مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

من جهود علماء الغرب الإسلامي في توجيه متشابه الكتاب (11): الجمع بين الدعوة إلى النظر في قسمة الأرزاق بين فعل العلم والرؤية في القرآن‎

مسألة قسمة الأرزاق قضية حيرت الفهماء، وقصـرت عن إدراك سرها العقلاء، فحاولوا فك لغزها بمعزل عن وحي السماء، فجاءت تأويلاتهم سمجة شوهاء، أبعدت النجعة لبلوغ الكلمة السواء، لكن المتأمل في الآيات الداعية إلى التفكر في مسألة الرزق ليقف على الحكمة من ذلكم التفاوت، ويرتاح نفسيا من ضنك البحث المضني،  فقضية الأرزاق قسمة ربانية، لا يسع المسلم إلا الرضى بها، والتسليم لحكمها، فلا اعتراض على ما قضاه، وله الحكمة البالغة فيما أقطعه عباده وأمضاه، وبهذا التسليم وحده يستريح العبد من عنت الضيق والحنق الذي يتملك المعترضين، قال تعالى: “نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا” [الزخرف:32]، وفي الآية تصـريح بحكمة تفاوت المعايش بما أفادته لام التعليل المفسـرة، ” لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا” ، قال القاسمي: “أي فجعلنا بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا ورفعنا بعضهم، أي: بالغنى فوق بعض درجات “لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ” يعني الغني، “بعضاً” يعني الفقير، “سُخْرِيًّا” أي: مسخرا في العمل، وما به قوام المعايش، والوصول إلى المنافع، لا لكمال في الموسَّع عليه، ولا لنقص في المقتَّر عليه، بل لحاجة التضامِّ والتآلف التي بها ينتظم شملهم” .
فقضية تباين المعايش والأرزاق لا يحكمها قانون القوة، ولا تخضع لمنطق الحذق، ولا يستجلبها شدة الحرص، ولا اكتساب مهارات عقد الصفقات، أو الدراية بفن  الضرب في الأسواق .. وهذا أمر مشاهد، فلا امتلاك أسباب الثراء بمغن، ولا انعدام مسالكه بمعدم، وقد أنشدوا في ذلك قولهم:
كم عالم يسكن بيتا بالكـرا     وجاهل يملك دورا وقرى
لما قرأنا قوله سبحانـــــه     نحن قسمنا بينهم زال المرا
ولله در القاضي عياض لما أرشد السالك إلى مسلك إراحة القلب، والظفر بمستطاب العيش، فقال:
أرح قلبك العاني وسلم له  القضا        تفز بالرضى فالأصل لا يتحول
وقد راوح القرآن الكريم في تقرير هذه المسألة إلى الدعوة لتأملها بفعلين؛ فعل العلم، وفعل الرؤية فقال: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الروم:37]  وقال تعالى: “أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” [الزمر:52] و العلم غير الرؤية، فالرؤية دعوة إلى التأمل و النظر، والعلم مرحلة تيقنية ناتجة عن فعل الإراءة والتدبر، وذلك لتشمل الدعوة القبيلين؛ من قام بقلبه تردد وارتياب، ومن أذعن ورضي بقسمة الوهاب، فمن كان في المرتبة الأولى دعاه لإعمال عقله وإجالة فكره، ومن حقق المرتبة الثانية كانت له إحابة عن كثير من تساؤلاته، و بلسما لجراحاته، وقد وقف ابن الزبير الغرناطي عند هذا المعنى اللطيف، واستجلى سر تغاير الأسلوبين، أورده بتمامه لنفاسته، قال رحمه الله:  “الآية الثالثة من سورة الروم – قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” [الروم: 37]، وفي سورة الزمر: “أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ” [الزمر: 52]، ففي آية الروم: “أَوَلَمْ يَرَوْا” وفي الأخرى: “أَوَلَمْ يَعْلَمُوا”، فللسائل أن يسأل عن الفرق؟
والجواب، والله أعلم: أن سورة الروم لما تقدم فيها قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ” [الروم: 8]، وقوله تعالى: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ” [الروم: 9]، والتفكر تردد نظر ومباحثة واعتبار، والنظر المحال عليه فيما حضوا عليه من سيرهم في الأرض إنما هو استعلام وبحث واعتبار بحال من تقدمهم، ناسب ذلك قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَرَوْا”، لأن قول القائل منا لغيره: ما ترى في هذا الأمر؟ إنما يريد ابحث عما يتردد في خاطرك ويختلج في فكرك، وعرفني بما يظهر لك وتختاره، وكذا قول القائل: افعل في هذه القضية بما أراك الله، إنما يريد اجتهد وامض فيها من المتردِّد في خاطرك ما تراه أولى، والحاصل من الرأي هنا في مثل هذا غالب ظن وليس بعلم؛ لإمكان الخطأ فيما يراه، إذ لسنا بمعصومين، ولو فرضنا العصمة لكان الحاصل علماً، وفي كتاب الله سبحانه قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: “فَاحْكُم بيْنَهُم بمَا أَنزل الله”، [المائدة:48]، وإنما أحيل عليه السلام على اجتهاده والاعتبار بما لديه من الوحي وما أنزل عليه إلا أنه عليه السلام مكتنف بالعصمة والحفظ عن الخطأ والغلط فيما يراه مما يرجع إلى التبليغ وتقعيد أحكام شريعته، فالحاصل  عن نظره صلى الله عليه وسلم وما يراه علم، وأما عن نظر غيره ممن ليس بمعصوم فظن كما تقدم.
ولفظ رأى يصلح في الحالين، ويقع بالاشتراك على المعنيين وعلى الإبصار، فناسب لتردد لفظه بين هذه المعاني -وإن كان في سورة الروم يراد به العلم- ما تقدم في السورتين قوله: “أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا” وقوله: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ” لجامع التردد في وضع اللفظ، وإن كان الفكر من قبيل المتواطئ، والرؤية من المشترك إلا أن التردد حاصل في المتواطئ بلحظ التشخيص، فوضح التناسب.
وأما سورة الزمر فلم يتقدم فيها ما تقدم في سورة الروم مما يستدعي ذلك التناسب، فجيء بقوله: “أَوَلَمْ يَعْلَمُوا”، فطوبق باللفظ المعنى من حيث لا تردد فيهما ولا اشتراك، وأيضاً فقد تقدم في هذه السورة قوله تعالى: “فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا” [الزمر: 2] وقوله: “قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا” [الزمر: 11] وقوله: “قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي” [الزمر: 14]، والإخلاص مسبب عن العلم وهو ثمرته، أعني ثمرة العلم، فناسب هذا قوله: “أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ” [الزمر: 52]، فإنهم  إذا علموا تسبب عن علمهم الإخلاص إن سبقت سابقة سعادة، فناسب هذا أتم مناسبة، فهذا وجه ثان من الجواب، وكأنه مما قدم فيه المسبب وهو الإخلاص بين يدي سببه وهو العلم، ووضح على هذا أن ما ورد هنا لم يكن ليناسب ما في سورة الروم، ولا ما ورد في سورة الروم ليناسب ما في سورة الزمر، والله أعلم.”

ذ.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق