مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

خصائص الأشهر الحرم ومنها رجب

يقول الإمام أبو بكر الطُّرْطُوشي (تـ520هـ): «نذكر أولا الأشهر الحُرُم وخصائصها وقيامها وصيامها وهل أحكامها منسوخة أم لا؟

قال الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم﴾، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.

ومعنى حُرُم: يَعْظُم انتهاك المحارم فيها بأشد مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تُعظّمها حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه لم يَهِجْهُ، وكانوا يسمّون رجبا: مُنْصِل الأسنّة، وينزعون فيه الأسنّة من الرماح توقّيا للقتال.
وأصل هذه اللفظة من الحرام، والحرام المحظور بعض أحواله؛ فالأم حرام لحظر نكاحها، والخمر حرام لحظر شربها والتخاذ لها والمعاملة بها، والمسجد الحرام حرام لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله بما يبتذل به غيره.
وأما قوله تعالى في أول براءة: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾، ففيه قولان، أحدهما: أنّ المراد بها بعينها، والثاني: أنّ المراد بها الأربعة التي جعل الله لهم أن يسيحوا فيها آمنين، وهو قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾، وهي: عشر من ذي الحجّة، والمحرّم، وصفر، وربيع الأول، والعشرين من ربيع الآخر، قاله الحسن.

فأمّا قوله تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾؛ فقال ابن عباس: «الضمير عائد على الشهور كلها»، وقال قتادة: «بل عائد على الأشهر الأربعة لعظم أمرها»، فإن قيل: لِم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟ قلنا: أفعال القديم عندنا لا تُعلّل، لأنّه تعالى لا يفعل لغرض وعلّة، ومن لا يفعل لغرض وعلّة لا يجوز أن يقال فيه: لِم فعل؟ ولِم لم يفعل؟ وأصحاب اللطف يجيبون عن ذلك لما في ذلك من المصلحة في الكفّ عن الظلم فيها لِعِظَم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك المظالم رأسا لانطفاء النّائرة في تلك المدة، وانكشاف الحميّة، ولأن الأشياء تجرّ إلى أشكالها وتُباعد من أضدادها، وإنّما سمّي رجباً لأنهم كانوا يرجّبونه أي يعظمونه؛ يقال: رجّبته، ورَجَبْتُه ـ بالتشديد والتخفيف ـ، أي عظّمته.

قال الكُمَيت:

ولا غيرهم أبقى لنفسي جُنّةً *** ولا غيرهم ممّن أُجلُّ وأَرْجُبُ

وقيل: سُمّي بذلك لترك القتال فيه، من قولهم: رجلٌ أرْجَبُ إذا كان أقطع لا يمكنه العمل.

وفي الحديث: «إنّ في الجنّة نهرا يقال له: رجب، ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب شرب منه، فلا تظلموا فيهن أنفسكم». قال ابن عباس باستحلال القتال والغارة في جميع شهور السَّنة، وقيل في التفسير: فلا تظلموا فيهن أنفسكم في الأشهر الحرم بالعمل بمعصية الله تعالى وترك طاعته، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: «لا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا كما فعل أهل الشرك وهي النسيء».

قال قتادة: «إن في العمل الصالح والأجر العظيم في الأشهر الحُرم، والذنب والظام فيهنّ أعظم من الظلم فيما سواهنّ، وإن كان الظلم على كلّ حال عظيما ولكن الله تعالى يعظّم من أمره ما يشاء ويصطفي من عباده ما يشاء».

كتاب الحوادث والبدع، لأبي بكر محمد بن الوليد بن محمد الطُّرطُوشي (تـ520هـ) (صفحة269 فما بعدها)، تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ الطبعة الأولى 1410هـ/1990م.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق