيرهم ممن يستهويهم القتل والدمار.

       لقد كان لهذه المعركة النموذج صدىً كبيرا في تاريخ الإسلام، ومجريات أحداثه الجسام، تلكم هي المعركة التي وصفها الحق من فوق سبع سماوات: ” بيوم الفرقان“، هي معركة بدر الكبرى،  المعركة التي أعزَّ الله فيها الإسلام وأهله، وأذَلَّ الشرك وحزبه، المعركة التي شهدتها الملائكة وقاتل فيها جبريل عليه السلام، وتنَزَّل فيها الغيث والسكينة على قلوب المؤمنين الصادقين، المعركة التي قاتل فيها الأخ أخاه، والابن أباه.

     ولما كان لهذه الغزوة الميمونة كل هذا الشفوف، وهذا السبق،  أبى حرفي إلا أن يسطر  في حقها شيئا يجلي آثارها الباهرة، ويبين تجلياتها الكبرى في تاريخ المسلمين، وما خلفته من تداعيات كبرى، كانت سببا في هيبة الإسلام، وانتشاره بشكل واسع وكبير في ربوع جزيرة العرب.

      وقبل الحديث عن هذه الآثار وتفاصيلها؛ لابد من العُروج أولا بذكر بعض أحداثها الكبرى، وتوثيق مجرياتها باختصار مفيد؛ إذ سرد الأحداث ليس مقصدا لي بالأصالة؛ بقدر ما أرُوم إلى قراءة أحداثها، وما خلفته من آثار ونتائج وعبر.

      لقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الغزوة المباركة وأنزل فيها سورة كاملة توثق أحداثها، هي سورة الأنفال ، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل عنها : “تلك سورة بدر”[1]، كما ذكر أحداثها في سورة آل عمران.

أحداث غزوة بدر باختصار:

      خرج الرسول صلى الله عليه وسلم في الثامن من رمضان في السنة الثانية للهجرة، ومعه كبار الصحابة، وأكثر من ثلاثمائة من المسلمين من الأنصار والمهاجرين، وكان ذلك الجيش في مهمة لاعتراض قافلة تجارية لقريش في طريق عودتها من الشام إلى مكة، وكان يرأس القافلة أبو سفيان بن حرب، وكان معظم أهل مكة قد ساهم في هذه القافلة التجارية التي قدرت تجارتها بحوالي خمسين ألف دينار، وقد علم أبو سفيان بخروج المسلمين للتعرض لقافلة الكفار، فأرسل لطلب النجدة من قريش للذود عن أموالهم، فجمعوا جيشا حوالي ألف رجل، وقد استطاع أبو سفيان الهروب من المسلمين، حيث غير مسار طريقه بأن عرج في طريق آخر غير الطريق الذي تسلكه القوافل عادة، وغير مساره بمحاذاة البحر، ووصل بالقافلة سالمة إلى مكة.

      وكان  موقف الرسول صلى الله عليه وسلم هو: الرجوع للمدينة؛ لأنه لم يخرج لمنازلة كفار قريش الذين أتوا من مكة؛ ولكن خرج للتعرض للقافلة، بينما الصحابة رضي الله عنهم كان موقفهم هو: الحرب والقتال، فوقع الأمر الثاني ـ وهو القتال ـ حيث التحم الجيشان يوم الجمعة 17 رمضان السنة الثانية من الهجرة عام 632م، عند ماء بدر، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة لكفار قريش، وقتل منهم سبعون، وأسر سبعون ، وفر الباقي من المعركة،  بينما استشهد من المسلمين أربعة عشر نفسا فقط.

آثار غزوة بدر الكبرى على تاريخ المسلمين:

     إن الحديث عن آثار هذه الغزوة المباركة على تاريخ المسلمين، حديث تَأْنَسُ به النفوس، وتسْمُو به الروح حين يُذكر  خبره بين طبقات الكتب والطروس، هذه الغزوة الكبرى التي ميزت الصفوف، وعرَّت الباطل، وكسرت شوكة المشركين، وأعلنت بظهور الإسلام، وانبثاق شمس دولته، وسلطانه، وظهوره، فكان لهذه الغزوة الكبرى التأثير الكبير على تاريخ المسلمين من الناحية: العسكرية، والسياسية.

      فمن الناحية العسكرية: تعد معركة بدر الكبرى أعظم معركة في تاريخ الإسلام خاضها جيش الرحمن، بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، ضد جيش الكفر والطغيان، فكانت هذه المعركة كما يقال معركة مفصلية في التاريخ العسكري الإسلامي؛ على الرغم من كثرة معاركه العظيمة، فهي ملهمة لما جاء بعدها من المعارك، يستمد منها القادة العسكريون مبادئ القتال، وأسس النضال، وأخلاق الحرب.

     ومن تجليات آثارها العسكرية كذلك:  أن معركة بدر لها في قلوب ملايين المسلمين موقع، ومحبة، وأنس؛ إذ هي الغزوة التي طعنت كبرياء قريش في الصميم، وزعزعت عرش جبروتها وأنفتها، ومَرَّغت سمعتها بين قبائل العرب والعجم قاطبة، وهي ترتد القَهْقَرى ذليلة مندحرة، تجر معها ذُيول الهزيمة، وذُلَّ الدهر، تعود لديارها وقد خلفت وراءها ساداتها وهم مُجَنْدَلين في أَدِيم الأرض، قد مُرِّغت أُنوفهم وكبرياؤهم في قليب بدر، ومُزِّقت عُنْجُهيتهم بحدِّ الحق، وصَليل بَوارق العدل، ترى هذه المشاهد وقد كانت إلى عهد قريب جدا تُجيِّش الكتائب ، وهي تسير بقضِّها وقضِيضها مهددة الدعوة في عقر دارها، والأسد في عرينها، بل تتوعد الإسلام باستئصال شأْفَتَه من أرض المدينة، فما دهاها اليوم لا تنطق ببنت شفة، وهي تودع عنجهيتها، وكبريائها فوق ثرى بدر المباركة، حيث التقت بقلة المسلمين المستضعفة عددا وعدة، فأي منهج من مناهج البشر اليوم يمكننا أن نفسر به اليوم سر هذا النصر الذي لا يمكن إخضاعه لموازين العقول؟! ! لقد وضَّح الحق سبحانه وتعالى هذه الحقيقة، وأنه آية من آياته الكبرى بقوله: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) [2].

      كذلك من آثارها العسكرية أنها:  ألهمت نفوس القادة المسلمين الفاتحين على مر التاريخ، وبثت فيهم روح الشجاعة والفداء في سبيل الحق، وأن القلة الصادقة يمكنها أن تقف في وجه الجيوش الجرارة؛ لأن معركة بدر علمتهم أن قلة الأسباب المادية على أهميتها لا تقف عائقا دون النصر ما دامت العناية الإلهية تَحُوط الصادقين، وتشملهم برعايتها وحفظها، وأن التفوق الإيماني في جند الإسلام هو الذي صنع في الحقيقة  النصر، وهو الذي فجر الطاقات القتالية البطولية الخالدة على أرض بدر، وأن المشركين لم يكن لهم فيها نصيب، هذه الإلهامات البدرية هي التي ميَّزت تاريخ المسلمين، ومجدهم العسكري، وصَقَلته في بوتقة العز، ونِبْراس السُّؤدد.

       ومن جميل الصدف أن يتفق انتصار المسلمين في محطاتهم الجهادية الكبرى في رمضان الذي وقعت فيه غزوة بدر مع كثير من الغزوات والفتوحات العظيمة منها: فتح مكة ، ووقعة البويب، وفتح النوبة، وفتح الأندلس، ومعركة بلاط الشهداء، وفتح عمورية، ومعركة عين جالوت، وفتح أنطاكية، وفتح قبرص، فتح البوسنة والهرسك، ومعركة تحرير سيناء[3].

      أما آثارها السياسية: فقد نجحت هذه المعركة في تغيير قواعد اللعبة السياسية ، وتركت آثاراً أمنية إيجابية وسلبية ، وأعطت شكلاً جديداًَ لهياكل ومضامين التوازنات الأمنية المكانية في شبة الجزيرة العربية بوجه عام ، والحجاز بصورة خاصة ؛ فإن هذه المعركة حسمت مستقبل الإسلام الوجودي بالمدينة المنورة، وقضت قضاء مُبْرَمًا على المطامح السياسية عند فئات كانت تسعى للسيطرة والقوة وهم: اليهود، والمنافقون، والأعراب، ومشركي مكة.

       أما اليهود فقد قامت هذه الغزوة بإضعاف دورهم الخطير داخل أسوار المدينة، وألجأت فئة من المنافقين المنتفعين إلى رُكْن قَصِي فلا تسمع لهم حِسًّا ولا رِكْزا،  كما قضت على أحلام الأعراب الضاربين حول المدينة في الإغارة على حمى المسلمين وديارهم، في حين نرى تزايد تضامن المهاجرين والأنصار داخل كيان الدولة الإسلامية الولود.

       وبالمقابل أضعفت سلطة قريش على القبائل العربية،  بحيث اتسعت هيبة المسلمين في الشرق والغرب، ورغبت القبائل في عقد تحالفات سياسية، ومعاهدات ثنائية، مع الدولة الإسلامية الناشئة بالمدينة المنورة، كما زعزعت منظومة قريش الأمنية، حيث تراجع أعداد الحجاج في السنوات التي أعقبت المعركة وذلك لدواع أمنية، حيث بدأت كثير من القبائل تشكك في قدرة قريش على حماية الزوار والمعتمرين والحجاج إلى مكة المكرمة.

       هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى؛ فإن هذه الغزوة لها تأثير يتعلق بمفهوم: السابقة، والفضل في التقديم في العطاء والمكانة، حيث حاز  الصحابة المشاركون في معركة بدر على وسام الشرف، ولقبوا بأغلى وصف في الدنيا  إنه مسمى :”البدريون”، فكل من شارك في الغزوة، نال بعدها الشرف من حيث السبق، والفضل، والتفاوت في العطاء وغيرها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فَقَال : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ وجَبَتْ لَكُمُ الجنَّة أو فَقَدْ غَفرتُ لَكُمْ )[4].

     فأهل بدر يعدون من أهل السابقة في الإسلام، ولهذا تجد في كتب التاريخ، والتراجم، والصحابة فلان من البدريين، من أهل السابقة، ولما دوَّن عمر رضي الله عنه الدواوين “فضل أهل السوابق والمشاهد في الفرائض، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد سوى بين الناس في القسم، فقيل لعمر في ذلك فقال: لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه، فبدأ بمن شهد بدرا من المهاجرين والأنصار، ففرض لكل رجل منهم خمسة آلاف درهم في كل سنة حليفهم، ومولاهم معهم بالسواء، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر: من مهاجرة الحبشة، ومن شهد أحدا أربعة آلاف درهم لكل رجل منهم، وفرض لأبناء البدريين ألفين ألفين[5].  

      كم أن الانتصار في وقعة بدر أدى إلى ظهور تشريع فقه الجهاد، وأحكام الأسرى، وتشريع خمس الغنائم لبيت مال المسلمين لقوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير)[6].

الخاتمة:

      إن الحديث عن غزوة بدر الكبرى حديث ذو شجون، حديث لا تكَلُّ ولا تمل منه الأسماع ، حديث يبقى نوره يسري أبد الدهر، ترويه الأجيال، وتفخر به الأبطال ، ومهما تحدث عن أنوارها، فستبقى دائما نبعا مستمر العطاء،  ومعلما بارزا من معالم صمود هذا الدين في وجه الطغيان.

      فأرجوا أن أكون بهذا المقال قد جليت قبسا من أنوار هذه الغزوة المباركة، سائلا في الوقت نفسه  المولى تبارك وتعالى حُسن القبول، وجميل الجزاء، ومن القارئ بالغ العذر إن قصرت، أو أخللت.

والحمد لله الذي مَنَّ وأعطى، والصلاة والسلام على سيد هُداة البشرية محمد بن عبد الله.

 ******************

لائحة المصادر والمراجع:

ـ القرآن الكريم.

ـ الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد الزهري، دار صادر، ت: إحسان عباس، ط1، 1968م.

ـ صحيح البخاري: بعناية: محب الدين الخطيب، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وقصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، ط1، القاهرة، 1400هـ.

ـ صحيح مسلم: دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1427هـ/2006م.

ـ من معارك المسلمين في رمضان: لعبد العزيز بن راشد العبيدي، مكتبة العبيكان، ط1، 1994م.

هوتمش المقال:

(1)   أخرجه مسلم في كتاب: التفسير ، باب: في سورة براءة والأنفال والحشر (رقم الحديث:3031 ).

(2)  آل عمران: 13. 

(3)  انظر كتاب: من معارك المسلمين في رمضان: عبد العزيز بن راشد العبيدي.

(4)  أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: فضل من شهد بدرا  (رقم الحديث: 3983).

(5)  الطبقات الكبرى (3/293) .

(6)  الأنفال: 41.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق