مركز الأبحاث والدراسات في القيمدراسات عامة

قيمة الصبر في الإسلام

قيمة الصبر في الإسلام

الصبر خلق وصفة أساسية في حياة المؤمن، يُعرف به حقيقة الإيمان وحسن اليقين بالله. وهو كما قال أبو طالب المكي:” من كانت التقوى مقامه، كان الصبر حاله…لأنه به يكون كف الأذى عن الخَلق واحتمال الأذى من الخَلق، وهذه من عزائم الأمور التي يضيق منها أكثرالصدور”(1). فَخُلُقٌ بلغت قيمته أعلى الدرجات لابد أن نتعرف عليه و على أنواعه وحالاته وفضائله.

1- تعريفه:

أ- لغة:

– الصبر هو الحبس(2)؛ قال تعالى: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ” (الكهف28) أي احبسها مع هؤلاء الذين يدعون ربهم واجلس إليهم ولا تجاوزهم إلى غيرهم. وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بصحبة الأخيار من أهل الصفة و الركون إليهم ضدا عن صناديد قريش.

وقال تعالى: “وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ” معناه توَاصَوْا بالصبر على طاعة الله، والصبر على الدخول في معاصيه.

– والصبر نقيض الجزع(3)، قال تعالى:”سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَصَبَرْنَا أَمْ جَزِعْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ”(أبراهيم21)؛

– والصبر: هو الشدة والقوة، يقال وقع القوم في أُمِّ صَبُر، أي في أمر ملتبس شديد ليس له منفذ(4).

ب-اصطلاحا:                                                                                                             – قال الراغب الأصفهاني: إنه حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع وعما يقتضيان حبسهما عنه؛

– وقال الجنيد: هو تجرع المرارة من غير تعبس؛

– وقال الجرجاني: ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلى الله؛

– وقال ابن القيم: حبس النفس عن الجزع، و اللسان عن التشكي، والجوارح عن التشويش(5).

فالصبر إذا هو منع وحبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن التشويش، وهو ثبات القلب عند موارد الاضطراب.

ونلاحظ أن أكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر: فمثلا العفو صبر على حق الانتقام، والجود صبر على شح النفس، والحِلْم صبر على شيطان الغضب، والعمل والاجتهاد صبر على راحة النفس وخمولها… فنرى أن “كل مقامات الدين مرتبطة بخلق الصبر”(6).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: “الإيمان نصفان، نصف في الصبر، ونصف في الشكر”(7). وقال ابن القيم رحمه الله: “فإن رأس الشكر التوحيد ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى”. ولذلك جمع المولى عز وجل هذين الخلقين في قوله تعالى: “إِنَّ ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ”(الشورى30).

وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالضياء حيث قال: الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء”(8). “وهذا الوصف فيه لطيفة حيث قال أنه ضياء أي هو نور لكن معه حرارة، كما بَيَّن ذلك تعالى” هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورأً”(يونس5). فالضياء يكون دائما معه حرارة، كذلك هو الصبر، إنه نور مع مشقة للقلب و البدن”(9).

2- مجالات الصبر في القرآن:

ذكر القرآن الكريم آيات تبين مجالات الصبر المختلفة، وهي وإن كانت محددة في ثلاثة أنواع إلا أنها تندرج تحتها عينات تقاس عليها. حيث قال ابن عباس رضي الله عنهما: “الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه:

– صبر على أداء فرائض الله تعالى، فله ثلاثمائة درجة(10)؛

– صبر عن محارم الله تعالى فله ستمائة درجة؛

– وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة. وإنما فضلت هذه الرتبة مع أنها من الفضائل على ما قبلها وهي من الفرائض لأن كل مؤمن يقدر على الصبر على المحارم، فأما الصبر على بلاء الله تعالى فلا يقدر عليه إلا الأنبياء لأنه بضاعة الصديقين، فإن ذلك شديد على النفس”(11).

وتتلخص هذه المجالات فيما يلي:

أ- صبر مطلق:

جاء في قوله تعالى: “وَالَّذيِنَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجَهِ رَبِّهِمْ…”(الرعد22)، فهو صبر مطلق غير مقيد يشمل مجالات الصبر كلها، والباعث عليه مرضاة الله تعالى، وهو ما سماه ابن القيم رحمه الله “صبر لله وذلك بترك حظوظ النفس ومرادها لما أراد الله”(12).

ب- الصبر على العبادة:

“العبادة هي طاعة المولى عز وجل وهي فعل مستمر فيه حبس النفس على مداومتها والقيام بها. ولأن فيها مشقة ومجاهدة وتعب يحتاج العبد فيها إلى صبر وإن كان يأتي بها محبة ورضا. فهي صبر مع الله، أي مع أوامر الله بحيث يدور الإنسان المسلم معها حيثما دارت، فأينما توجهت به الأوامر توجه معها. فهذا الإنسان يكون صبره دائما مع الله عز وجل حيثما كانت مرضاة الله فهو يصبر”(13). فهو ثبات القلب بالاستقامة معه. قال تعالى: “رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ” (مريم65). وقال أيضا “وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا…”(طه123). واصطبر الشخص: أي صبر وانتظر في هدوء واطمئنان دون شكوى(14). نلاحظ أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، والمعنى أن الصلاة تستوجب الصبر للمداومة عليها، وهذا يتجلى في قوله تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ…”(البقرة45).

كما أن هذه الطاعة تتطلب صحبة أهل الصلاح والصبر معهم، قال تعالى:” وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ”(الكهف28).

ولابد أن نذكر أن”المطيع يحتاج إلى الصبر على طاعته في ثلاثة أحوال:

– قبل الطاعة أي العمل: وذلك بتصحيح النية والإخلاص والصبر على شوائب الرياء، وهو من الصبر الشديد عند من يعرف حقيقة النية والإخلاص وآفات الرياء ومكائد النفس؛ وقد نبه النبي صلوات الله عليه إذ قال:”إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”(15)

– أثناء العمل: كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله…فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ، ولعله المراد بقوله تعالى:”نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا”(العنكبوت 58) أي صبروا إلى تمام العمل؛

– بعد الفراغ من العمل: إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للسمعة والرياء والصبر على النظر إليه بعين العجب، كما قال تعالى “وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ” (محمد43)”(16).

ج- الصبر على البلاء:

وهذا النوع من الصبر كان أشد على أنبياء الله لما عَانَوْهُ من تعنت أقوامهم وعدم تصديقهم لدعوتهم. حيث وردت آيات عديدة تُبَيِّن هذه المعاناة. قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: “فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ…”(الأحقاف35). وكان  صلى الله عليه وسلم قد لاقى من قومه البأس الشديد مما جعل مَلَك الجبال يخبره أن الله تعالى أمره أن يأتمر بأمر رسوله وأن يُطْبق عليهم الأخشبين إن شاء. فكان حِلْمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من غضبه، حيث فَضَّلَ الصبر على هذا الأذى وقال: “بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا”(17). ثم بين له سبحانه نتيجة هذا الصبر فقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتَّى جَاءَهُمْ نَصْرُنَا…” (الأنعام34).

ولأن المسلمين الأوائل لاقوا تعنتا وعذابا شديدا من كفار قريش، فكأنهم تَوَعَّدوا بالانتقام لأنفسهم، فأنزل الله تعالى يُرْشِدهم إلى الصواب فقال سبحانه: “وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِصََّابِرِينَ”(النحل126). بل دلهم على أحسن من الانتقام فقال عز وجل: وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ”(فصلت34-35)، فصاحب هذا الحظ هو الذي يملك من أخلاق التسامح ما يستطيع به فتح القلوب المغلقة، فَتُقبِلُ على دين الله عن طواعية واختيار.

فالصبر ضياء وبه يميز بين ذوي العزائم والهمم العالية وبين غيرهم من الذين يجزعون عند أول مصيبة. إن الصبر هو المعيار الحقيقي لقوة إيمان العبد أو ضعفه قال عنه المولى عز وجل:” وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وَنَقْصٍ مِنَ الاَمْوَالِ و الاَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الِّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوآ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (البقرة155). ولذا لابد للمؤمن أن يعلم أن المصيبة تأتي بقدر من الله وعلِْمهِ، قال تعالى: “مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَاَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ” (الحديد22). فهو سبحانه القادر على إنفاذها وهو القادر على دفعها. قال  صلى الله عليه وسلم: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لا يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف”(18).

د- الصبر على الشهوات:

قال ابن القيم رحمه الله: “الصبر على الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة، وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة…وإما أن تَثْلِمَ عِرضاً توفيره أنفع للعبد من ثَلْمِهِ (أي عرض الإنسان وسمعته). وإما أن تُذهب مالاً بقاؤه له خير من ذهابه. وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه. وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة…وإما أن تجلب همّاً وغماً وحزناً وخوفاً لا يُقارب لذة الشهوة. وإما أن تُنسي عِلماً ذِكره ألذُّ من نيل الشهوة (لأن الشهوة الحرام حجاب). وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة (كأن يكون الشخص مُوَفقاً ثم يصبح عديم التوفيق). وإما أن تُحدِث عيباً يبقى صفة لا تزول، فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق”(19).      وفي هذا قال عمر بن الحطاب رضي الله عنه: “وَرُبَّ نَظرةٍ زرعتْ شهوةً، وشهوةُ ساعةٍ أَوْرَثَتْ حُزناً طويلاً”(20).

فالصبر على الشهوة إذن أسهل ألف مرة من الصبر على ما توجبه هذه الشهوة. قال تعالى:”وَمَنَ اَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ. إنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”(القصص50).

فلا يجب أن يجعل الإنسان معيار حياته فيما يضره وما ينفعه ما مالت إليه نفسه، وإنما المعيار هو ما اختاره الله له.

هـ – الصبر على النعمة:

عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال:”ابْتُلينَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضرَّاءِ فصبرنا، ثم ابتلينا بالسراء بعده فلم نصبر”(21). قال ابن الأثير: “الضراء الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء، يريد أَنَّا اخْتُبِرنا بالفقر و الشدة والعذاب فصبرنا عليه، فلما جاءتنا السراء وهي الدنيا والسعة والراحة بَطِرْنَا ولم نصبر”(22).

وقال بعض السلف:” البلاء يَصْبِر عليه المؤمن والكافر، ولا يَصبر على العافية إلا الصِّدِّيقون” (23).

وذلك بأن:

لا يغتر بهذه النعمة ويركن إليها.

ألا يسرف في النَّهَم منها كالذي يسرف في الأكل والشرب والجماع، فيؤدي به ذلك إلى ضد مبتغاه. فلا إفراط ولا تفريط. قال تعالى:”يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”(الأنعام 29).

أن يؤدي حق الله في هذه النعم حتى لا تُسلب منه. قال تعالى:”وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ”(إبراهيم9).

ألا يصرف نعمة الله في الحرام. قال تعالى:”وَمَنْ يُبدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”(البقرة211). وقال أيضا ” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَ بِيسَ الْقَرَارُ” (إبراهيم 28-29).

فلينتبه المؤمن من استعمال نعم الله فيما يسخط ربه فتوجب له القطيعة. قال ابن القيم رحمه الله: “إذا وقعت الوقيعة، انقطعت عنه أسباب الخير واتصلت به أسباب الشر”(23).

و- الصبر على طلب العلم:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت لَيُصَلُّونَ على معلم الناس الخير.“(24) . إذا طلبت العلم تضع لك هذه الملائكة أجنحةً تكريماً لك. ولأن طالب العلم تضع له الملائكة أجنحةً تكريماً له، فلا شك أنها مكانة لا تنال إلا بالجهد والجد و المثابرة. لذلك قيل:” العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلك”(25).

وقال يحيى ابن أبي كثير:”لا ينال العلم براحة الجسم فالعلم بالتعلم و الحلم بالتحلم ومن صبر صبّره الله” (26).

وقيل للشعبي(27): “من أين لك كل هذا العلم؟ قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب”.

وقال الشافعي رحمه الله:”حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك العلم نصا واستنباطا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه.

وقال الجنيد رحمه الله:” ما طلب أحد شيئا بجد وصدق إلا ناله، فإن لم ينله كله نال بعضه”.

أحد العلماء الذين أخذوا جائزة نوبل سألوه ما تقول لطلاب العلم؟ قال: لن تتعلم حتى تتألم.

و قال الشاعر أبو تمام(28):

  لا تحسبن المجد تمرًا أنت آكله       لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر.

 ز- الصبر المذموم:

وهو الذي يكون فيه استسلام المرء وسكوته عن معصية أو ظلم مع القدرة على رده. وقد ذكر القرآن الكريم قوما تواصوا بالصبر على معتقدات فاسدة حائدة عن الحق فقال تعالى على لسانهم: “إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا” (الفرقان 42). وقال سبحانه: ” وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ”(سورة ص6).

 فهو صبر لغير الله، صبر على الباطل مصيره النار. قال تعالى: “فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ” (فصلت24).

4- فضل الصبر:

جعل الله تعالى للصابرين جزاء ينعمون به في الحياة الدنيا ثم يلقون حلاوته في نعيم الآخرة.

أ- أما في الدنيا:

جعلهم أئمة: قال تعالى:”وَجَعَلْنَا مِنْهُمُ أَيمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ”(السجدة 23).      

نصرهم على الأعداء: قال تعالى:” وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَونَ وَقَوْمَهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ” (الأعراف 137). وقال أيضا : “وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدَهُمْ شَيْئاً “(آل عمران120).

الحصول على المدد الإلهي: قال تعالى: “بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةْ مُسَوَّمِينَ”(آل عمران25).

الفوز بمعية الله: قال تعالى:”كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” (البقرة147).

حب الله تعالى: قال تعالى:” وَكَأَيِّن مِّن نَّبِئِ قُـتِلَ مَعَهُ, رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا اسْتَكَانُوا۟ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ”( آل عمران146).

ب- وأما في الآخرة:

لهم أحسن الجزاء: قال تعالى:” وَلَنَجْزِيَ الذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (النحل96).

– غفران الذنوب:  قال تعالى:”ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ”(النحل110).

الفوز بالجنة: قال تعالى:” إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُونَ” (المومنون111).

وقال أيضا سبحانه: “وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا” (الإنسان12).

 

مضاعفة الأجر: قال تعالى: ” أُولَئِكَ يُوتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا” (القصص54).

و قال أيضا سبحانه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ “(الزمر10).

 

5- الوسائل المعينة على الصبر:

 

 أ- الاستعانة بالله والاتكال عليه.

ب-   الرضا بقضائه تعالى وأنه لا مُعَقِّبَ لِحُكْمه: لا يقابل المؤمن المصائب بالسخط والضجر وليعلم أن البلاء لا ينزل إلا لأسباب يعلمها هو سبحانه وتعالى: “مَآ أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ ولاَ فِي أَنْفُسِكُمُ, إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ”(الحديد22).

ولا ترفع هذه المصائب إلا بأسباب أهمها:

التضرع إلى الله: قال تعالى:”وَلَقَدَ اَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَآءِ وَ الضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ”(الأنعام 43). ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم ما للمؤمن من خير فيما أصابه فيقول: “عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له”(29).

العلم بأن المصيبة سُنَّة الله في خلقه:  فهي أمر واقع على العباد يمتحنهم بها. قال تعالى: ” فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً. وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً” (فاطر44).

الجزع من ا لمصيبة يزيد من هَوْلِهَا: قال تعالى:” وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ…”(الحج 34). وقال صلى الله عليه وسلم:”إنما الصبر عند الصدمة الأولى”(30).

– عدم معرفة الحكمة من المصيبة: قال تعالى: “وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ”(البقرة216 ).

الله يعلم قدراتنا: قال تعالى: “لاَ يُكَلِّفَ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ” (البقرة 286). فالحق سبحانه لا يبتلينا إلا بما نحن قادرين على تحمله و بما هو في وسعنا. قال صلى الله عليه وسلم: ” استعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لَوْ أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن (لَوْ) تفتح عمل الشيطان”.(31).

العلم أن المصيبة زائلة: قال تعالى: “إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً”(الشرح 5-6).  فقد بين العلماء أن العسر يتبعه اليسر لذلك على المؤمن أن يستبشر برحمة الله وينتظر الفرج. وليعلم أن الصبر أساس الخيرات. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”(آل عمران 200). قال صلى الله عليه و سلم:” ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غَمٍّ حتى الشوكة يُشاكها إلا كَفَّرَ الله بها من خطاياه”(32)

 

المراجع:

1- كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي 1/274.

2-  لسان العرب مادة “صبر”.

3-  القاموس المحيط  مادة “صبر”.

4- لسان العرب مادة “صبر”.

5- مدارج السالكين لابن القيم. ص15.

6- نفسه ص20.

7- أخرجه البيهقي في شعب الإِيمان والخرائطي في كتاب الشكر. نقلا عن الدر المنثور 1/107.

8- رواه مسلم،حديث رقم333.

9- قاله ابن العثيمن في محاضرة له.

10- ما بين درجة إلى درجة كما بين السماء والأرض. كتاب الصبر والشكر – إحياء علوم الدين.

11- إحياء علوم الدين – كتاب الصبر و الشكر-

12- عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم.

13- عدة الصابرين لابن القيم ص 47 بتصرف.

14- معجم اللغة المعاصر مادة “صبر”. 

 15- رواه عمر بن الخطاب  .

16- إحياء علوم الدين ص62 ( بتصرف).

17-  رواه مسلم.

18-  رواه الترمذي.

19-  عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم (70-71) بتصرف.

20- رواه الماوردى فى (أدب الدنيا والدين) عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ رضى الله عنه.

21  رواه الترمذي عن عبد الرحمنِ بنِ عوف رضي الله عنه.

22- النهاية لابن الأثير 3 / 172.

23- عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن قيم.

23- مدارج السالكين.

24-  رواه الترمذي.

25- الجامع لأخلاق الراوي (2/174).

26-  رواه مسلم.

27-  هو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الشعبي الهمداني، كنيته أبو عمرو، وكان علامة أهل     الكوفة من أئمة التابعين.

28- هو الشاعر العباسي حبيب بن أوس الطائي المعروف بأبي تمام.

29 – رواه مسلم.

30 – رواه البخاري.

31- رواه مسلم.

32- رواه البخاري ومسلم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق