مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكتراث

تقريب نظم ابن عاشرشذرات من شرح العلامة الشيخ أبي عبد الله محمد بن قاسم جسوس على توحيد ابن عاشر:(1)

 

قال العلامة الشيخ أبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس:

وبعد فالعون من الله المجيد     في نظم أبيات للأمي تفيد

في عقد الأشعري وفقه مالك    وفي طريقة الجنيد السالك

وفيه إشارة إلى أن المطلوب من العبد إذا أراد أن يحاول أمرا من الأمور أن يدخل فيه بالله تعالى لا بنفسه، وذلك بأن يستحضر فقره وعجزه، وأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله تعالى، فيطلب الإعانة منه؛ فإن ما لا يعين الله عليه لا قدرة لأحد على الوصول إليه، وفي آية: ﴿وإياك نستعين﴾[1] إشارة إلى ذلك، وفي الحديث: (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت إن تشأ تجعل الحَزْن سهلا)[2]، وفي ذلك قيل[3]:

إذا كان عونُ الله للمرء ناصرا         تهيأ له من كل صعب مرادُه

وإن لم يكن عونٌ من الله للفتى        فأكثرُ ما يَجْني عليه اجتهادُه

وقيل[4]:

إذا لم يُعِنك الله فيما تريـــــــــده           فليس لمخلوقٍ إليه سبيلُ

وإن هو لم يُرشدْك فيما قصدته        ضللت ولو أن السِّماك دليل[5]

قال في الحِكم: “من علامة النُّجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات”[6]، “ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، وما تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك”[7]، فقال سيدي بن عباد رضي الله عنه: “وذلك لأن من أنزل حوائجه بالله تعالى والتجأ إليه وتوكل في أمره عليه كفاه كل مؤنة، وقرَّب عليه كل بعيد، ويَسَّر عليه كل عسير، ومن سكن إلى علمه وعقله واعتمد على قوته وحوله، وَكَله الله تعالى إلى نفسه، وخذله وحرمه توفيقَه وأهمله، فلم تنجح مطالبه ولم تتيسر مآربه، وهذا هو المعلوم على القطع من نصوص الشريعة وأنواع التجارب”.

ولذلك كانت الاستعانةُ بالله تعالى والتعلقُ به قبل الشروع في شيء من الأشياء هو أساس السلوك الذي تنبني عليه قواعده، وسيأتي بسط ذلك عند قول الناظم: “والعون في جميع ذا بربه”. وقد علمت بهذا أن في خطبة الناظم هذه آدابا حسنة مفيدة لمن كان طالبا من الله تعالى شيئا من مهماته، فجزاه الله خيرا.

وبَعْدُ”: كلمة تقال عند الانتقال من غرض لآخر، كان عليه الصلاة والسلام يستعملها في خُطبه، وفي أول من نطق بها خلاف، وهي هنا ظرف زمان أو مكان باعتبار الرقم، مبنيةٌ على الضم لقطعها عن الإضافة لفظا لا معنى، والأصل: وبعدما تقدم فالمطلوب العون، فقوله: العون، خبر لمبتدأ محذوف، والفاء جواب “أما” المقدرة أو المتوهمة.

 والعون والإعانة: الظهور على الأمر والتقوِّي عليه.

والمجيد: صفةٌ لله؛ وهو الذي [انتهى][8] في الشرف وكمال الملك واتساعه إلى غاية لا يمكن المزيد عليها ولا الوصول إلى شيء منها، قاله الشارح[9]. وقيل: معناه الذي لا يُشارَك فيما له من أوصاف المدح.

وقال شيخنا العلامة[10] في شرح الحصن[11]: مجيد: فعيل بمعنى فاعل، وأصل المجد الاتساع والكثرة، فهو واسع الجود والعطاء. وفسر أيضا بعظيم القدر وبشرف الذات. وقال حجة الإسلام في المقصد الأسنى: “المجيد: هو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل إعطاؤه، فكأن شريف الذات إذا قارنه حسنُ الفعل سُمي مجيدا، وهو الماجد أيضا، لكن أحدهما أدل على المبالغة، فكأنه يجمع معنى الجليل والوهاب والكريم”[12]. انتهـى.

وقال السهيلي: “المجيد مُشتَقّ من مجَّد واستمجد إذا زاد، ومن دعا الله تعالى باسم من أسمائه فقد طلب معنى ذلك الاسم منه؛ فمن قال: يا غفور، طلب المغفرة، فكذلك من قال: يا مجيد، طلب الإمجاد أي الزيادة، تقول العرب: أَمْجِد الناقة علفا؛ أي زِدها”[13]. انتهى.

وقوله: “في نَظْم”؛ أي على نظم؛ لأن الاستعانة وما تصرف منها إنما تتعدى للمفعول الثاني بعلى، والنظم لغةً: الجمع، مِن نظمت العقد إذا جمعت جواهره على وجه يُستحسن، واصطلاحا: الكلام الموزون الذي قُصد وزنه فارتبط لمعنى وقافية، وَوُضِع جمعُ القلة في قوله: “أبيات” مَوضِعَ جمع الكثرة وذلك كثير، ولا يقال بيوت إلا في بيت البناء دون بيت الشعر.

والأمي: منسوب إلى الأُمّة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها، ولم تتعلم الكتابة ولا قرأتها، قاله الشارح، والظاهر أن المراد به هنا من لا معرفة له بما ذكره الناظم في هذا النظم وإن كان يقرأ ويكتب؛ لأن النفع بما ذكره لا يتقيد بالأمي بالتفسير المذكور. وأما النبي الأمي فقيل منسوب إلى أم القرى وهي مكة، وقيل إلى الأمة الأمية، واللّام الجارة مُقَوِّية للعامل، وهي تفيد لتأخيره، والجملة صفة لأبيات.

وأما قوله: “في عقد الأشعري” فيحتمل أن يكون صفة ثانية لأبيات، أو حالا منها لوصفها بجملة تفيد؛ أي أبيات مفيدة للأمي كائنة في عقد الأشعري إلخ. قال الشارح: “وحاصل معنى البيتين أن الناظم طلب من الله تعالى العون على نظم أبيات تنفع الأميَّ قراءتُها وتفهم معانيها؛ لاشتمالها على ما يجب عليه تعلمه ولا يسعه تركه من العقائد والفقه والتصوف، وهو مراده بطريقة الجنيد رضي الله عنه”. انتهـى.

فالناظم رحمه الله طلب الإعانة على نظم ما يحتاج الأمي إليه من هذه العلوم الثلاثة وينفعه، ويتعلم منه ما يجب عليه تعلمه، فقد طلب رضي الله عنه الإعانة على تعليم أشرف العلوم وأوجبها وأهمها، وخير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك، وتعليم العلم أشرف المطالب، وعلم الكلام مقدم على غيره كما يأتي في قول الناظم: “أول واجب على من كلفا”، إلخ. وفي ذلك قيل:

أيها المُغتدي ليطلب علمـــــــا         كل علم عبد لعلم الكلام

تطلب الفقه كي تصحح حكما       ثم أغفلت مُنزِل الأحكام[14]

وفي علم الفقه يقول القائل:

إذا ما اعتز ذو علم بعلم      فعلم الفقه أشرف في اعتراز

فكم طيب يفوح ولا كَمِسك     وكم طير يطير ولا كباز[15]

وفي علم التصوف يقول القائل:

يا من تقاعد عن مكارم خلقه       ليس التفاخر بالعلوم الظاهرة

 من لم يهذب علمُه أخلاقَه         لم ينتفع بعلومه في الآخــرة[16]

1 2 3 4الصفحة التالية
اظهر المزيد

د. إدريس غازي

• خريج دار الحديث الحسنية ـ الرباط.
• دكتوراه في الدراسات الإسلامية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ـ فاس، في موضوع: "أصل ما جرى به العمل ونماذجه من فقه الأموال عند علماء المغرب".
• دبلوم الدراسات العليا من دار الحديث الحسنية، الرباط، في موضوع: "المنهجية الأصولية والاستدلال الحجاجي في المذهب المالكي".
من أعماله:
ـ الشاطبي بين الوعي بضيق البرهان واستشراف آفاق الحجاج.
ـ في الحاجة إلى تجديد المعرفة الأصولية.

الدكتور عبد الله معصر

• رئيس مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك بالرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق