مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

“بَلاغَة المَعْنى” في “أسرار البلاغَة” (الحلقة الثانية)

مظاهِرُ الرُّؤيَةِ الدَّلاَلِيَةِ، أَو مَظَاهِرُ النَّظَرِ في المَعْنَى الشِّعْرِيِّ
1- المَظْهَرُ الأَوَّلُ: مَفْهُومُ الخَصَائصِ الدَّلاَلِيَّةِ:
المَقْصُودُ بِالخَصَائِصِ الدَّلاَلِيَّةِ مَجْمُوعُ العَناصِر الدَّلاَلِيَةِ وَمُقَوِّماتِ المَعْنَى الماثِلَةِ فِي اللَّفْظِ، وَيُمْكِنُ تَقْسيمُها إِلَى مُقَوِّماتٍ أَو خَصَائِصَ نَحْوِيَّةٍ تُحَدِّدُ وَظيفَةَ اللَّفظِ النَّحوِيَّةَ في التَّركِيب، والمِثالُ عَلَى ذَلكَ قَولُ بَعْضِ النُّحَاةِ في خَصائِصِ الاسْمِ: “الاسمُ تَخُصُّهُ أَشْيَاءُ يُعْتَبَرُ بِهَا…” (1)، ومُقَوِّماتٍ أو خَصَائِصَ مُعْجَمِيَّةِ تُحَدِّدُ وَظيفَةَ اللَّفظِ الدَّلالِيَةَ، وقد حَاوَلَ عُلَماَءُ اللُّغَةِ وَأَصحَابُ المَعَاجِمِ أَنْ يَحْصُروها في تَعْرِيفِهِم الشَّيْءَ بِما يَتَضَمَّنُهُ مِنْ عَناصِرَ مُعْجَمِيَّةٍ، وَمُقَوِّمَاتٍ أَو خَصَائِصَ بَلاَغِيَةٍ تُحَدِّدُ وَظيفَةَ اللَّفْظِ الشِّعْرِيَةَ، إِلاَّ أَنَّ الخَصَائِصَ النَّحْوِيَةَ والخَصَائِصَ المُعْجَمِيَّةَ عَناصِرُ وَمُقَوّمَاتٌ ثَابِتَةٌ فِي اللَّفْظِ تُوجَدُ فِيهِ بِالوَضْعِ والأَصَالَةِ وَبِهَا يَتَحَدَّدُ. أَمَّا الخَصَائِصُ البَلاَغِيَةُ فَهِيَ عَناَصِرُ تَنتَقِلُ إلَى الكَلِمَةِ بَعْدَ أَن لَمْ تَكُنْ فِيها، تَنتَقِلُ إِلَيْهَا بِضَرْبٍ مِن النَّقلِ والاسْتِعَارَةِ والتَّجَوُّزِ والتَّشْبِيهِ وَسَائِرِ تِقْنِياتِ تَحْوِيلِ المَعْنَى، وَهِيَ فَرعِيَّةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ، وَلاَ تُدرَكُ إِلاَّ مِن خِلاَلِ المُقَوِّماتِ الأَصْلِيَّةِ الثَّابِتَةِ، وذَلِكَ للتَّمَكُّنِ مِن إدرَاكِ حَرَكَةِ الانتقَالِ التِي حَصَلَتْ فِي اللَّفْظِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ القَاهِر الجُرْجَانِي:

مظاهِرُ الرُّؤيَةِ الدَّلاَلِيَةِ، أَو مَظَاهِرُ النَّظَرِ في المَعْنَى الشِّعْرِيِّ

1- المَظْهَرُ الأَوَّلُ: مَفْهُومُ الخَصَائصِ الدَّلاَلِيَّةِ: 

المَقْصُودُ بِالخَصَائِصِ الدَّلاَلِيَّةِ مَجْمُوعُ العَناصِر الدَّلاَلِيَةِ وَمُقَوِّماتِ المَعْنَى الماثِلَةِ فِي اللَّفْظِ، وَيُمْكِنُ تَقْسيمُها إِلَى مُقَوِّماتٍ أَو خَصَائِصَ نَحْوِيَّةٍ تُحَدِّدُ وَظيفَةَ اللَّفظِ النَّحوِيَّةَ في التَّركِيب، والمِثالُ عَلَى ذَلكَ قَولُ بَعْضِ النُّحَاةِ في خَصائِصِ الاسْمِ: “الاسمُ تَخُصُّهُ أَشْيَاءُ يُعْتَبَرُ بِهَا…” (1)، ومُقَوِّماتٍ أو خَصَائِصَ مُعْجَمِيَّةِ تُحَدِّدُ وَظيفَةَ اللَّفظِ الدَّلالِيَةَ، وقد حَاوَلَ عُلَماَءُ اللُّغَةِ وَأَصحَابُ المَعَاجِمِ أَنْ يَحْصُروها في تَعْرِيفِهِم الشَّيْءَ بِما يَتَضَمَّنُهُ مِنْ عَناصِرَ مُعْجَمِيَّةٍ، وَمُقَوِّمَاتٍ أَو خَصَائِصَ بَلاَغِيَةٍ تُحَدِّدُ وَظيفَةَ اللَّفْظِ الشِّعْرِيَةَ، إِلاَّ أَنَّ الخَصَائِصَ النَّحْوِيَةَ والخَصَائِصَ المُعْجَمِيَّةَ عَناصِرُ وَمُقَوّمَاتٌ ثَابِتَةٌ فِي اللَّفْظِ تُوجَدُ فِيهِ بِالوَضْعِ والأَصَالَةِ وَبِهَا يَتَحَدَّدُ. أَمَّا الخَصَائِصُ البَلاَغِيَةُ فَهِيَ عَناَصِرُ تَنتَقِلُ إلَى الكَلِمَةِ بَعْدَ أَن لَمْ تَكُنْ فِيها، تَنتَقِلُ إِلَيْهَا بِضَرْبٍ مِن النَّقلِ والاسْتِعَارَةِ والتَّجَوُّزِ والتَّشْبِيهِ وَسَائِرِ تِقْنِياتِ تَحْوِيلِ المَعْنَى، وَهِيَ فَرعِيَّةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ، وَلاَ تُدرَكُ إِلاَّ مِن خِلاَلِ المُقَوِّماتِ الأَصْلِيَّةِ الثَّابِتَةِ، وذَلِكَ للتَّمَكُّنِ مِن إدرَاكِ حَرَكَةِ الانتقَالِ التِي حَصَلَتْ فِي اللَّفْظِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ القَاهِر الجُرْجَانِي:

“اِعْلَم أَنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ دَخَلَتْهَا الاسْتِعَارَةُ المُفِيدَةُ فَإِنَّهَا لاَ تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ اسْماً أَو فِعْلاً، فإِذَا كَانَتْ اسْماً فَإِنَّهُ […] تَنْقُلُهُ (الاسْتِعَارَةُ) عَنْ مُسَمَّاهُ الأَصْلِيِّ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ فَتُجْرِيهِ عَلَيْهِ […] عَلَى سَبيلِ الاسْتِعَارَةِ وَالمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ لَبيدٍ:

وَغَداةَ ريحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقِرَّةٍ ///     إِذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشّمَالِ زِمامُهَا (2) 

وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ للشَّمالِ يَداً، ومَعْلومٌ أَنَّهُ لَيْسَ هُناكَ مُشَارٌ إِلَيْهِ يُمْكِنُ أَنْ تَجْرِيَ اليَدُ عَلَيْهِ… أمّا الفِعْلُ فَلاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ أَنْ يتَنَاوَلَ ذَاتَ شَيْءٍ كَمَا يُتَصَوَّرُ فِي الاسْمِ… وَوَصْفُ الاسْمِ بِأَنَّهُ مُسْتَعَارٌ حُكْمٌ يَرجِعُ إِلى مَصْدَرِهِ الذي اشتُقَّ مِنْهُ… وَيَكُونُ استِعَارَةً مِنْ جِهَةِ فَاعِلِهِ… وَيَكُونُ أُخْرَى اسْتِعَارَةً مِنْ جِهَةِ مَفْعُولِهِ…” (3).

يَظْهَرُ مِنْ هَذَا النَّصّ أَمْرَانِ: أَوَّلُهُمَا: أنَّ تَحلِيلَ الصُّورَةِ خُصُوصاً، وَالنَّصّ الشِّعْرِيِّ عُمُوماً، يَقْتَضِي تَحْلِيلَ الأَلْفَاظِ المُسْتَعْمَلَةِ إِلَى عَناصِرِها ومُقَوِّمَاتِها المُعْجَمِيَّةِ؛ لأَنَّ الخَصَائِصَ المُعْجَمِيَّةَ لِكُلِّ كَلِمَةٍ فِي التَّرْكِيبِ تَأْتَلِفُ وخَصَائِصَ الكَلِمَةِ المُجَاوِرَةِ، وَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا الائْتِلاَفِ بِنْيَة دَلاَلِيَةٌ تُسْنَدُ إلَى الجُملَةِ كُلِّهَا.

أَمَّا الأَمْرُ الثَّانِي فَمفَادُهُ أَنَّ الفِعْلَ لاَ يَتَضَمَّنُ فِي ذَاتِهِ هَذِهِ المُقَوِّمَاتِ، وَلَكِنَّهُ رَابِطٌ يَربِطُ مَجْمُوعَ مُقَوِّماتِ كُلِّ كَلِمَةٍ بِمَجْموعِ مُقَوِّمَاتِ الكَلِمَةِ المُجَاوِرَةِ لَهَا، لِتَحْصِيلِ البِنْيَةِ الدَّلاَلِيَةِ، فَإِذَا ثَبتَ تَعْليقُ المُقَوِّمَاتِ الدَّلاَلِيَةِ بالأَسْمَاءِ دونَ الأَفعَالِ، فإِنَّ وَصْفَ الفِعْلِ بِالاسْتِعَارَةِ أَمْرٌ غَيْرُ رَاجِعٍ إِلىَ الفِعْلِ فِي ذَاتِهِ، وَلَكِن إِلَى المَصْدَرِ الذِي اشتُقَّ مِنهُ، وَيكون استِعَارةً مِن جِهَةِ فَاعِلِه أَو مَفْعُولِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ المَصْدَرَ وَالفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:

جُمِعَ الحَقُّ لَنا في إمامٍ   ///   قَتَلَ البُخْلَ وأحْيا السَّماحَا

فالفِعْلاَنِ “قَتَلَ” و”أَحْيَا” إِنَّمَا صَارَا مُسْتَعَارَيْنِ بِأَنْ عُدِّياَ إِلَى البُخْلِ وَالسَّمَاحِ.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) الأصول في النّحو لابن السراج: 1/37.

(2) وفي روايَة جمهَرَة أشعار العَرَب لأبي زيد القُرشي: وغَداةَ ريحٍ قَدْ وَزعْتُ… كذا في العُمدَة لابن رَشيق القيرواني

(3) أسرار البلاغة: 44،45،…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق