مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

حديث للقرآن ظاهرٌ وباطنٌ

     عن الحسن البصري [1]قال: قال رسول ﷺ : «لكل آية ظهرٌ وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع»، رواه الفريابى [2]في تفسيره بإِسناد صحيح [3]، ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن عن الحسن أيضا بإِسناد حسن [4]. وروى أبو يعلى [5]والبّزار [6]والطبراني في الأوسط [7] عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «أُنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن»، رجال الحديث ثقات كما قال الحافظ الهيثمي[8]، قال ابن النقيب في تفسيره: «ظهر الآية ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أَطلَع الله عليها أرباب الحقائق»[9]. والحد هو الغامض من المعاني، والمطلع ما يتوصل به إِلى معرفته، ولا يتوصل إِلى غامض المعاني إِلا أرباب الحقائق بما أفاض الله عليهم من الأسرار والمعارف.

عليٌّ عليه السلام عنده علم الظاهر والباطن:

     روى أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : «إِن القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إِلا له ظهر وبطن. وإِن عليَّ بن أبي طالب عنده منه علم الظاهر والباطن»[10]، وروي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنا نتحدث أن النبي ﷺ عَهِد إِلى عليٍّ سبعين عهداً لم يعهده إِلى غيره»[11]. فهذا تصريح بأن الصحابة كانوا يعترفون لعليّ بتفوقه في علوم الحقائق والأسرار، وهذا مما لا نزاع فيه، وقد قال فيه النبي ﷺ: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» [12]وهو حديث صحيح كما بينه شقيقي الحافظ أبو الفيض في كتاب «فتح الملك العلي، بصحة حديث باب مدينة العلم عليّ»[13]. وقال ابن عباس: «سلّمَ الصحابة لعلي تسعة أعشار العلم، وشاركهم في العُشر العاشر»[14]، وكان عمررضي الله عنه يقول: «أعوذ بالله من قضية ليس لها أبو حسن»[15]؛ يعني علياً عليه السلام، وقال أيضا: «لولا عليّ لهلك عمر»[16]، ونَصَّ المناوي على أن عمر لم يكن يبعث علياً في الفتوحات مع شجاعته الفائقة لاحتياجه إلى علمه، وحصلت حادثة في عهد أبي بكر رضي الله عنه أشكلت عليه وعلى الصحابة، فأرشدهم ابن عباس إِلى إِحالتها على عليٍّ عليه السلام، فلمّا أجاب عنها وحل مغلقها، قال له أبو بكر والصحابة: «يا مُفرج الكروب»، وهذه الحادثة مروية بإِسنادها في كتاب المجتنى لابن دريد[17]. ولهذا كان عليٌّ عليه السلام أستاذ الصوفية ورئيسهم، كما قال الجُنيد وابن العربي الحاتمي وغيرهما، وسلسلة الطريق لا تتصل إِلا به، ولا تنتهي إِلا إليه، بالتلقين والاقتداء والصحبة كما فصّله أخي في البُرهان الجلي [18].

الهوامش :

[1]الإعلام بأن التصوف من شريعة الإسلام، عبد الله بن الصديق، مراجعة وتخريج وتعليق، د. طارق العلمي، ط. الأولى 1435هـ/2014م، دار ابن حزم للطباعة والنشر، ص 27-38.

[2] هو محمد بن الحسن بن المستفاض، الإمام الحافظ الثبت، شيخ الوقت، أبو بكر الفريابي القاضي، ولد سنة سبع ومئتين، قال عنه الخطيب البغدادي: كان ثقة حجة أوعية العلم، ومن أهل المعرفة والفهم، طوف شرقا وغربا، ولقي الأعلام، سير أعلام النبلاء (14/96-98).

[3] تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية: جلال الدين السيوطي، (ص9).

[4] فضائل القرآن ومعالمه وآدابه: أبو عبيد القاسم بن سلام، دراسة وتحقيق الأستاذ أحمد بن عبد الواحد الخياطي، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط.1415ﻫ/1995م، (1/277).

[5] أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده، عن المغيرة عن واصل بن حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص، رقم5149، حققه وخرج أحاديثه حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى: 1407هـ-1987م.

[6] أخرجه البزار في مسنده، عن أبي الأحوص، رقم2049، تحقيق الدكتور محفوظ الرحمان زين الله، مكتبة العلوم والحكم، ط. 1424هـ-2003م.

[7]المعجم الأوسط: الطبراني، من طريق واصل حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص، رقم773، تحقيق أبو معاذ بن عوض الله بن محمد، أبو الفضل عبد المحسن الحسيني، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، ط. 1415هـ-1995م.

[8]مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: الحافظ نور الدين الهيثمي،كتاب التفسير باب القراءات وكم أنزل القرآن على حرف، (7/229). تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان، الطبعة الأولى: 1422هـ-2001م.

[9] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: أبو الفضل شهاب الدين الآلوسي، (1/29)، طبعة 1426هـ-2005م، دار القاهرة. وتأييد الحقيقة العلية: للإمام السيوطي، (ص9).

[10] حلية الأولياء، (1/105).

[11] حلية الأولياء، (1/109).

[12] الاستيعاب في أسماء الأصحاب: ابن عبد البر، مكتبة مصر، دون تاريخ، بلفظ قول النبي ﷺ: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه، (3/22). وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، رقم4637.

[13] فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي: أحمد بن محمد بن الصديق، طبع مع كتاب علي إمام العارفين لنفس المؤلف، الطبعة الثالثة1430هـ-2008م. مكتبة القاهرة، وقال عنه: ورجال هذا السند كلهم عدول ضابطون، (ص7).

[14]الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبد البر (3/23).

[15]المصدر نفسه، (3/22). حيث جاء عن سعيد بن المسيب قوله: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن.

[16] نفسه، (3/22).

[17]المجتنى: لابن دريد، باب ما حفظ من كلام علي رضي الله عنه، تحقيق: عبد المعيد خان، الطبعة الثالثة، دار الشرق العصمانية للنشر، (ص23).

[18]البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي: أحمد بن محمد بن الصديق، مطبعة السعادة – القاهرة- ط. الأولى: 1389ﻫ/1969م.

Science

د. طارق العلمي

  • أستاذ باحث في الرابطة المحمدية للعلماء، متخصص في المجال الصوفي.

إصداراته:

  • منهج الإمام الجنيد وخصائص الممارسة الصوفية بالمغرب. (بالاشتراك) (مطبوع).
  • الإعلام بأن التصوف من شريعة الإسلام: عبد الله بن الصديق الغماري، ضبط وتعليق وتقديم. (مطبوع).
  • شرح سيدي محمد بن زكري لحكم ابن عطاء الله.. (قيد الطبع)
  • التجربة الصوفية في الغرب الإسلامي: القرن السادس الهجري. (قيد الطبع).
  • معالم المنهجية الاستقرائية عند الشاطبي واستثمارها في مجال الأخلاق.
  • نشرت له مجموعة من المقالات المتخصصة في الشأن الصوفي.

شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق