مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةغير مصنف

الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف عند المغاربة – تاريخه ومظاهره الجزء الثاني-القسم الثاني

 

 

 

بقلم الباحثة: خديجة أبوري

  فهذا هو القسم الثاني من الجزء الثاني من هذا المقال، الذي سأعرض فيه بعض مظاهر احتفال المغاربة بالمولد النبوي على المستوى الشعبي فأقول وبالله أستعين: 

فأما على المستوى الشعبي: فقد اتخذت الاحتفالات بهذه المناسبة عندهم مظاهر متعددة، سواء في المساجد أو الزوايا أو الكتاتيب القرآنية وبعض البيوت بالمغرب.

إحياء ليلة المولد في المساجد، والزوايا، والكتاتيب القرآنية بالمغرب 

لعل أهم ما يلفت الانتباه من العادات والمظاهر بمختلف مدن ربوع المملكة؛ هو طريقة إحيائهم لذكرى مولد خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، والتي توارثوها أبا عن جد، فارتبطت بوجدانهم كأكبر موسم للاحتفال به وإحياء سيرته صلى الله عليه وسلم، فمبطلع شهر ربيع الأول تسمع من المساجد، والزوايا، والمدارس القرآنية قراءات جماعية للقرآن الكريم، والبردة والهمزية للبوصيري، وفي ليلة المولد السعيد وبعد صلاة المغرب يجتمع الطلبة والفقهاء في المساجد، والزوايا لتلاوة القرآن الكريم بترتيل حسن، وتدارس السيرة النبوية والتذكير بها، مع قراءة الأمداح النبوية بأبهى الأصوات الشجية والترانيم العذبة الندية، تعظيما لقدر النبي صلى الله عليه وسلم وفرحا به، ويقرؤون البردة والهمزية للبوصيري، مع الإكثار من التصلية على النبي المختار صلى الله عليه وسلم، ورائحة البخور تملأ المكان، ثم تدار كؤوس الشاي مع مختلف أصناف الحلويات، وتقدم قصاع من مختلف الأطعمة التي تم إرسالها من قبل الكرماء.

يقول العلامة المختار السوسي رحمه الله: “في الغ زاوية للفقراء ومدرسة العلماء وكلتاهما تعمر في ليلة المولد النبوي. فالزاوية بالأذكار، ورب المدرسة يملأ مجلسه بالأمداح النبوية، وقد اعتاد العلماء والطلبة الذين يجاورون الغ أن يحضروا في تلك الليلة التي تتلى فيها بالتغني على ألسنة المنشدين قصائد البوصيري من: -الهمزية والبردة-، وبانت سعاد ، ثم تقال قصائد نبوية على ألسنة أصحاب القريض من الحاضرين..[1]

ويذكر الكتاني في سلوة الأنفاس أن الشيخ الصالح سيدي أحمد بن محمد الشاوي المتوفى عام “1014هـ” كانت له خمس زوايا يطعم فيها الطعام، وكان له بكل واحدة منها تلامذة وأصحاب كثيرون يعمرونها بإقامة الصلوات فيها وقراءة الأحزاب وذكر الله عز وجل، وكان يطعم الطعام في سائر الأيام ويكثره في المولد النبوي، فيكون عنده مثل الوليمة  فرحا به[2].

ومن العادات المولدية المرتبطة بهذه المناسبة أيضا أن بعض أشياخ فاس يجتمعون من خلاله للسرادة بمسيد سيدي فْرَجْ، وكان ذلك في أواخر العهد الوطاسي واستمر هذا التقليد جاريا به العمل إلى عهد قريب[3] .

وبفاس أيضا صارت هذه المناسبة كما يقول عنها الفقيه المنوني في كتابه عن حضارات المرينيين : “موعدا لدخول الصبيان للكتاتيب القرآنية وكان البعض يأتي بهم -الصبيان– في موكب صاخب بالبوق والطبل وأنواع الطرب، وكانت هذه الكتاتيب تزين وتضاء بالشموع، ويجتمع أطفالها لترديد الصلوات النبوية، كما يقوم أحدهم ممن هو حسن الصوت بترتيل عشر من الذكر الحكيم ، ثم ينشد قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم”[4]

 إقامة المواليد في بعض بيوت الخواص :

دأب بعض الخواص إلى إقامة المواليد في بيوتهم؛ فقد كان أبو مروان عبد الملك الريفي يقيم بمنزله بسبتة المولد النبوي بحضور المريدين ومن إليهم، ويحتفل لذلك الإطعام وإنارة المكان بقناديل الزجاج والشموع، ويستعمل السماع، وهو من تلامذة أبي محمد صالح الماجري دفين أسفي والمتوفى عام 631 هـ.[5]

وكان من مآثر أبي المحاسن في هذه الليلة كما ورد ذلك في كتاب مرآة المحاسن: ” أنه رضي الله عنه كان يطعم الناس في ذلك اليوم.. ويحضر خلق من المساكين لا يحصون، فيأكلون ويحملون ما أمكن؛ يصنع ذلك في اليوم الثاني عشر في سابعه أيضا، وهو اليوم الثامن عشر على ما جرت به العادة في فاس”[6].

 كما كان إدريس بن أبي جيدة الفاسي يجعل كل صباح يوم المولد النبوي السعيد حفلة يستدعي إليها جُل أهل الخير والصلاح، فتكون ساعة مباركة يتجلى فيها الخير والبركة”[7].

وكان الفاضل بن عبد المجيد السرغيني المراكشي المتوفى عام 1322 هـ يعمل المولد كل سنة بداره، يحضره العامة الذين فيهم مزيد اعتقاد،  ودرس بالجامع الذي كان إماما به وغيره[8].

ولم يقتصر ذلك على الرجل فحسب ، بل كان للمرأة دور في إقامة المواليد. ذكر ابن سودة في كتابه سل النصال في ترجمة زينب بنت الشيخ المهدي بن الطالب ابن سودة أنها: ” كانت تقيم حفلة المولد النبوي في رابع عيد المولد من كل سنة، يحضرها العلماء، والأفاضل، وأهل إنشاد المديح، وتنفق في ذلك أموالاً لا يستهان  بها ابتغاء مرضاة الله.”[9]

                                                                                                                                                     

لائحة المراجع المعتمدة :

1 – الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام .العباس بن إبراهيم السملالي راجعه عبد الوهاب بن منصور ط/1403هـ-1983مـ.

2 – سل النصال للنضال بالأشياخ وأهل الكمال عبد السلام بن عبد القادر بن سودة تحقيق محمد حجي ط1 /1417هـ-1997مـدار الغرب الإسلامي.

3 – سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء من أهل فاس . الطبعة الحجرية فاس.

4 – مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن الإمام أبي حامد محمد العربي بن يوسف الفاسي الفهري. دراسة وتحقيق الشريف محمد حمزة بن علي الكتاني.منشورات رابطة أبي المحاسن ابن الجد.

5 – المعسول لمحمد المختار السوسي مطبعة النجاح الدار البيضاء 1380 هـ / 1961 مـ

6 – معلمة الملحون محمد الفاسي ط 1406هـ-1986مـ السفر الرابع عشر من مطبوعات الأكاديمية الرباط.

7 – المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف عبد الحق بن إسماعيل البادسي . تحقيق سعيد أعراب ط2 المطبعة الملكية 1414هـ-1993مـ.

8 – ورقات عن حضارة المرينيين لمحمد المنوني منشورات كلية الآداب ط3 1420هـ-2000مـ مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.

 

هوامش المقال:

***************

[1]  – المعسول 1 /31 – 32 .

[2] – سلوة الأنفاس 1 /276.

[3]  – معلمة الملحون 1 /134 فما بعدها .

[4] – ورقات عن حضارات المرينيين ص: 524 – فما بعدها.

[5]  – المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف ص 100.

[6]  – مرآة المحاسن ص: 189.

[7]  – سل النصال 1 /179.

[8]  – الإعلام بمن حل مراكش من الأعلام للسملالي 10 /17.

[9] – سل النصال 1 /39.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق