وحدة الإحياءدراسات عامة

سؤال الهُوية والإصلاح في المغرب الكبير

مقدمة

لعل من الأهمية بمكان، أن نحدد مفهوماً مركزياً في العنوان، يتعلق الأمر بـ”الهوية Identité”، كما نوضح لماذا استُعمِل مصطلح “مشروع”، وماذا نقصد بـ”المغرب الكبير”؟… بيد أنني قبل ذلك، أود التشديد على أن “موضوع الهوية بات واحدا من الموضوعات الأساسية التي تتصدر النقاشات السياسية والفكرية العربية في العقود الأخيرة”، وربما سيتضاعف الجدل حوله مع  تزايد حجم التحديات التي تعترض الشعوب جراء التغيرات الجوهرية التي شهدها العالم مع العُشرية الأخيرة من القرن العشرين، وبداية الألفية الثالثة.

فمما يجعل موضوع “الهوية” على درجة عالية من التجدد والتعقيد كونه من الإشكاليات التي لا تحظى بقدر مطلوب من الاتفاق. فالهوية لدى البعض “آلية دفاعية متينة تحمي أصحابَها من مظاهر الإجهاز وأشكال هيمنة الثقافة الواحدة”، في حين يعتبرها آخرون “عقبة وعائقا يحول دون اللحاق بركب الحضارة والاندماج في مسيرة العولمة”، كما يدعو صنف ثالث إلى أهمية أن تتسم الهوية بقدر من التفتح والتجدد والاغتناء”.

 وبالجملة يبدو سؤال الهوية اليوم سؤالاً “حقيقياً ومصيرياً”، وإن كان غير جديد، فكما هو معروف طُرح التفكير فيه باستمرار لحظة الاحتكاك بأوربا والاكتواء بصدمة الغرب في القرن التاسع عشر.. فما المقصود، إذن، بـ”الهوية”؟

1. غالبا ما تشترك تعريفات الهوية في “إبراز عنصري التمييز والاختلاف”، حيث إن “هوية ظاهرة ما، هي ما يجعلها مختلفة عن غيرها؛ أي إنها جملة خصائصها التي تنفرد بها، وتختلف وتتميز قياسا بغيرها”، غير أن الهوية، علاوة على سمات التميز والاختلاف والتفرد، عملية مفتوحة على التطور والتجدد، وليست حالة ثابتة أو جامدة. فقد سبق لأحد الباحثين في الفكر العربي أن حدد معنى العربي بقوله: “العربي ليس وجوداً جامداً ولا هو ماهية ثابتة جاهزة… إنه هوية تتشكل وتصير…”. مما يفيد أن الهوية تتجدد من خلال عناصر الاستمرارية والدينامية، والتغير والتفاعل المتبادل بين أجزائها ومكوناتها.

تجدر الإشارة إلى أن الأمر لا يتعلق بالبحث في مفهوم “الهوية” من حيث تحديدُه ومشتملاتُه، ليس ذلك هو القصد. إن الهدف، خلافا لذلك، يروم مقاربة سؤال الهوية من حيث كونُه الأساس الذي على قاعدته صاغت النخب الوطنية المغاربية تصوراتِها للنضال ضد الاستعمار قطريا وجماعيا، وكذا النظر في كيف أن الاستقلال الذي تم استردادُه بفضل الروح التعبوية للهوية ومقوماتها، لم تَبِّر النخب الوطنية بهذه الروح وتستمر وفيةً لها، بل تنكرت لها، وسعت، بكل  ما أوتيت من وسائل، إلى صياغة مشروع بناء الدولة الوطنية على أرضية تارة تشكك في الهوية، وطورا تلبسها لبوساً مناقضة لها.. إن من الأهمية بمكان فهم المفارقة التالية: لماذا تحول الإجماع الحاصل حول الهوية خلال النضال الوطني إلى اختلاف وتنازع وتشكيك على امتداد مسيرة بناء الدولة الوطنية؟

2. ولأن بناء المغرب الكبير لم يكتمل ويتحقق على صعيد الواقع، فقد اعتمدنا مصطلح مشروع، للتشديد على أن فكرة المغرب الكبير التي انطلقت مع بداية القرن العشرين، حين فكر أحد ملهمي الحركة الوطنية التونسية “علي باش حمبة” في ضرورة توحيد المغرب الكبير في ميدان الكفاح، ظلت تراوح مكانها، ولم تتوفر لها الشروط الكاملة لتغدو اختياراً واعياً استراتيجياً لا مندوحة عنه.

3. أما المغرب الكبير المقصود هنا، فهو المغرب الثلاثي: تونس، الجزائر، والمغرب الأقصى.. وإن كنا واعين عدم تطابق هذا التحديد مع الفضاء الاجتماعي التاريخي للمغرب، الذي يمتد من برقة شرقا وحتى طنجة شمالا وتخوم النيجر والسنيغال جنوبا؛ أي المغرب العميق بتعبير “محمد أركون”.

كيف، إذن، تم وعيُ الهوية واستثمارُها في مشروع بناء المغرب الكبير؟ نميز في الإجابة عن هذا السؤال بين لحظتين تاريخيتين أو مستويين في المقاربة:

أ‌.  لحظة المقاومة من أجل الاستقلال واسترداد السيادة الوطنية.

ب‌. لحظة ما بعد الاستقلال وبناء الدولة الوطنية.

أولا: الهوية ودينامية النضال الوطني

لاحظنا في عمل علمي سابق حول “الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب الكبير” أمرين اثنين:

 1. كيف ركّزَ الاستعمار في المغرب الكبير، خلافا لنظيره في المشرق، على الهوية وعلى الإجهاز على كل ما يرمز إليها، أكثر من تركيزه على الأرض وتقسيم التراب.

 2. ثم كيف أن الحركات الوطنية المغربية، التي ورثت واقعا تاريخيا موسوما بالتأخر، بنت بالمقابل، إستراتيجيتها  في المقاومة على أساس المجابهة بالذات وليس المبادرة؛ أي على قاعدة الدفاع وردِّ الفعل… وفي وضع محكوم بهذه الشروط قلما يتحقق عنصرُ الاجتهاد في فهم “الآخر” [الاستعمار] وإدراك وجوده واستيعاب مشاريعه، كما قد يتعذر طرح الأسئلة العميقة عن “الأنا” من حيث مصادرُ توقف تطورها وإخفاقاتها.

لذلك، خلُصنا إلى أن “الحركات الوطنية المغربية” وجدت في مفهوم الهوية، بمختلف مقوماتها، البعدَ النضالي القادر على التحسيس بواقع الاستعمار، الكفيل  بتوتير وجدان المغاربة وتنمية وعيهم أهمية معركتهم من أجل التحرر والاستقلال واسترداد السيادة الوطنية..

مما حدا بالحركات الوطنية إلى اعتماد الهوية أرضية لبلورة شعاراتها الأساسية في حقل الدفاع عن الدين، واللغة والتعليم، وكل ما يرمز إلى الشخصية المغربية في بعديها العربي والإسلامي. ولأن “الهوية كانت خط الدفاع الأول عن الذات في وجه الغزو الاستعماري، فقد كانت مقبولة من الجميع، حتى في صورتها الأكثر إمعانا في المغالاة والأكثر اندغاما بالدين” فهكذا مثلا:

ـ لم تستطع شخصية مثل الحبيب بورقيبة، المعروفة بنزوعها العلماني وعمق معرفتها وانتسابها للثقافة الغربية، وانبهارها، بحداثة الغرب، في حقبة النضال الوطني ضد الاستعمار في تونس إلا أن تعلن أن الحجاب مقوم من مقومات الهوية والشخصية الوطنية.

ـ كما رفض فرحات عباس “التنازل عن الأحوال الشخصية الإسلامية مقابل تمتع الجزائري بحقوق المواطنة الفرنسية بالرغم من أنه من “المتطورين الذين أنكروا وجود الوطن الجزائري، واعتبروا مستقبل الجزائر في فرنسا”.

تأسيساً على هذه المكانة الخاصة لمفهوم الهوية، ستصوغ النخب المغربية تصوراتها للنضال الوطني، وتستحضر فكرة المغرب الكبير وتوظفها لخلق آليات للعمل المشترك. لذلك، نميز، في هذا الصدد، بين جيلين في إطار النضال الوطني، معتمدين سنة 1930 تاريخاً فاصلاً بينهما:

الجيل الأول؛ الذي صاغ أسس “الإصلاحية” وسعى إلى تأصيلها.

الجيل الثاني؛ الذي حَوَّل “الإصلاحية” خلفية “الإيديولوجية الوطنية”، وعمقها الفكري والسياسي.

فعلى الصعيد الفكري والنضال السياسي، للجيل الأول، نُظِر إلى الاستعمار على أنه أولا وقبل كل شيء اعتداء على الدين و”مسٌّ بعزة الإسلام”، كما اعتُبِر المستعمِر “كافرا” حق فيه الجهاد. نلمس ذلك في العديد من النصوص المنتمية إلى النصف الأخير من القرن 19 والعقود الأولى من القرن العشرين..

من ذلك مثلا، الرسائل الثلاث التي وجهها الحاج أحمد باي قسطنطينة إلى السلطان محمود الثاني عامي 1836-1837، وفي “كشف الغُمَّة ببيان أن حرب النظام حق على هذه الأمة” لصاحبه أحمد الكردودي، الذي زامن ولاية السلطان عبد الرحمان بن هشام وهزيمة إسلي (1844)، وأيضا في مقاطع من الاستقصا للمؤرخ أحمد بن خالد الناصري. ففي النصوص الثلاثة تم التعبير عن صدمة الاستعمار بمصطلحات دالة من قبيل: الغمة، الجرح، وسقوط الهيبة… وللباحث أن يستنتج من هذه النصوص ما يكفي  من الدلالات التاريخية والسياسية.

لقد ترتبت عن هذه النظرة نتيجتان أساسيتان:

تتعلق الأولى ببروز دعوات الإصلاح والتجاوب مع نظيراتها في المشرق، من قبيل الوهابية وخطبة السلطان سليمان إزاءها، و زيارتي محمد عبده لتونس عامي 1884-1885/1903.

في حين تخص الثانية الاهتمام المتزايد بحقلي التعليم واللغة وما يرتبط بهما، ألم يقل ابن باديس: “لن يصلح المسلمون إلا إذا صلُح علماؤهم، لأنهم بمثابة القلب، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلُح تعليمهم”.

فهكذا، ركز الجيل الأول من الحركات الوطنية المغاربية [الجيل الممتد من تاريخ تعميم الاستعمار إلى عام 1930] على فكرة الإصلاح من زاويتي اللغة والتعليم، تقديرا من نخبته الوطنية على أن ذلك سيُساهم في تطوير النضال الوطني، وسيمكن من المحافظة على الهوية، وعلى مقومات الشخصية المغربية. نلمس ذلك لدى كل من:

ـ حركة تونس الفتاة، وجماعة لسان المغرب، وجمعية العلماء في الجزائر.

ـ وأيضا في التنظيمات المشتركة التي شهدها المغرب الكبير؛ أي “نجم الشمال الإفريقي” [1927]، و”جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا” حيث تمحورت مؤتمراتها السبعة [1931-1937] حول موضوعي اللغة والتعليم.

ـ كما نعاين ذلك في برامج كل حركة وطنية على حدة، سيما أعوام 1934 بالنسبة لمطالب الشعب المغربي، و1936 خلال مؤتمر قصر هلال في تونس، و1937 حين ظهور حزب الشعب الجزائري.

يتميز الجيل الثاني، في إطار النضال الوطني المغاربي، بميزة الانتقال من مطلب “الإصلاح” المؤسس على مفهوم الهوية بكل مقوماتها، إلى ضرورة الاستقلال، أو كما  عبّر عنه المرحوم علال الفاسي: “الاستقلال والاستقلال قبل كل شيء”، كما يتميز بكون الدعوة إلى الاستقلال، التي مثلت ثورة حقيقية في مسيرة النضال الوطني بالمغرب الكبير، لم يعضد بالقدر الكافي لتدقيق مغزاه ودلالاته التاريخية، سواء على صعيد مفهوم الاستقلال مضمونا وبرنامجا، أو على مستوى القضايا المركزية المرتبطة به.. فالوطني استوعب الاجتماعي والثقافي باسم أولوية التناقضات؛ أي ترجيح النضال الوطني بأفق الاستقلال على غيره من الاعتبارات والأسئلة..

ففي هذا الصدد، نشاطر عبد الله العروي قوله: “من يناهض أوروبا في المرحلة الأولية لا يرى نشاطه في نطاق المجابهة بين قوميتين أو جنسيتين وإنما بين تراثين ثقافيين، المهم لدى (المناهِض) هو المجابهة بالذات، لذا لا يهتم كثيرا بتشخيص هوية العدو (أوروبا أو الغرب) ولا هوية الذات (الصين، الإسلام، الشرق).

 لكل ذلك، استمرت السلفية، من حيث كونها التيار الأكثر هيمنة داخل التشكيلات الإيديولوجية للحركات الوطنية، متنفذة وموجهة للنضال الوطني بعد الإجماع على مبدأ الاستقلال، تزاول الوظائف نفسها، وتقوم بالأدوار التأطيرية والتوجيهية ذاتها، مما يفسر لماذا لم يفرز الانتقال من مطلب الإصلاح إلى مبدإ الاستقلال مفاهيم جديدة على مستوى العمل الوطني وآليات نشاطه المشترك.

ـ فعلى صعيد العمل الوطني، أدركت النخب القائدة أهمية الاستقلال وتمثلت ضرورته. لذلك،  سعت إلى تحقيقه:

   فهكذا، عبرت عريضة 11 يناير 1944 عن هذا المطلب في المغرب الأقصى، والشيء نفسه جسده الميثاق الوطني التونسي الصادر في أعقاب مؤتمر ليلة القدر في 23 غشت 1946. 

 وقبلهما بيان الشعب الجزائري في 10 فبراير 1943، الذي يعد الأرضية السياسية التي على قاعدتها قدمت الحركة الوطنية الجزائرية مطلب الاستقلال، بغض النظر عن طبيعته ومضمونه وأبعاده السياسية ونتائجه العملية.

يخترق النصوص الثلاثة خيط ناظم يتعلق بمطلب الاستقلال، علما أن الاستقلال هنا لم يقع تحديد طبيعته ولا نوعه، ولا مداه، كما أنه استقلال انفرادي متعلق بكل قطر على حده.

صحيح أن الحقبة التي أعقبت تواريخ صياغة وتقديم هذه النصوص شهدت ميلاد جيل ثان من أجهزة التنسيق والعمل المشترك، حاول استثمار فكرة المغرب الكبير وتوظيفها لتعزيز النضال الوطني والتعريف به عربيا ودوليا من خلال كل من مكتب المغرب العربي في القاهرة (1946)، ولجنة تحرير المغرب العربي (1947).. إلا أن مسألة التنسيق لم تطرح كقضية نظرية فكرية منفصلة عن النضال القطري ومتكاملة معه، بل قدمت كوسيلة وأداة ضمن تكتيك خاص بكل قطر، فبقيت صدى تابعا له، مرتهنة بحساباته وأغراضه، الواقع الذي أقره  أحد الذين عايشوا التجربة، وساهموا في بناء عناصرها، السيد “الرشيد إدريس” حين كتب يقول: “وبعد مضي الزمن تبدو الصعوبات التي اعترضتنا طبيعية؛ لأن نشاطنا كان صدى نشاط حركاتنا في الداخل وهي لم تكن قادرة على الوحدة الكاملة”.

أعتقد أن القطرية التي استبطنتها نصوص المطالبة بالاستقلال في الدول الثلاث، قد رسَّمها مؤتمر طنجة أواخر أبريل 1958.. إذ حين نقرأ الخطب المتبادلة بين وفوده، والمقررات الصادرة عن أشغاله، نستنتج مما لا يترك مجالا للشك أن القضايا المركزية التي شغلت اهتمام أطرافه، تتعلق بـ:

1. الدفع في اتجاه استقلال الجزائر كي تصبح قطراً كامل السيادة.

2. اقتراح شكل ملائم وواقعي لما يجب أن يكون عليه الفضاء المغاربي المشترك، أي الإطار الفيدرالي، الذي لا يلغي واقع الأقطار و”خصوصيتها”، بل يؤكده ويشدد على استمراريته، وهو ما حصل فعلا على صعيد الواقع، حيث جاءت الاستقلالات منفردة ومتتالية: المغرب الأقصى [02 مارس 1956]، تونس [20مارس 1956]، الجزائر [05 يوليو 1962].

ثانيا: الهوية وسيرورة بناء الدولة الوطنية

لابد أن نسجل بداية أن “بعد رحيل الاستعمار المباشر وانتهاء خطره، لم يعد سؤال الهوية تأكيدا مطلقا لها في مواجهة العدو الخارجي، بل غدا سؤالا تشكيكيا وضع الهوية نفسها موضع الاتهام من لدن النخب القائدة لبلدانها، وهي في مجملها نخب مشبعة على مستوى تكوينها، بالثقافة الغربية”، فبعدما “كان التأكيد على الهوية العربية الإسلامية حتى التضخيم، أرضيةً مشتركةً بين مجمل القوى السياسية والاجتماعية…، فإن مرحلة الاستقلال شهدت خلافاً عميقاً حول الهوية بين متمسك بها، ومتنكر لها، وراغب في تجديدها”.

ولعل المفارقة المثيرة للانتباه، أن ما كان يعد انتهاكاً وإجهازاً على الهوية زمن الاستعمار، لاسيما ما تعلق منها بالدين واللغة، أصبح زمن الاستقلال وسيرورة بناء الدولة الوطنية أمرا عادياً، بل يلقى تشجيعاً ودعماً من طرف النخب القائدة، وتفسير ذلك أن الإيديولوجية الوطنية، ذات المضامين العروبية والإسلامية، التي تصدَّت للاستعمار، واستلهمت مخزون الهوية في الكفاح الوطني غيَّرت لُبوسَها بعد الاستقلال، واتخذت من النموذج ذي المرجعية الغربية مضموناً جديداً، باسم  تأطير مشروع التنمية والتحديث والسعي إلى إنجازه.

ولقد بدا في سنوات الاستقلال الأولى أن الإيديولوجية التحديثية قد نجحت إلى حد ما في تهميش الهوية العربية الإسلامية، أو على الأقل توظيف مقوماتها ضمن منطق خاص بها، وبناء هوية بعيدة الصلة بالعمق الحضاري على أساس وطني وقطري.

لذلك، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود من الاستقلال، حصل ما يشبه الإجماع حول توقف مشروع التحديث وأصبح عصيّاً على نخبه تجاوز عُسر الانتقال إلى الحداثة… وقد تم التعبير عن هذا الوضع بمصطلحات ومفردات متشابهة، من حيث الدلالات والحمولات النقدية: تم التعبير عن ذلك بـ: “خيبة الأمل الوطنية” [استَلهِمُ هذا عنوان كتاب “Hele Bejjé” الصادر منذ سنوات و”الأزمة”، كما هو حال جل الكتابات التي حاولت تفسير ما آلت إليه أوضاع الجزائر منذ أحداث خريف 1988].

1. فعلى صعيد مشروع التنمية والتحديث، أسفرت الحصيلة عن نتائج متشابهة، من حيث الطبيعة، وإن كانت متباينة من حيث الدرجة. غير أنه يجوز القول أن المشروع لم ينجز أهدافه بالكامل.. وقد انتظرنا عقد الثمانينيات وبداية التسعينيات، لنكتشف أن الدولة الوطنية الحديثة دخلت دائرة الأزمة قبل أن تتوطد وتُرسَّخ وتصبح حقيقةَ متصالحة ومتكاملةً مع المجتمع وانتظاراته.. وهي حالة  يصلح أن نطلق عليها نعتَ الأزمة المكعبة:

 ـ حين أصبح عصيّاً على النخبة القائدة لبناء الدولة الوطنية تحقيقَ التنمية المستقلة والمستدامة.

 ـ وقد أصبح عصيّاً عليها أيضا إعادةَ تجديد مصادر المشروعية التي تآكلت، ولم تعد مقنِعة لمجتمعات عُمُر نصف  ساكنتها أكثر أو أقل من ثلاثين سنة.

ـ كما أصبح عصيّاً في مستوى ثالث، المحافظةَ على القيم وتجديدها لتستمر متناغمةً مع مرجعية المجتمعات ودائرتها الحضارية. فبالجملة نحن أمام مأزق في سيرورة بناء الدولة الوطنية وتعثر مشروع التنمية والتحديث والسعي إلى تجاوز مصادر الإعاقة التاريخية.

2. أما على صعيد البناء المغاربي المشترك، فقد كان منطقيا أن يرتبط هذا الأخير بسيرورة البناء الوطني القطري سلباً و إيجاباً. وفي ظني لا نتصور بناء مغربي عربي قوي وملتحم ومتماسك بدون استكمال بناء دول قطرية قوية متلاحمة ومتماسكة هي الأخرى.. فقوة الكل من قوة الأجزاء.. وفي هذا الصدد نفهم لماذا تعثر المشروع المغاربي مرتين بعد الاستقلال:

 أ. تعثر خلال تجربة مؤتمر وزراء الاقتصاد ما بين 1964-1975 حين تم اعتماد المدخل الاقتصادي أساسا للبناء المشترك.

 ب. تعثر مع إحداث اتحاد المغرب الكبير [1989]، حين سعت المعاهدة إلى تأسيس وعي جديد في مجال البناء المغاربي المشترك، يأخذ بعين الاعتبار مطالب وانتظارات المجتمعات في التنمية والتحديث، ويقيم أهمية للمتغيرات الدولية، لاسيما المتوسطية منها.

لقد سبق لي أن  اشتغلت علميا على التجربتين معا، فكانت ملاحظتي الجوهرية، أن ثمة خيطا ناظما يفسر مصادر الإعاقة في العمل المغربي المشترك، مفاده أن الفهم الذي ساد التجربتين معا وحكم تطورهما، افتقد عنصر الإرادة.. قد نسميها الإرادة السياسية، وقد ننعتها إرادة بناء المستقبل. وحيث أن الإرادة ظلت مفقودة غير حاضرة، فقد ترتبت عن ذلك نتائج دقيقة وخطيرة في آن معا، أهمها:

ـ تهميش القرار السياسي، حيث لم تؤسس تجربة وزراء الاقتصاد على معاهدة  ولم تعزز بأية بادرة من الملوك والرؤساء.. كما أن الاتحاد، وإن حاول تفادي ذلك، فقد ظل سجين منطق الإجماع.

ـ الخلط بين الأهداف والوسائل، حيث وقع تنزيل الوسائل منزلة الأهداف.

ـ الفقر في التصور المستقبلي، والغموض في اختيار التوجه المقصود. وفي ظني أن البناء المغاربي المشترك يحتاج، ضرورة، إلى تصور مستقبلي؛ أي إلى إبداع في تشخيص ضرورات المستقبل ومقاصده.

لكل ما سبق، نعاود طرح سؤال البدء: لماذا الهوية الآن؟

يستمد سؤال الهوية مشروعية تجدده وعودته المكثفة من مصدرين اثنين يتعذر الفصل أو الاختيار بينهما:

 أ. مصدر إخفاق البناء الوطني وترسيخ الدولة القطرية المتماسكة، الملتحمة عضويا والمتصالحة مع المجتمع.

 ب. ومصدر التحديات العامة التي ترتسم وتتشكل إلى جانبنا، وهي تحديات تشكل الثقافة والفكر والمعرفة أبرز وأخطر وجوهها، وإن كان كل من الاقتصاد والسياسة والاجتماع لا يقل أهمية عنها..

نعتقد أن الإجابة المطلوبة والممسكة باتجاه التاريخ، المؤسسة على متطلبات العقل والتفكير الإستراتيجي، لابد أن تعيد تأسيس مفهوم الهوية على أرضية جديدة، لعل أهم عناصرها:

 ـ القطيعة مع التفكير الذي يتوقف بطمأنينة وسكينة عند مقوماتها الثابتة؛ أي الدين، واللغة، والتاريخ المشترك.. مما يعني ضرورة إدخال الروح النقدية في توظيف واستثمار هذه المقومات أو الأركان، مع توسيع دائرة الهوية لتشمل عنصرا جديدا ظل غائبا على امتداد رحلة البحث عن ممكنات العمل المغاربي المشترك، وأقصد هنا: المصالح المشتركة المؤسَّسة على الوضوح في الرؤية، والواقعية في منهجية الإنجاز.

 ـ فك الارتباط بين الدولة والمجتمع وإعادة الاعتبار لاستقلاليتهما.. فتجربة أكثر من أربعين سنة في سيرورة بناء الدولة الوطنية، كشفت عن مركزية دور الدولة، وهيمنتها على المجال العمومي، إلى درجة يمكن نعتها بـ”مأسسة المجتمع” (Institutionnalisation de la société)، فكانت من نتائج هذا المسار استيعاب المجتمع وعسر انتقاله إلى امتلاك ذاتيته كمجتمع، قادر على التعبير عن مطالبه وانتظاراته. وهذا ما يفسر لماذا لم تستطع النظم السياسية المغاربية، بدرجات متفاوتة، إعادة إنتاج شرعيتها وتجاوز واقع التآكل المستمر والمتصاعد لهذه الأخيرة [الشرعية].

  ـ  يتعلق العنصر الثالث، بشرط انبثاق إرادة المستقبل؛ أي إرادة البناء المشترك.. وقد لا نتردد في القول أن النجاح في إعادة صياغة المشروع المجتمعي الذي أخفقت في تحقيقه النخب التي قادت سيرورة بناء الدولة الوطنية، سيشكل مفتاح إنجاز مشروع البناء المغاربي المشترك.. إذ ذاك فقط، يتحقق إجماع المغاربيين حول هويتهم مفهوما ومكونات.. الإجماع الذي لا يستبعد التنوع المؤسس على الاجتهاد في التفكير والاختلاف في الرأي.

الدكتور امحمد مالكي

• أستاذ العلوم الساسية في كلية الحقوق، مراكش.
• مدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية بكلية الحقوق في مراكش.
• المسؤول البيداغوجي عن ماستر " السياسات العامة والحكامة المحلية " بمراكش.
• خبير ومحكِّم لدى العديد من مراكز البحوث والجامعات العربية.
• حاصل على جائزتي "عبد الحميد شومان" و"عبد الرحمن كانو".
• عضو سابق في لجنة القراءة وإبداء الرأي في جائزة المغرب السنوية [ وزارة الثقافة].
• أصدر العديد من الكتب والدراسات العلمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق