مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

القول المشهور3

 د/مولاي ادريس غازي

 باحث بمركز دراس بن اسماعيل.

 

ومن خلال ما ذكر يتضح ما يلي:

– أن المشهور على الإطلاق المذكور يكون مرادفا للراجح الذي لوحظ في معناه قوة الدليل الموجبة لرجحان القول.

– أن المشهور حسب هذا التعريف يدخل في اختصاص المجتهد، ويمثل إحدى دوائر اشتغاله دون المقلد، إذ لا يأخذ المجتهد من الأقوال إلا ما أيده الدليل.

– أن المقلد غير معني بالبحث في مشهور الأقوال ولا راجحها، وإنما يكتفي بتلقي ما نص عليه بالرجحان أو التشهير وما في معناهما كاطراد العمل، ويأخذه مأخذ المسلمات ما دام عاجزا عن النظر، غير مستجمع لآلات الترجيح، وهذا هو المستفاد من قول العلامة ابن فرحون مبينا أن: “ثمرة اختلافهم في المشهور هل هو ما قوي دليله أو ما كثر قائله، تظهر فيمن كان له أهلية الاجتهاد، والعلم بالأدلة وأقوال العلماء وأصول مأخذهم، فإن هذا له تعيين المشهور، وأما من لم يبلغ هذه الدرجة وكان حظه من العلم نقل ما في الأمهات فليس له ذلك، ويلزمه اقتفاء ما شهره أئمة المذهب، وما اختلف فيه التشهير بين العراقيين والمغاربة فالعمل في الأكثر على تشهير المغاربة، لأن المشهور عندهم وعند المصريين هو مذهب المدونة”[1].

والأمر نفسه نص عليه العلامة محمد عليش فيما نقله عنه القادري: “يجب العمل براجح ومشهور مذهبنا وإن لم نعلم دليله ولا قوته ولا الاتفاق عليه، فإنه أي ما ذكر من الراجح أو المشهور حجة علينا ما دمنا في ربقة التقليد (…)، ونظرنا في الأدلة والاتفاق والاختلاف فضول، إذ وظيفتنا محض التقليد وإتباع الراجح والمشهور”[2].

والخلاصة أن تعريف المشهور بالاستناد إلى معيار الكثرة العددية يبقى هو الأنسب في سياق بيان مراتب الأقوال المذهبية المعتمدة، والأليق في عرف تمييز الاصطلاحات العلمية، لتبقى مصونة عن الخلط المفهومي أو اللبس الدلالي المؤدي في مآل الأمر إلى التسيب وعدم الانضباط في الفهم.

وهكذا فالمجتهد يدور أبدا مع الدليل، والراجح عنده ما شهدت له الأدلة بالتأييد، والمرجوح عنده ما عري عن هذه الشهادة أو كان فيها ضعف، وقد تقوم الكثرة العددية مقام الدليل عينه والموجب لرجحان القول، أما المقلد فلا يسعه إلا اتباع ما نص عليه علماء المذهب بالرجحان أو التشهير أو الأشهرية أو اطراد العمل به، لأن هذا التنصيص قد يسر له ثروة من القواعد والمسلمات، وكفاه كلفة النظر والترجيح الخارجين عن طوره وقدرته، وفي هذا السياق يقول الشيخ أبو حفص عمر الفاسي: “إن ما ذكر من وجوب اتباع المشهور في المذهب وما به العمل إنما هو بالنسبة إلى العاجز عن الترجيح، القاصر عن مدارك الاختيار، فيجب عليه اتباع ما ذكر، لأن شهرة القول أو اطراد العمل به من الشيوخ المعتبرين نوع ترجيح له”[3].

وتجدر الإشارة إلى أن المشهور في اصطلاح العلماء تختلف مداركه قوة وضعفا[4]، إذ لا يلزم من شهرته كونه صحيحا،[5] “لأن الشهرة بمعنى تعدد الطرق لا تستلزم الصحة، فقد يكون المشهور صحيحا وحسنا، وقد يكون ضعيفا وموضوعا”[6]. وهذا ما نلحظه عند أهل الحديث وأهل الأصول من خلال بحوثهم حول المشهور والمستفيض، الشيء الذي يعطي صورة تقريبية لجانب من جوانب التكامل المعرفي المميز للمعارف الإسلامية وخاصة في مجال الاصطلاح، كما يدل من زاوية أخرى على أن المشهور على النعت المذكور يجد فيه المجتهد المجال الأرحب لإعمال النظر فيه والموازنة بين الأقوال المشهورة، فيعمل صحيحها ويهمل ضعيفها، كل ذلك بميزان ترجيحي سديد.[7]

 

 


[1] – كشف النقاب الحاجب ص67.

[2] – رفع العتاب والملام ص32.

[3] – تحفة الحذاق بشرح لامية الزقاق لأبي حفص سيدي عمر الفاسي ص295، طبعة حجرية بفاس عام 1306هـ.

[4] – أنظر رفع العتاب والملام للقادري ص23.

[5] – انظر تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون 1/56.

[6] – نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي للأستاذ عبد السلام العسري ص42، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب 1417 هـ/ 1996 م، مطبعة فضالة المحمدية.

[7] – أصول الفتوى والقضاء لمحمد رياض ص500.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق