مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكتراث

تقريب نظم ابن عاشر شذرات من شرح العلامة الشيخ أبي عبد الله محمد بن قاسم جسوس على توحيد ابن عاشر(2)

قال العلامة الشيخ أبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس شارحا لقول الناظم:

مقدمة لكتاب الاعتقاد          معينة على المراد

وبدأ ببيان الحكم العقلي فقال:

“وحكمنا العقلي قضية بلا   *   وقف على عادة أو وضع جلال”

الحكم لغة؛ كما في الصحاح وغيره هو القضاء، والقضاء هو الحكم، ففسروا كل واحد منهما بالآخر، والقضاء مرجعه للكلام، فإذاً الحكم في اللغة كلام، وهو أعم من كونه لفظيا أو نفسيا، قديما أو حادثا.

وأما في الاصطلاح فيطلق كما قال الأشموني وسعد الدين في التلويح بإزاء معان ثلاثة:

نسبةُ أمر إلى أمر إيجابا أو سلبا، وهو اصطلاح فقهي.

وإدراكُ وقوع النسبة أو لا وقوعها ويسمى تصديقا وهو اصطلاح منطقي.

وخطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاء أو تخييرا وهو اصطلاح أصولي.

وهو بمعنى الأول والثاني في ما صدقات المعنى اللغوي. وأما بالمعنى الثاني وهو الاصطلاح المنطقي فقال سيدي عبد الرحمان في حواشي الصغرى: فإن قصرت الحكم فيه على الإدراك بدون اعتبار إذعانٍ وقبولٍ لذلك فهو من قبيل العلم لا الكلام، وإن اعتبرنا فيه مع الإدراك الإذعان والقبول لذلك كما هو معتبر في الإيمان فهو من أجل ذلك الاعتبار من كلام النفس وحكمها وإذعانها وقبولها لما أدركته، فيناسب بذلك الاعتبار اللغة أيضا. وقد قال التفتزاني إن المفهوم من الإثبات والنفي إيقاع النسبة وانتزاعها، بمعنى إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة والإذعان والقبول لذلك على ما هو حقيقة التصديق والحكم. انتهـى. فاعتبر الإذعان والقبول في الحكم، وهو أحد قولي الأشعري من أن التصديق قولٌ في النفس بعد المعرفة، وهو الذي ارتضاه القاضي[1] لا مجرد المعرفة والإدراك؛ لأن التصديق والتكذيب بالأقوال أجدر. انتهـى.

وبما تقدم أن الحكم عرفا يطلق بإزاء تلك المعاني [الثلاثة] تعلم أنه لا يصح تفسير الحكم بكونه إثبات أمر أو نفيه وتقسيمه بهذا المعنى إلى عقلي وشرعي وعادي؛ لأنها اصطلاحات متعددة، فلا يصح تفريعها على ذلك المعنى الذي فسر به الحكم كما أشار إلى ذلك في الحواشي المذكورة.

وقد أشار إلى ذلك أيضا سيدي العربي الفاسي صاحب المراصد في بعض تقاييده حسبما وقفت عليه بخطه ونصه: ولا يصح في الأذهان أن يكون الحكم المفسَّر بالخطاب مندرجا تحت الحكم المفسَّر بإثبات أمر أو نفيه؛ فإن الحكم الشرعي بالمعنى المذكور إنما هو كلام نفسي وخطاب أزلي، والحكم الذي هو إثبات أمر أو نفيه إنما هو إدراك أو فعل، على أن الشيخ يرى أنه إدراك كما صرح به في شرح مقدمته، وهو رأي الأكثرين، والحق الذي لا شك فيه، وإدراج الكلام تحت الإدراك إخراج للأمور عن حقائقها واستزلال للعقول عن مداركها، وإنما أوقع في ذلك التوهُّمُ فيما يقال بالاشتراك أنه مقول بالتواطي. ثم قال بعد كلام: فالجواب أن الحكم بحسب اصطلاح الأصوليين والمناطقة والمتكلمين والفقهاء مَقول على الإدراك العقلي وعلى الخطاب الشرعي وعلى غير ذلك بالاشتراك اللفظي فقط لا المعنوي كما اقتضاه صنيع الشيخ رحمه الله، كما أنه بحسب الاصطلاح وبحسب اللغة حقيقة عرفية وحقيقة لغوية. انتهـى المراد منه.

وفي حواشي الغنيمي: غيرُ خافٍ عليك أن قِسم الشيء ما كان مندرجا تحت المُقسم وأخصَّ فيه، والأمر هنا ليس كذلك، فإن المقسم هنا هو الحكم الذي فسره بأنه هو إثبات أمر أو نفيه، وهو بهذا المعنى لا يصدق على الحكم الشرعي الذي فسره بأنه خطاب الله المتعلق إلخ كما هو شأن المُقسم مع أقسامه؛ إذ هو من قبيل التصور الذي لا حكم معه بخلاف الحكم الذي هو المقسّم. ثم قال: فلا يصح أن يكون الحكم بمعنى خطاب الله تعالى قسما من الحكم بمعنى إثبات أمر أو نفيه كما هو ظاهر عبارة الشيخ رحمه الله، على أن الحكم فيه ما هو من قبيل الإنشاء وهو الطلب، والمقسّم ظاهر في عدم تناوله للحكم الإنشائي، فليتأمل، فلابد من التصحيح وهو ممكن، لكن تركناه هنا إحالة على من له (أو قوله) فهم صحيح. لا يقال في وجه التصحيح أن هذا البحث إنما يظهر إذا فسرنا الخطاب بالكلام النفسي كما سبق لنا، وأما على طريقة الشيخ الذي فسره بما خوطب به من إطلاق المصدر على المفعول فلا يأتي هذا البحث؛ لأنا نقول هذا فاسد لا يروج إلا على من حاله كاسد. انتهـى.

وقد تعقب أيضا التقسيم المذكور السكتاني ونصه: قوله وينقسم إلى ثلاثة أقسام إلخ، أما انقسامه إلى عادي وعقلي فواضح، وأما انقسامه إلى شرعي فمشكل، ووجه الإشكال فيه أن الحكم إما أن يكون إدراكا؛ أي إدراك النسبة فيكون انفعالا، أو فعلا من أفعال النفس، وعليهما فلا يصدق على الشرعي؛ أما على الأول فإن المصنف كغيره من الأصوليين عرف الشرعي بأنه خطاب الله  تعالى، وخطابه كلامه، والكلام غير الإدراك. وأما على الثاني فإن الفعل حادث، والخطاب كلام قديم، ولا يصدق الحادث على القديم، والمقسم يجب صدقه على جميع الأقسام. والجواب أن في تعبير المؤلف بالأقسام مسامحة، وأن مراده أن الحكم يطلق بإزاء معنيين: أحدهما ما ذكره المصنف، والآخر خطاب الله الذي هو الكلام. انتهـى.

وقد قال في التلويح بعدما تقدم عنه من أن الحكم يطلق بإزاء المعاني [الثلاثة] ما نصه: “ولما كان مدلول الخبر هو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم أي معلوم لمعلوم أو نفيه عنه، فالمحكوم به في خبر الشارع إن كان هو الحكم الشرعي يعني مثل: ﴿كتب عليكم الصيام﴾[2]، ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾[3]، فلا يخفى أنه يفيد ثبوت الحكم الشرعي من غير أن يُجعَل مجازا عن الإنشاء، وإن لم يكن كذلك فوجه إفادته للحكم الشرعي أن يُجعل الإثباتُ مجازا عن الأمر، والنفيُ مجازا عن النهي، فيفيد الحكمَ الشرعي بأبلغ وجه.” انتهـى.

قال سيدي عبد الرحمان: وبما ذكره من رجوع الأمر والنهي إلى الإثبات والنفي يصح تقسيم الحكم المفسر بالإثبات والنفي إلى ما ذكر من الشرعي والعادي والعقلي، وإن كان في الإنشاء مجازا كما ذكره صاحب التلويح. انتهـى المراد منه بلفظه.

الهوامش:


[1]– أي القاضي أبو الطيب الباقلاني.

[2]– سورة البقرة، الآية: 183.

[3]– سورة البقرة، الآية: 275.

د. إدريس غازي

• خريج دار الحديث الحسنية ـ الرباط.
• دكتوراه في الدراسات الإسلامية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ـ فاس، في موضوع: "أصل ما جرى به العمل ونماذجه من فقه الأموال عند علماء المغرب".
• دبلوم الدراسات العليا من دار الحديث الحسنية، الرباط، في موضوع: "المنهجية الأصولية والاستدلال الحجاجي في المذهب المالكي".
من أعماله:
ـ الشاطبي بين الوعي بضيق البرهان واستشراف آفاق الحجاج.
ـ في الحاجة إلى تجديد المعرفة الأصولية.

الدكتور عبد الله معصر

• رئيس مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك بالرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق