مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةغير مصنف

شهر رمضان … ومدارسة القرآن

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم: والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

بقلم: الباحثة دة خديجة أبوري*

تقديم:

يعد شهر رمضان من أعظم مواسم المسلمين، فهو شهر الصيام والقيام، شهر البركات والخيرات، شهر العتق من النيران والفوز بالجنان، وهو الشهر الذي فضله الله على سائر الشهور، بإنزال القرآن فيه، كما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)[1]

ولذلك يستحب مدارسة القرآن فيه كما كان رسول الله يجتهد في مدارسته له، وبالأخص في لياليه المباركة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)[2].

وقد كان السلف أيضا يتركون كتب العلم؛ لأجل مدارسة القرآن، فهذا سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن[3]، وهذا الإمام مالك عليه رحمة الله -إمام دار الهجرة – كان في شهر رمضان يترك المجالس والكتب كلها، إلا مجالس القرآن الكريم، وتلاوة القرآن[4].

ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في فضل مدارسة القرآن : ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )[5].

وقبل الحديث عن هذا الموضوع ارتأيت أن أقف معكم على بيان معنى المدارسة لغة واصطلاحا فأقول وبالله أستعين:

معنى المدارسة لغة واصطلاحا:

المدارسة لغة: يقال: درس الكتاب يدرسه دراسة بمعنى: ذللته بكثرة القراءة حتى خفَّ حفظه عليه من ذلك كأدرسه[6]، ودارست الكتب وتدارستها أي: درستُها، وفي الحديث: (تدارسوا القرآن) أي: إقراؤه وتعهدوه لئلا تنسوه، وأصل الدراسة: الرياضة والتعهد للشيء[7].

والمِدْراسُ والمِدْرَسُ: الموضع الذي يُدْرَسُ فيه، والمَدْرَسُ: الكتابُ[8]. والمَدْرس: الموضع يُدرس فيه العلم؛ والمُدَرِّس: الكثير الدرس والتلاوة في الكتاب؛ والمدرسة: مشتقة من كل ذلك، وتجمع على مدارس. 
والمدرس كمحدث: الرجل الكثير الدرس أي: التلاوة بالكتابة والمكرر له ومنه مدرس المدرسة[9]

والمدارسة في الاصطلاح: من باب المفاعلة وهي المشاركة، أي: مشاركة اثنين أو أكثر يتشاركان في القراءة أي: يقرآن معا[10].

مشروعية مدارسة القرآن

وقد دلت على مشروعية مدارسة القرآن واستحبابها آيات من كتاب الله وأحاديث من سنة رسول الله.

أما من القرآن فمنه: قوله تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [11].

ومن السنة يدل عليها فعله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، فقد كانا يتدارسان القرآن في ليالي رمضان، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)[12]

 كما يشهد لمشروعيتها قوله صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا هذا القرآن، فوا الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقلها)[13].

فضل مدارسة القرآن

إن مدارسة القرآن الكريم عبادة عظيمة غفل عنها كثير من الناس، لأن أكثر ما يقوم به بعضهم اليوم تجاه القرآن هو حق التلاوة دون التدبر لآياته إلا من رحم ربك. 

والقرآن الكريم كالمسك المختوم إذا أثرته ونَقَّبْتَ فيه فاح عطره، وقد جاء في الحديث: “من أراد العلْم فليُثَوّر القرآن” [14] أي ليُنَقِّر عنه ويُفكّر في معانيه وتفسيره وقراءته[15].

وللمدارسة القرآنية فضائل عظيمة وفوائد جليلة أختصرها فيما يلي:

1- أن المدارسة سبيل للعلم والتعلم، العلم بأحكام القرآن ومعرفة أسراره وكنوزه ومقاصده. قال تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)

2- نزول السكينة والرحمة على المتدارسين للقرآن، وهي المعبر عنها في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم السكنية وذكرهم الله فيمن عنده)[16].

3- أن المدارسة والتدبر الجماعي للقرآن يحصل به الخشوع والخشية من الله في الدنيا ومن عذابه في الآخرة.

4- أن المدارسة تزيد الإيمان وترسخ اليقين في القلب، لأن كل من تدبر كتابه وفهم معانيه ومراد الله تعالى اقترب من الله أكثر، وإذا اقترب العبد من ربه اقترب الله إليه وأحبه.

5- تعين المدارسة على حفظ كتابه والعمل به.

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مدارسة القرآن في رمضان

لا شك أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو أكمل الهدي، والإقتداء به من المحبة لله، كما قال عز وجل (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)[17]

وسأبين هنا هدي رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم في مدارسة القرآن، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع القرآن من غيره أحياناً، ليكون ذلك عونا له على التدبر[18]، كما كان يعقد مجالس مدارسة في المسجد مع الصحابة، يتدارس معهم القرآن ويعلمهم معاني التنزيل، فيتوقف معهم عند معنى كل آية ويستعرض معناها.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن عباس: (أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)[19].

قال ابن حجر: “فيه أن مدارسة القرآن تجدد العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة. وأيضاً فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر متابعة سنة الله في عباده، فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود، والعلم عند الله”[20]

وقال النووي: ” وفي هذا الحديث فوائد منها: بيان عظم جوده صلى الله عليه وسلم، ومنها: استحباب إكثار الجود في رمضان، ومنها: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم، ومنها: استحباب مدارسة القرآن” [21].

وتحمل مدارسة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم للقرآن على أن كلا منهما كان يعرض على الآخر كما قال ابن حجر في الفتح[22].

قال الكوثري: “والمعارضة تكون بقراءة هذا مرة واستماع ذاك، ثم قراءة ذاك واستماع هذا، تحقيقًا لِمعنى المشاركة.”[23].

هذا هو الهدي النبوي في مدارسة القرآن عامة على وجه الإيجاز والاختصار ويتضاعف ذلك عنده في رمضان، فعلى الصائمين الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الفضيل بقدر الوسع والطاقة، ويحسنوا التعامل مع القرآن الكريم تلاوة، وحفظا، وتدبرا، وعملا، وأن يستفيدوا من أوقاتهم فيقضونها في الطاعات وفعل الخيرات.

نسأل الله تعالى أن  يجعلنا من أهل القرآن وخاصته، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

لائحة المراجع المعتمدة:

1- الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها، لحسن ضياء الدين عتر، دار البشائر الإسلامية ط1 /1409-1988.

2- تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، الملقّب بمرتضى الزَّبيدي، تحقيق: محمود محمد الطناحي، راجعه: مصطفى حجازي، وعبد الستار أحمد فراج، مطبعة حكومة الكويت، ط1396- 1976.

3- الجامع الصحيح لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قام بشرحه وتصحيحه وتنقيحه: محب الدين الخطيب، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية القاهرة، ط 1 / 1400هـ.

4- صحيح مسلم بشرح النووي، حققه وخرجه وفهرسه: عصام الصبابطي – حازم محمد – عامر، دار الحديث القاهرة، ط1 /1415هـ-1994مـ.

5- عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ، لبدر الدين العيني، دار الفكر (دت).

6- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني بيت الأفكار الدولية عمان ط 2006.

7- لسان العرب للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري،  دار صادر بيروت ( د ت ).

8- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، لزين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، تحقيق: ياسين محمد السواس، دار ابن كثير، دمشق بيروت، ط 5/ 1420-1999.

9- المعجم الكبير للحافظ سليمان بن أحمد الطبراني حققه وخرج أحاديثه حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء الثرات العربي، ط 2 /  1984 مـ .

10- النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان. ( د ت ).

 

هوامش المقال:

***************

[1]  – سورة البقرة الآية: 185.

[2] – أخرجه البخاري في صحيحه 1 /15-16 برقم: 6 كتاب الوحي باب 5 .

[3]  –  لطائف المعارف ص: 318.

[4]  – لطائف المعارف ص: 318.

[5] –  أخرجه مسلم في صحيحه ” صحيح مسلم بشرح النووي” 9 /26 برقم: 2699 كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن.

[6]  – تاج العروس 16 /65 “مادة درس” .

[7]  – لسان العرب 6 /79 ، النهاية في غريب الحديث والأثر 2 /113″مادة درس”.

[8]  – لسان العرب 6 /79.

[9]  – تاج العروس 16 /69″ مادة درس”.

[10] – عمدة القارئ 1 /75.

[11]  – سورة آل عمران 79

[12]  – تقدم تخريجه.

[13]  – أخرجه البخاري في صحيحه 3 /348 برقم: 5033، كتاب فضائل القرآن باب استذكار القرآن، ومسلم في صحيحه ” صحيح مسلم بشرح النووي” 3 /334-335 برقم: 791 كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب فضائل القرآن وما يتعلق به.

[14]  – أخرجه الطبراني في  الكبير 9 /146 برقم: 8665.

[15]  – النهاية في غريب الحديث والأثر1 /229 “مادة ثور”.                          

[16]  – تقدم تخريجه.

[17] – سورة آل عمران الآية 31.

[18] – ففي البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً : ( اقرأ علي، فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت:  (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) قال: حسبك .. فالتفت فإذا عيناه تذرفان ). صحيح البخاري 3 /351 برقم: 5050 كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ حسبك.

[19]  – تقدم تخريجه.

[20]  – فتح الباري 1 /266.

[21]  – صحيح مسلم بشرح النووي 8 /68.

[22] – فتح الباري 2 /2208.

[23] – الأحرف السبعة ومنزلة القراءات ص: 267.

 

* راجعت المقال: الباحثة فظيمة الزهرة المساري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق