مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةغير مصنف

المهدوية: الحقيقة والأوهام

                                 بقلم [د/محمد السرار]
المقدمة
      قضية المهدوية قضية كبرى، كثر فيها القول، وعظم بشأنها الجدل، وشغلت حيزا واسعا من مؤلفات المتقدمين والمتأخرين في فنون شتى، إذ دخلت في ميدان الاعتقاد، ومجال الحديث، ومسرح التاريخ، ومعترك السياسة، ومحتدم الحكم. وعظيم تأثير هذه المذكورات في حياة الناس ظَاهرٌ.
وقد بنت عليها كثير من الطوائف – خصوصا الشيعة بفِرَقِها- اعتقاداتها،وأَكفرت أو ضللت جملة من هذه الفرق مخالفيها بسببها، كما اتخذها المتطلبون للزعامة، والمتوثبون على الحكم مطية للوصول إليه، وكانت – لخطورتها، وعَظيم تأثيرها – وسيلة سقوط دول وقيام أخرى. ولا تزال المهدوية إلى الآن مركبا يتخذ لجمع الناس على معتقد واحد، أواختيارٍ بعينه. ونظرا لكون المهدوية ما تزال ذات تأثير كبير في حياة المسلمين بطوائفهم المختلفة، إما بالتصريح وإما بالتلويح، ونظرا لكون الكلام عليها يكشف جانبا من جوانب المؤثرات الكبرى في حياة المسلمين المعاصرة، فإنني في هذا المقال سأحاول عرض فكرة المهدوية من خلال الأصل الذي إليه ترجع، والأساس الذي عليه تستند، وتأثيرها في الحياة العامة، وخصائص الخطاب المهدوي، كل ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار دون التتبع والاستقصاء، لأن الحديث عنها طويل الذيل، متعددة الجوانب. وعليه فهذا المقال لا يُعْنَى بتتبع تفاصيل قضية المهدوية عند الشيعة؛ التي هي من عقائدهم المصرح بها، كما لا يُعْنَى بجميع أحاديث المهدي الثابتة صِنَاعَة، والتي أفردها بالتأليف جماعة من المتقدمين والمتأخرين، ولا بما دَار حول أحاديث المهدي من نقاش في القديم والحديث. لكن يعرض ذلك عرضا في غاية الاقتضاب لكونه من المداخل الضرورية لفهم “المهدوية”.
تعريف
المهدوية: نسبة إلى المهدي، وهو اسم مفعول، من: هُدِي، إذا دُل على الطريق الموصل إلى المطلوب. في القاموس المحيط: “الهُدى: الرشاد والدلالة، وهداه … أرشدهُ”. [مادة هدى: 1733].
وأما المهدي فإنه لقبٌ. وإذا أطلق انصرف إلى مصلح كبير، وقعت البشارة به، لم يأت بعد، والشيعة تزعم أن زمان ظهوره الأول مضى، وقد اختلف الناس فيه اختلافا كبيرا إثباتا ونفيا، ثم اختلف بشأنه المثبتون اختلافا عظيما من حيث حقيقته وتعيينه، ووقت ظهوره.
أخبار المهدي في روايات المحدثين، و أصل المهدوية في مذاهب المبتدعين، وأمر ادعائها من قبل الطامعين
أثبت المحدثون أخبار المهدي، ومجموعها يدل باختصار على أنه رجل شريف النسب، يجري الله على يديه إصلاحا عظيما، وأخباره من جملة الأخبار التي تسمى عند المحدثين بأحاديث الملاحم، والتي أساءت كثير من الفرق فهمها، وركب فيها المدعون غير مركب الحق  مستميلين بها رهطا من المنتفعة، وأمةً ممن بَعُد عند الفطنة. وهي في ذلك ككثير من الأخبار الثابتة التي حملها أهل الأهواء على المعاني الفاسدة تشييداً لمذاهبهم الكاسدة.
والمهدوية عند الشيعة فرع عن قولهم في الإمامة، وأنها بالتعيين والنص، وحال المهدي عندهم في العصمة كحال أئمتهم المعروفين. وقضية المهدي عندهم من جملة العقائد، وهم أشد الناس غُلُوّا فيها، وهي في مذهبهم مرتبطة بالإمامة التي لا يجوز أن تخرج عندهم عن علي – رضي الله عنه – وأولاده، وأن الإمامة في رأيهم – كما قال الشهرستاني – “ليست قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية وهي ركن الدين”. [الملل والنحل 1/146].
 وأما الصوفية المتأخرون فالمهدوية عند بعضهم مرتبطة بختم الولاية.
 وأما أدعياء المهدوية ممن لا يُعرف عنهم تشييع صريح، فحَمَلهم عليها التوثب للحكم، والطمع في الزعامة والرياسة، ووجدوا تنزيل أخبار المهدي عليهم مركبا سهلا، وألعوبة مغرية تستمال بها عقول الدهماء، وتستجر بها أهواء الأغرار. وقد كثر هؤلاء حتى صار يُكَذّب اللاحق منهم السابق، وكل يدعي أنه المهدي المعلوم . وعامة من ادعى المهدوية من هؤلاء أخذ من الشيعة شيئا، كالقول بالعصمة أو الرجعة، وقد قال ابن خلدون في ابن تومرت – وهو أشعري الاعتقاد -: “إنه كان من رأيه القول بعصمة الإمام على رأي الإمامية من الشيعة”. [التاريخ 6/226]. وسأفصل نوع تفصيل ما سبق إجماله في هذا التقديم حتى تزداد معالم هذه القضية وضوحا.
.
أ‌- المهدي عند المحدثين
أحاديث المهدي الذي وردت صفته في السنة مخالفة لما عند الشيعة، فإن غاية الأمر فيه أنه مصلح كبير من ذرية الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يأت زمانه بعد، وليست له عصمة. وقد خرج أحاديثه جماعة من أئمة الحديث فمن أصحاب السنن: أبو داود والترمذي، وابن ماجه، ومن غيرهم: الحاكم والبزار والطبراني وأبو يعلى. وقد رويت هذه الأحاديث عن جماعة من الصحابة بلغ بهم الشوكاني – فيما نقله عنه الكتاني في نظم المتناثر- خمسين صحابيا منهم: علي، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة بن عبد الله، وابن مسعود، وأبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وعبد الله بن الحارث بن جزء.
وقد اعتنى أهل الحديث بإفراد هذه الأحاديث بالتأليف، وممن له في الباب مصنف  مفرد: ابن المنادي وأبو نعيم الأصفهاني -وكتابه مشهور كثر النقل منه، وتوجد بعض أحاديث هذا الكتاب مسندة في المنار المنيف لابن القيم (146-147)-، وبدر الدين يوسف بن يحيى الشافعي، وعنوان كتابه: عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر، وهو مطبوع، والسيوطي وله: العرف الوردي في أخبار المهدي، وهو مطبوع أيضا. ومن محدثي المغرب الأقصى الذين أفردوها بالتأليف: الإمام الكبير أبو العلاء إدريس العراقي الفاسي وكتابه مخطوط محفوظ بمكتبة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء (هو تحت رقم 323/1 وقد نسب خطأ إلى والد المذكور في فهرس المخطوطات العربية والأمازيغية بمؤسسة الملك عبد العزيز 2/596 )، والعلامة المحدث سيدي أحمد بن صديق، وعنوان كتابه: إبراز الوهم المكنون، وهو رد على العلامة المؤرخ ابن خلدون في طعنه في أحاديث المهدي، وأخوه العلامة سيدي عبد الله بن الصديق وكتاباهما مطبوعان، وأما الذين تكلموا على أحاديث المهدي في غضون كتبهم، فأكثر من أن يحصروا، ومن أحسنهم كلاما في ذلك ابن القيم في (المنار المنيف ص.141 فما بعدها)، فإنه أحاط بالقضية إحاطة جامعة مختصرة.
وقد كادت أن تجتمع كلمة من صحح أحاديث المهدي – وهو الذي تقتضيه الصناعة الحيثية – أنها بلغت مبلغ التواتر، لأجل ذلك أدخلها في المتواتر العلامة محمد بن جعفر الكتاني في كتابه نظم المتناثر. ناقلا القول بتواترها عن جماعة منهم: الآبري، والسخاوي، والشوكاني، والعراقي الفاسي، والسفاريني.  
ب- المهدي عند الشيعة
لابد من التفريق بين أحاديث المهدي، التي تعددت طرقها تعددّا حمل كثيرا من أهل الحديث في القديم والحديث على الحكم بتَوَاتُرِها، وبين ‘المهدوية’ التي دخلت عقائد الشيعة لخدمة تصورهم حول الإمامة. فإن مذهبهم في الإمامة؛ المبني على كونها بالنص أو التعيين؛ لا بالاختيار، وأن المنصوص عليه أو المعيَّن رجل من أهل البيت، وأنه لابد في الزمان من إمام؛ لا يخلو منهم أفضى بهم إلى القول بآراء في غاية الغرابة، كنفي الموت عن بعض أئمتهم، والتزام مذهب تعميرهم إلى الآن، أو ادعاء الرجعة ، ونحوها من الأقوال السخيفة. وذلك كقول الجارودية – من طوائف الشيعة – بأن إمامهم المنتظر محمد بن عبد الله بن الحسن لم يمت ولم يقتل. [التبصير في الدين 16]. “وكقول الكربية التي زعمت أن محمد بن الحنفية لم يمت ولم يقتل، وأنه في جبل رضوى، وعنده عين من الماء وعين من العسل يتناول منها، وعنده أسد ونمر يحفظانه من الأعداء إلى أن يؤذن له في الخروج، وهو المهدي المنتظر عندهم”. [التبصير في الدين 19.18]. “والناووسية الذين يزعمون أن جعفرا الصادق لم يمت، وأنه المهدي المنتظر”. [التبصير في الدين 22].
وكما اختلفوا في تعيين المهدي[الملل والنحل للشهرستاني1/147. 150. 152. 159. 165. 166. 167. 169. 170. 171. 172. 173. 174 ] اختلفوا في موت الأئمة بين مثبت ونافٍ[التبصير في الدين 22.21.20]. وهذا اختلاف في قطعي محسوس، وهو : موت الأشخاص، وإنكار الحس سفسطائية يتنزه عنها العقلاء، وما أرى هذا الأمر إلا كما سماه الشهرستاني من “حماقات الرافضة” [الملل والنحل 1/166]، ثم قال: “ومن العجب أنهم  قالوا: قد امتدت –يعني: غيبة المهدي- مائتين ونيفا وخمسين سنة” [الملل والنحل 1/172] فكيف لو أدرك زماننا  ورأى من يقول بامتدادها إلى الآن، فهو إلى هذا الزمان حي، وبينهم وبينه مئات السنين.
والشيعة وإن تَمالأوا على فكرة المهدوية، واتفقوا على كثير من تفاصيلها، إلا أنهم أنفسهم اختلفوا في تعيين المهدي من هو؟ ومَهْديُهم جميعا – وإن اختلفوا في تعيينه – ظهر في – اعتقادهم – ظهورا فعليا في الدنيا، ثم اختفى وهم ينتظرونه، ويدعون بتعجيل فرجه وخروجه.
وهذه المذاهب لبعدها عن موارد الشرع ومدارك العقل، تغني حكايتها عن ردها.
ج- المهدي عند الصوفية
نص ابن خلدون (المقدمة 2/753) على أن المتقدمين من المتصوفة لم يخوضوا في قضية المهدوية، وإنما كان كلامهم في المجاهدة، وأن المتأخرين منهم الذين حدث فيهم الكلام في الكشف، وفيما وراء الحس، وظهر من كثير منهم القول بالحلول والوحدة، هم الذين أُشربوا أقوال الشيعة، وتوغلوا في الديانة بمذاهبهم، وقد جعل بعضُ هؤلاء المتصوفة المتأخرين الولايةَ مختومة بالمهدي، كما ختمت النبوة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وفذلكة كلام ابن خلدون: حصول نوع من الامتزاج بين التشيع والتصوف في كثير من التصورات، ومنها قضية المهدوية، إلا أن لكل فريق نَفَسا خاصا به في تناولها.
ومما يدل على أن بعض المشارب الصوفية، كانت في كثير من الحالات معبرا عبر منه بعض الأدعياء إلى المهدوية، وأن تلك المشارب كانت فيها قابلية لذلك:ما ذكره العلامة الحسن اليوسي في محاضراته [1/265_269] فإنه قال: “وكنت لا أحسب أن للطائفة التومرتية في دعواهم أزيد من مجرد الدعوى وتقليد شيخهم -المذكور- فكان من غريب الاتفاق أني منذ نظرات في كتب التصوف وقع في يدي كتابان في هذا العلم ينسبان لأبي زيد عبد الرحمن اللجائي، أحدهما ‘قطب العارفين’، والآخر ‘شمائل الخصوص’، فكنت أستحسنها مع العلم من نفسهما أن مؤلفهما ليس من فحول العلماء، ولكن ما فيهما حسن المسلك، سهل المدرك، فكنت أتمنى زيارة المؤلف لاعتقادي أنه من أهل الطريق، وكنت إذا ارتحلت لزيارة الشيخ عبد السلام بن مشيش -رضي الله عنه- أسأل عنه فأجده بعيدا عني حتى إذا كان الحصار على مدينة فاس -حرسها الله- حين قتلوا القائد زيدان خرجت منها وأخذت على جبل بني زروال، فإذا بجبل لجاية قريبا مني … فلما اطمأن بنا المنزل وزرنا قالوا: هل لك في أن نخرج إليك كتب الشيخ لتراها؟ فقلت نعم، فأخرجوا الكتابين المذكورين، فلما رأيتهما سررت بهما واستدللت بذلك على أنه هو ذاك، وأنه هو المؤلف لهما، وأخرجوا كتابا ثالثا مجلدا ضخما ففتحته فإذا هو يسميه ‘المقصد الأسنى، في المهدي الأقصى’ فلما رأيت ذلك ظننت أنه يتكلم في المهدي المنتظر على نحو ما تكلم عليه الأئمة وإذا هو يخرج أحاديث لعبد الرزاق، ويذكر حسابا يتضمن ظهوره إثر المائة الخامسة، وإذا هو يصفه ويذكر أحواله، وإذا كلامه في ابن تومرت المذكور”.
ومن ذلك أيضا ما نقله الناصري في الاستقصا (6/28) عن أبي العباس أحمد التواتي في شأن ابن أبي محلي أحد من ادعى المهدوية، فإنه قال فيه مخبرا عنه عن مخالطة: “كان في أول أمره فقيها صرفا، ثم انتحل طريقة التصوف مدة حتى وقع على بعض الأحوال الربانية ولاحت له مخايل الولاية فانحشر الناس لزيارته أفواجا، وقصدوه فرادى وأزواجا، وبعد صيته وكثرت أتباعه … فلما سمعت بذلك ذهبت إليه وجلست عنده إلى أن وجدته يشير إلى نفسه بأنه المهدي المعلوم”.
د- المهدوية والمتوثبون على الحكم
اتخذتْ المهدويةَ مدرجةً للحكم، وتوغل في خضخاضها جماعةٌ من المغامرين، وحمل راياتِهم طائفتان : منتفعون ومغفلون، ولم يُعلم دخول عاقل ورع تحت لواء هذه الدعوى، وتعجبني في المقام كلمة الأستاذ البحاثة السيد محمد العابد الفاسي، فإنه قال في ترجمة المهدي بن تومرت : “واقتفى طريقَه جماعةٌ من المغفلين أو المنتفعين”. (فهرس مخطوطات خزانة القرويين 4/167) ونبه ابن الأزرق – وهو مؤرخ عارف بالسياسة- في بدائع السلك في طبائع الملك إلى استظهار الموحدين على المرابطين بالدعوة المهدية.
ومن أشهر مَن تسربل بسربال المهدوية للخروج على إمام الوقت بالمغرب رجلان : فأما أولهما فهو  ابن تومرت، وهو أشهر من ادعى المهدوية، وأضاف إليها ادعاء العصمة كما نقل ذلك الأثبات من المؤرخين، وأجلهم الحافظ الناقد أبو عبد الله الذهبي في كثير من كتبه، ومنها “سير أعلام النبلاء” (19/539 فما بعدها)، وإمام أهل التاريخ العلامة ابن خلدون في تاريخه (6/226)، وقد كان ادعاؤه المهدوية مصحوبا بطلب الرياسة، وجيش لذلك الجيوش، وخرج على المرابطين، وسفك لأجل ذلك دماء، وبنى مشروعيته السياسية على المهدوية وما يتبعها من العصمة، وأمر ابن تومرت مشهور، وحاصل أمره راجع إلى ادعاء المهدوية، واتخاذها وسيلة لتغيير الدولة القائمة في زمانه بالمغرب.  وقد صنع له الإمام الذهبي في “السير” ترجمة في غاية الجمع والتحرير والإنصاف، كما وضع له الأستاذ الكبير خير الدين الزركلي في “الأعلام” (6/228) تعريفا موجزا حسنا.
وأما ثاني الرجلين فهو ابن أبي محلِّي السجلماسي أحمد بن عبد الله، وهو ثائر مشهور في عهد السلطان زيدان السعدي، تحدث بنفسه عن أوليته في كتابه : “إصليت الخريت”، وهو مطبوع، وذكره اليوسي في “المحاضرات” (1/261) ، وذكر ما ابتلي به من وسوسة المهدوية، وتتبع كثيرا من أخباره الناصري في “الاستقصا” (6/28 فما بعدها) وقد بدأ الرجل فقيها، ثم تدرج متصوفا، ثم ترقى مدعيا للمهدوية، ثم خرج على السلطان، وملك مراكش قاعدة الملك، ثم انتهى به الأمر مصلوبا بها رحمه الله، وعلق رأسه على سورها نحوا من اثنتي عشرة سنة، ومع ذلك زعم أصحابه أنه لم يمت ولكنه تغيب، وهكذا هو فعل دعوى المهدوية في عقول أتباع مدعيها، فإنها تورث سخافة العقول حتى تحمل على اعتقاد المحال، والقول بما لا يكون.
خصائص المهدوية
لقد خلصت بعد نظر في أخبار طائفة من منتحلي المهدوية، وما نقله المؤرخون من أحوالهم، أن دعاوى المهدوية هذه رغم تباعد أعصار مدعيها، وتنائي أمصارهم تشترك في خصائص لا تخطئها العين، وهي :
1. الهجوم على التنبؤات العظيمة، والجراءة على الإخبار بالغيوب المستقبلية.
وذلك كالإنباء – لأجل حماية الكتلة العددية للأتباع من التبدد – بالتحولات الكبرى في المجتمع، وقد يتسع الخطو في هذا المجال فتُعين مدة ذلك تعيينا صريحا، وهذا هو الجَفْرُ عَيْنُه، وإن لم يقع التصريح به، وطالما زخرف به أدعياء المهدوية دعاويهم.
2. القول بالعصمة أو ما يؤول إليها.
تعتقد الشيعة ثبوت العصمة لأئمتهم ، وهو من دينهم، والقول بها من الشناعات التي لا يتورعون عن الجهر بها،وهذا أمر معلوم في كتب العقائد والفِرَق. وليس من غرضي في هذا المقال مناقشة هذه القضية، وهي ظاهرة الوهاء، وإنما غرضي التعرض لارتباط ادعاء العصمة بادعاء المهدوية عند من ادعاها، وإن لم يعلم عنه تصريح بالتشيع كالمهدي بن تومرت ، وإنما اتخذ المهدوية سلما للوثوب على الحكم. وعلاوة على ما سبق نقله عن أثبات المؤرخين من نسبته إلى ادعاء العصمة فإن خزانة القرويين تحتفظ بنسخة عتيقة من موطأ ابن تومرت يسمى بمحاذي الموطأ وقع فيها نسبته إلى  العصمة. ونظرا لأهمية ما ورد في هذا النسخة فإنني سأنقل ما ذكره عنها الأستاذ الكبير السيد محمد العابد الفاسي رحمه الله في فهرس مخطوطات خزانة القرويين(1/188_190) فقال رحمه الله:”محاذي الموطأ رواية ابن تومرت نسخة أثرية في رق الغزال أصابها نقص بعض الأوراق، وتراجمها مكتوبة بالذهب والباقي بالأسود، … والآثار في نفس الكتاب أو الترجمة يخالف ترتيبها ترتيب الرواية المشهورة. والوجه الثاني للورقة الأولى مكتوب في هامشها ابتداء من أعلا: (﴿إنا فتحنا لك﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وينصرك الله نصرا عزيزا﴾). وبوسط الورقة كتابة بالكوفي أمكن معرفة ما يلي: (الإمام المعصوم المهدي المعلوم). وبالوجه الأول للورقة الثانية في الأعلى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، آمنت بالله توكلت على الله. ذي الجلال الإكرام). وبوسطها كتابة بالكوفي أيضا، وبالوجه الثاني ابتداء من أعلا الهامش: (حدثنا سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أبو محمد عبد المؤمن بن علي أعلا الله أمره وأعز نصره بحضرة مراكش حرسها الله، قال: حدثنا الإمام المعصوم المهدي المعلوم أبو عبد الله محمد بن عبد الله، غرة رمضان المعظم عام خمسة عشرة وخمسمائة …)، وهنا انقطع السند في هذه النسخة، ولم توجد بقيته ولا ما يدل عليه، ثم وقفت في نسخة ثانية ناقصة من الأواخر رقم: 574/80 على السند، فنقلته هنا إتماما للفائدة، قالت الوثيقة: (حدثا سيدنا ومولانا مستودع أسرار الخلافة المهدية، ومستقر أنواع العلوم العصمية، الخليفة أبو يعقوب بن الخليفة الإمام أمير المؤمنين -حفظه الله- تواترهم، ووصل علوهم وظهورهم يوم السبت الخامس عشر من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة. قال: حدثنا الخليفة الإمام المنصور الناصر لدين الله أمير المؤمنين -رضي الله عنهم- يوم الاثنين الثاني عشر من ذي الحجة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وحدثنا قبل في سنة اثنين وثلاثين). انتهى ما وجد بظهر الورقة الأولى من هذه النسخة، وفي وجهها بعد البسملة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الترجمة الأولى (في الأوقات): (حدثنا الإمام العدل سيدنا أمير المؤمنين أبو محمد عبد المؤمن بن علي قال: حدثنا الإمام المعصوم المهدي المعلوم أبو عبد الله محمد بن عبد الله -رضي الله عنه- في غرة شهر رمضان المعظم من سنة خمس عشرة وخمسمائة ببلد سوس برباط هرغة”.
3. الخروج بالسيف على القائم بالأمر في العصر
 المهدوية حَرَكَةٌ تغييرية وليست دعوة إصلاحية، لأن الدعوات الإصلاحية تروم إصلاح جوانب الفساد في المجتمع دون ربط ذلك بتغيير الإمامة العظمى، ودعاوى المهدوية عبر التاريخ مخالفة في هذا الباب للدعوات الإصلاحية، ولأجل ذلك فكل الدعاوى المهدوية مما كان لمدعيها أتباع، وتأتت لهم نوع شوكة، خرج أصحابها بالسيف على أئمة زمانهم،وأمر ابن تومرت وابن محلي بالمغرب معلوم معروف.
4. الامتزاج بالتصوف
ارتبطت المهدوية في جملة من نماذجها ببعض المشارب الصوفية، إما تدرجا بخروجها منها، وانبثاقها من عباءتها، وإما دعما بعد وجودها، وتأييدا عقب حدوثها. وقد سبقت النقول الملمعة إلى هذا عن ابن خلدون، واليوسي، والتواتي.
5. سذاجة عقول الأتباع
أتباع المهدي المزعوم ـ كما سبق ـ فريقان: أولهما : منتفعون بارعون في قنص الفرص، واهتبال المناسبة وهم قلة. وثانيهما وهم الجمهرة الغالبة سذج مغفلون، ولهذا يتجرؤون على الدماء إذا أمرهم مهديهم بسفكها، وقد قص المؤرخون أشياء فظيعة في هذا الباب عن أتباع المهدي ابن تومرت الذين جرّتهم السذاجة والاستيلاب إلى أن قتل الرجل أخاه لأبيه وأمه، وأية سذاجة أتم من اعتقاد العصمة، والإيمان بالرجعة بعد الموت، وهذه السذاجة أمر مشترك بين أتباع من ادعى المهدوية عبر التاريخ.
تلكم لمحاتٌ عن هذا الموضوع الخطير : أصولَ نشأة، وخصائص دعاوى. 

                                جريدة أهم المراجع
• الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. الناصري. تحقيق جعفر الناصري، ومحمد الناصري، دار الكتاب العربي، الدار البيضاء، 1418- 1997.
• الاعتقادات. الراغب الأصفهاني: أبو القاسم الحسين بن محمد (502). تحقيق: شمران العجلي. مؤسسة الأشرف ببيروت. ط1. سنة 1988.
• الأعلام. خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، الطبعة 15، 2002م.
• التبصير في الدين وتمييز الفرق الناجية عن الفرق الهالكين. أبو المظفر الأسفراييني (471). اعتناء محمد زاهد الدين الكوثري. مطبعة الأنوار. ط1. سنة 1940.
• سير أعلام النبلاء. الذهبي. تحقيق جماعة بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة، بيروت. ط.11. 1417هـ
• فضائح الباطنية. أبو حامد الغزالي. تحقيق عبد الرحمن بدوي. مؤسسة دار الكتب الثقافية بالكويت.
• فهرس المخطوطات العربية والأمازيغية. (مؤسسة آل سعود بالدار البيضاء) إعداد محمد القادري، أحمد أيت بلعيد، عادل قيبال.
• فهرس مخطوطات خزانة القرووين. محمد الفاسي الفهري. طبع بدار الكتاب بالدار البيضاء. ط.1. 1399/1979.
• المحاضرات في الأدب واللغة. الحسن اليوسي (1102). تحقيق محمد حجي، أحمد الشرقاوي إقبال. دار الغرب الإسلامي ببيروت. 1402/1982.
• المقاصد الحسنة في بيان الكثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة. السخاوي: محمد بن عبد الرحمن (902). تحقيق محمد عثمن الخشت. دار الكتاب العربي. ط.2.  1414/1994.
• مقدمة ابن خلدون. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون. تحقيق علي عبد الواحد وافى. نهضة مصر. 2004.
• الملل والنحل. أبو الفتح محمد عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني. تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل. مؤسسة الحلبي وشركائه بالقاهرة.
• المنار المنيف في الصحيح والضعيف. ابن القيم الجوزية: محمد بن أبي بكر الحنبلي الدمشقي (751).تحقيق عبد الفتاح أبو غدة. مكتبة ابن تيمية.
• نظم المتناثر في الحديث المتواتر. محمد بن جعفر الكتاني، طبع بدار الكتب السلفية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق