مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

حروف الجر في القرآن الكريم: دراسة في الشبه والنظير «في» و«على» أنموذجا «الحلقة الثانية»

حرف الجر «على» وظيفته ومعناه:

ومن المعاني التي تفيدها «على»:

أحدها: الاستعلاء، إما على المجرور وهو الغالب نحو:« وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُون»[المؤمنون:22] أي على ما يقرب منه نحو:« أَوْ أَجِدُ عَلَى  النَّارِ هُدًى» [طه:10] [1] ، أو بمعنى نحو «فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة: 253] «وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة» [البقرة: 228] قَالَ ابْن مَالك: وَمِنْه الْمُقَابلَة للام المفهمة مَا يجب كَقَوْلِه:«فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنا … » [2] ، وقد يكون الاستعلاء معنويا نحو قوله تعالى: « وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُون »[الشعراء:14] ونحو: «فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ»[البقرة:253]

والاستعلاء المعنوي والمجازي كثير في القرآن الكريم وهو يكشف عن المعاني الدقيقة المقصودة من الآيات، كما في قوله تعالى: « فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِين » [التغابن:12] إنها مسؤولية البلاغ، وأداء الرسالة، الملقاة على عاتقه صلى الله عليه وسلم، وقد صورها حرف الجر «على» وكأنه يحمل أثقالا على كاهله، وقوله تعالى:«وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا»[هود:6] فهذه الآية أفادت تجسيد صفة من صفات الربوبية وهي الرزق، إذ ما من دابة على الأرض، من إنسان أو حيوان إلا وقد تكفل الخالق بتهيئة أسباب رزقها، فكما هو خالقها، كان هو رازقها ، وهذا المعنى الدلالي جسده في الآية الكريمة حرف الجر «على» تجسيدا دقيقا.

الثاني: المصاحبة: كــ«مع» نحو:« وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ »[البقرة:177] وقوله تعالى:« وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ »[الرعد:6] [3] ، ومن المواضع التي قيل فيها إن «على» أتت دالة على معنى المصاحبة قوله تعالى:« وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ »[البقرة:177] فقد ذكر الزركشي أن «على» في قوله«على حبه»للمصاحبة[4].

الثالث: المجاوزة:كــ «عن» كقوله:

إِذَا رَضَيْتَ عَليَّ بنُو قُشَيْرٍ/// لَعَمْرُ الله أَعْجَبَنِي رِضَاهَا

أي عني، ويحتمل أن رضي ضمن معنى عطف [5].

والشاهد فيه: رضيت علي، أي رضيت عني.

الرابع: التعليل: كاللام، نحو قوله تعالى:« وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون»[البقرة:185] أي لهدايته إياكم، [6] ومن المواضع التي جاء فيها حرف الاستعلاء وكان الظاهر يقتضي أن تقع اللام موقعها قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»[البقرة:143] وجاءت «على» في شهادة الرسول على أمته، وكان الظاهر أن تقع اللام موقعها باعتبارها شهادة لها لا عليها وفي ذلك يقول الزمخشري «فإن قلت: فهلا قيل لكم شهيدا وشهادته لهم لا عليهم ؟ قلت: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له، جيء بكلمة الاستعلاء. ومنه قوله تعالى:«وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»، كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »[7]

خامسا: الظرفية: كــ «في» نحو «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا » أي في حين غفلة،[القصص:15] وقوله تعالى:« وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ »[البقرة:102] أي، فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ أَوْ فِي زَمَنِ سليمان، أي زمن ملكه ويحتمل أنَّ «تتلوا» ضَمِنَ مَعْنَى تَقُولُ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ: «وَلَوْ تَقَوَّلَ علينا»[8].

السادس: موافقة من، نحو قوله تعالى: « الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُون »[المطفِّفين:2]، و قوله تعالى: «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ » [المائدة:107] أي منهم، وقوله تعالى: «كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا»[مريم:71]أَيْ كَانَ الْوُرُودُ حَتْمًا مَقْضِيًّا مِنْ رَبِّكَ.[9]

السابع: موافقة الباء: نحو « حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ » [الأعراف:105] وقد قرأ أُبَيٌّ بالباء، [10] وقالوا: اركب على اسم الله، حيث وردت في حق اللَّه تعالى فإن كانت في جانب الفضل كان معناه الوقوع وتَأكيده كقوله: « فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ وَعَلَيْنَا الحِسَاب »[الرعد:40] وقوله تعالى:« ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم»[الغاشية:26] [11]

الثامن: أن تكون زائدة للتعويض أو غيره، فالأول كقوله:

إِنَّ الكَرِيمَ وَأَبِيكَ يَعْتَمِلْ/// إِنْ لَمْ يَجِدْ يَوْما عَلَى مَنْ يَتَّكِلْ

أي: من يتكل عليه، فحذف «عليه» وزاد «على» قبل الموصول تعويضا له، قاله ابن جني، وقيل: المراد إن لم يجد يوما شيئا، ثم ابتدأ مستفهما فقال: على من يتكل؟ وكذا قيل في قوله:

وَلا يُواتِيكَ فيما نابَ مِن حَدَثٍ /// إِلّا أَخو ثِقَةٍ فَانظُر بِمَن تَثِقُ

إن الأصل فانظر لنفسك، ثم استأنف الاستفهام، وابن جني يقول في ذلك أيضا، إن الأصل فانظر من تثق به، فحذف الباء ومجرورها، وزاد الباء عوضا، وقيل: بل تم الكلام عند قوله: فانظر، ثم ابتدأ مستفهما، فقال: بمن تثق [12].

التاسع أن تكون للاستدراك والإضراب:كقولك: فلان لا يدخل الجنة لسوء صنيعه على أنه لا ييأس من رحمة الله تعالى، ومن ذلك قول الشاعر:

بكل تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يُشْفَ مَا بِنَا /// عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ البُعْدِ

ثم قال:

عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنَافِع///إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ لَيْسَ بِذِي وُدِّ

حيث أبطل ب «على» الأولى عموم قوله:«لم يشف ما بنا» فقال: بلى إن فيه شفاء ما، ثم أبطل بالثانية قوله: «على أن قرب الدار خير من البعد» [13]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] مغني اللبيب، ابن هشام الأنصاري جمال الدين، المجلد الأول ص: 196

[2] همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، جلال الدين السيوطي 2/439

[3] مغني اللبيب، المجلد الأول ص: 197

[4] البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد اللَّه بن بهادر الزركشي 4/284

[5] مغني اللبيب، المجلد الأول 197.

[6] مغني اللبيب، المجلد الأول 197.

[7] الكشاف للزمخشري 1/199

[8] مغني اللبيب، المجلد الأول 198. همع الهوامع 2/439، البرهان في علوم القرآن 4/284

 [9] مغني اللبيب، المجلد الأول 198.البرهان في علوم القرآن 4/284.

[10] مغني اللبيب، المجلد الأول، ص:198

[11] البرهان في علوم القرآن 4/284.

[12] مغني اللبيب، المجلد الأول ص: 199.

[13] مغني اللبيب، المجلد الأول، ص200-199.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق