مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

بَعض أَلْفَاظ الجَرْح وَالتَّعْدِيل القَلِيلَة التَّدَاوُل

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

تمهيد:

الحَمد لله رَبِّ العَالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد الأوّلين والآخِرين، وعَلى آل بيْته الطَّيبين الطَّاهِرين، وَأصْحَابه الغُرِّ المَيامِين.

وبعد؛ فإن المُعتني بكتب الجرح والتعديل لابد أن تستوقفه بين الفينة والأخرى بعض الألفاظ النادرة والقليلة الاستعمال مبثوثة  بين طيَّات كتب الأئمة الأعلام يحْسُن بنا أن نقف عند بعضها؛ ونتعرف على معانيها وإطلاقاتها؛ لأنها فن دقيق في علوم الحديث لا يستغني عنه المشتغل به من الطلبة، والعلماء، والبُحَّاث النابهين وغيرهم؛ ولأن معرفة ذلك مُعين على معرفة ما يُقبلُ وما يُرَدُّ من حديثِ نبينا ﷺ؛ وهذا مدعاة للفوز بسعادة الدنيا والآخرة، وهو المبتغى والمقصد الأعظم من ذلك كله.

ولأهمية الموضوع أفردته بهذا المقال بعنوان:” بَعْض أَلْفَاظ الجَرْح وَالتَّعْدِيل القَلِيلَة التَّدَاوُل” وقسمته إلى ثلاثة مطالب.

المطلب الأول: تناولت فيه ألفاظ التعديل والتجريح النادرة الاستعمال عند الأئمة، مبينا معانيها وإطلاقاتها عندهم، ومن اشتهرت عنه من الأئمة، ومن أُطلقت عليه من الرواة جرحا أو تعديلا.

 والمطلب الثاني: خصصته لموضوع التجريح بحركات الجسد، ورتَّبتُ هذه الألفاظ على حُرُوفِ المعجمِ؛ لتيسيرالاستفادةُ منها.

 المطلب الثالث: ذكرت فيه خلاصة ما وقفت عليه من فوائد هذا الفن، مع العلم أني لم أقصدِ الاستقصاء التام في جمع هذه الألفاظ النادرة، وإنما اجتهدت في ذكر ما خفيَ أمرُهْ، وندر ذِكرُهْ.

فأقول وبالله التوفيق:

المطلب الأول: التعديل والتجريح بالألفاظ:

1 – الألفاظ النادرة في التعديل:

ومما وقفت عليه من ألفاظ التعديل النادرة الاستعمال عند الأئمة الآتي:

– قولهم (فُلانٌ أَحَدُ الأحدين): وهو من ألفاظ التعديل البليغ، ويريدون أنه لا أحد يشبهه في حفظه، وإتقانه، استعمله سفيان الثوري وأبو داود، ففي تهذيب الكمال:”عن عبد الله بن المبارك قال: سُئل سفيان الثوري عن سفيان بن عينة فقال: “ذاك أحد الأحدين”[1]، وفي ترجمة المغيرة بن حكيم قال أبو عبيد الأجري: سمعت أبا داود يقول:”المغيرة بن حكيم أحد الأحدين”[2].

– قولهم (فُلانٌ أَحَدُ الدَّوَاهِي): وهو من ألفاظ التعديل، استعمله أحمد بن الحسين الصوفي في حق فضل بن سهل الأعرج قال:” كان أحد الدواهي”، قال الخطيب: ” يعني في الذكاء والمعرفة وجودة الأحاديث”[3].

– قولهم (فُلانٌ التِّنِّينُ): وهو من ألفاظ التعديل الرفيع، والتنين ضرب من الحيات وقيل: نجم[4]، واللفظ أطلقه أبو أسامة على وكيع بن الجراح قال:” هو التنين لا يقع في مكان إلا أحرق ما حوله “[5].

– قولهم (فُلانٌ الدِّيبَاجُ الخسْرَوَانِي): وهو من المدح الرفيع يدل على متانة حفظ الراوي، قاله جرير إذا حدث عن الأعمش[6].

– قولهم (فُلانٌ بَاقِعَةٌ): وهو من ألفاظ التعديل الرفيع، معناه حذر محتال حاذق[7]، وهو لفظ أطلقه الحاكم في حق أحمد بن أبي الليث المصري فقال:” هو باقعة في الحفظ”[8].

– قولهم (فُلانٌ بحرٌ لا تُكَدِّره الدِّلاء): وهو من ألفاظ التعديل، استعمله الإمام الزهري ويحيى بن أكثم، فقد جاء في ترجمة عروة بن الزبير في تهذيب الكمال:”قال يونس بن يزيد قال الزهري: كان عروة بحرا لا تكدره الدلاء”، وفي ترجمة عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة المدني: “قال يحيى بن أكثم: كان عبد الملك بحرا لا تكدره الدلاء”[9].

– قولهم (فُلانٌ جَنْدَلَةٌ مِن الجَنَادِل): وهو من ألفاظ التعديل الرفيع، بمعنى أنه جبل في الرسوخ والتثبت والحفظ[10].

– قولهم (فُلانٌ حِلْسٌ مِن أَحْلاسِ الحَدِيث): وهو من ألفاظ التعديل الرفيع، بمعنى أنه من فحوله الملازمين له، والمشتغلين به، أطلق هذا اللفظ الذهبي على الحافظ محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي صاحب الإمام أحمد فقال:” واسع الرحلة…وثقه النسائي، وغيره، وكان من أحلاس الحديث”[11].

– قولهم (فُلانٌ حَيَّةُ الوَادِي): وهو من ألفاظ التعديل، أطلقه ابن عيينة على ابن المديني[12].

– قولهم (فُلانٌ زَرْزَدَة): وهو من ألفاظ التعديل، يعني: ذهبًا مضروبًا خالصًا بلغة أهل فارس، وهو لفظ أطلقه عبد الله بن المبارك  على عبد الله بن يزيد العدوي المقرئ[13].

– قولهم (فُلانٌ سَمْنٌ وَعَسَلٌ): وهو مدح رفيع، قاله شعبة في حق عبد الله بن عون[14].

– قولهم: (فُلانٌ قَبَّانُ الحَدِيث)، أو(فُلانٌ قَبَّانُ المُحَدِّثين): وهو من ألفاظ التعديل الرفيع، والقبان: القسطاس والأمين كما في القاموس[15]، وفي اللسان:” الذي يوزن به”[16]، وهو من الألفاظ التي أطلقها عبد الله بن إدريس في حق شعبة بن الحجاج قال:” كان شعبة قبان المحدثين”[17].

– قولهم (فُلانٌ قَفَزَ القَنْطَرَة، أوْ جَازَ القَنْطَرَة): وهو من ألفاظ التعديل الرفيع، استعمل هذا اللفظ الإمام الذهبي في حق كثير من الرواة من ذلك قوله في الحافظ الكبير أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة :” ممن قفز القنطرة، وإليه المنتهى في الثقة”[18].

– قولهم (فُلانٌ كَأَنَّ أَحَدَ أَبَوَيْهِ جِنِّيٌ): وهو من ألفاظ التوثيق البليغ، يدل المتصف به على أنه من أهل الحفظ، والضبط، والتيقظ العجيب،  قاله ابن معين في حق أبي بكر الأثرم أحمد بن محمد بن هانئ الطائي[19].

– قولهم: (فُلانٌ كَمَا يَشَاءُ الله): وهو من ألفاظ التعديل، استعمله الإمام محمد بن سيرين، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:”كان محمد بن سيرين إذا مدح أحدا قال : هو كما يشاء الله”[20]، واستعمله أيضا أبو داود صاحب السنن، حين سُئل عن حال محمد بن عائذ القرشي: “قال الأجري: سألت أبا داود عنه فقال: هو كما شاء الله”[21]، وكذلك استعمله أبو حاتم الرازي حين سُئل عن إسماعيل بن مجالد الحمداني فقال:” كان ببغداد وهو كما يشاء الله”[22].

– قولهم (فُلانٌ لِصٌّ): قد يُفهم منه البعض أنه لفظ من ألفاظ التجريح بمعنى: أنه يسرق الحديث وينسبه لنفسه؛ ولكنه في الحقيقة هذا اللفظ من ألفاظ التعديل التي تدل على كون الراوي من الحفاظ الأثبات، كما ورد في ترجمة إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قال فيه عبد الرحمن بن مهدي:” كان إسرائيل في الحديث لصا يتلقف العلم تلقفا”[23].

– قولهم (فُلانٌ مِكْنَسَةٌ): وهو من ألفاظ التعديل، يدل على سعة العلم، وقد قيل في الحافظ بقي بن مخلد الأندلسي[24].

– قولهم (فُلانٌ من جِمَال المَحَامِل)، أو(مِن جمَازَاتِ المَحَامِل): وهو من ألفاظ التعديل، وكلها أوصاف للإبل، فالمحامل هي الأثقال وهي تدل على قوتها في التحمل، وشبه بها الراوي لبلوغه تمام القوة في الرواية. وأطلق هذا اللفظ يعقوب بن شيبة في حق روح بن عبادة القيسي[25].

– قولهم (فُلانٌ مِيزَانٌ): وهو من ألفاظ التعديل، أطلقه الثوري وابن مبارك على عبد الملك ابن أبي سليمان، قال الثوري: “حدثني الميزان عبد الملك بن أبي سليمان…وقال ابن المبارك: عبد الملك ميزان”[26].

2 – الألفاظ النادرة في الجرح:

ومما وقفت عليه من ألفاظ التجريح النادرة الاستعمال عند الأئمة الآتي:

– قولهم (فُلانٌ بِرُّه لنَا قَدِيمٌ): وهو من ألفاظ التجريح النادرة عند الإمام البخاري، وهو لفظ يطلقه على من ترك حديثه، قاله البخاري في حق محمد بن حريث لما سُئل عنه فقال:” بره لنا قديم” بمعنى أن البخاري كان يسمع منه في أول الأمر، ثم لما سبر حاله وخبره تركه[27].

– قولهم (فُلانٌ دَرُوْزَن): وهو من ألفاظ التجريح الشديد، بمعنى: كذاب بلغة أهل فارس، أطلقه أبو إسحاق الجوزجاني في حق أبي صالح باذام مولى أم هانئ:” كان يُقال:إِنَّه دَرُوْزَن، غيرُ محمود “[28]، وقال حبيب بن أبي ثابت:”كُنَّا نُسَمِّي أبا صالحٍ بَاذَامَ: دَرُوْزَن”[29].

– قولهم (فُلانٌ ذَهَبَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ): وهو من ألفاظ التجريح، بمعنى سقط فلا تُرجى استقامته بعد ذلك كما يئس من رجوع الأمس، وهو لفظ أطلقه محمد بن يحيى في حق ابن الحماني[30].

– قولهم (فُلانٌ سِدَادٌ مِنْ عيش)أو (سِدَادٌ مِنْ عَوَزٍ): وهو من ألفاظ التجريح الخفيف يكتب حديثه للنظر والاختبار، أطلقه أبو بكر الأعين في حق سويد بن سعيد الهروي:” هو سداد من عيش هو شيخ”[31].  

– قولهم (فُلانٌ عَصَى مُوسَى تَلَقَّفُ مَا يَأْفِكُون): وهو من ألفاظ التجريح بمعنى أنه يروي الموضوعات سواء علم أنها موضوعة أو جهل ذلك، وهو لفظ أطلقه إمام الكوفة في الجرح والتعديل مُطين الحضرمي في حق بلديه وقرينه محمد بن عثمان بن أبي شيبة الكوفي[32]؛ بيد أن تجريحه من كلام الأقران لم يقبله العلماء، ولهذا قال أبو نعيم بن عدي الحافظ:”وقفت على تعصب بين مطين وبين محمد بن عثمان بن أبي شيبة حتى ظهر لي أن الصواب الإمساك عن قبول كل واحد منهما في صاحبه”[33].

– قولهم (فُلانٌ عِفْرٌ من الأَعْفَار): بمعنى عفريت أي: خبيث منكر داهية، وهو من ألفاظ التجريح البليغ عند ابن معين أطلقه على محمد بن أبي نعيم الواسطي لما سُئل عنه فقال:” أكذب الناس عِفر من الأعْفَار”[34].

– قولهم (فُلانٌ قَدْ عَرَفْتُه): وهو من ألفاظ التجريح عند الإمام عبد الله بن المبارك أطلقه على عبد السلام بن حرب بن سلم النهدي الملائي لما سُئل عنه فقال:” قد عرفته”، قال الحسن بن عيسى:” وكان ـ ابن المبارك ـ إذا قال: قد عرفته فقد أهلكه”[35].

– قولهم (فُلانٌ كَانَ فَسْلًا): وهو من ألفاظ التجريح، والفسل في اللغة: الرجل النذل الرذل الذي لا مروءة له[36]، وهو لفظ أطلقه شعبة بن الحجاج على سيف بن وهب التميمي[37].

– قولهم (فُلانٌ كَوْدَنٌ): والكودن: الحصان الهجين، أو البغل وشبه به الرجل البليد، وهو لفظ نقل عن ابن معين، قال بشر بن موسى: “سمعت ابن معين، يقول: ويل للمحدث إذا استضعفه أصحاب الحديث، قلت: يعملون به ماذا ؟ قال: إن كان كَوْدَنًا، سرقوا كتبه، وأفسدوا حديثه، وحبسوه – وهو حاقن – حتى يأخذه الحصر، فقتلوه شر قتلة، وإن كان فحلا، استضعفهم، وكانوا بين أمره ونهيه”[38].

– قولهم (فُلانٌ لَيْسَ فِيه حِيلَةٌ البَتَّةَ): وهو من ألفاظ التجريح، أطلقه ابن معين على أبي عبد الله محمد بن سليم القاضي قال:” وأما ابن سليم فهو والله صاحبنا وهو لنا محب؛ ولكن ليس فيه حيلة البتة؛ وما رأيت أحدا قط يشير بالكتاب عنه، ولا يرشد إليه”.وفي موضع آخر قال:” ليس بثقة، قلت: لم صار ليس بثقة؟ قال: لأنه يكذب في الحديث”[39].

– قولهم (فُلانٌ لَيْسَ مِن جِمَال المَحَامِل)، أو(لَيْسَ من إِبِل القِبَاب): وهو من أدنى درجات التجريح، وقد ورد هذا اللفظ عند ابن معين في حق رُشْدِين بن سعد المصري، قال محمد بن أحمد بن الجنيد: سمعت يحيى بن معين وسئل عن رُشدين بن سعد فقال: “ليس من جمال المحامل”[40].

– قولهم (فُلانٌ لَيْسَ هُو مِن عِيَالِنا): وهو من ألفاظ التجريح عند الإمام أحمد بن حنبل ذكره عنه تلميذه أبو طالب حين سأله عن كوثر بن حكيم فقال: “هو ليس من عيالنا، قال أبو طالب:” وكان أحمد إذا لم يرو عن رجل قال: ليس هو من عيالنا متروك الحديث”[41].

– قولهم (فُلانٌ هُو عَلى يَدَيْ عَدْلٍ) [42]: كناية عن الهلاك وشدة الضعف، وهو من ألفاظ التجريح الشديد، أطلقه أبو حاتم الرازي على جُبارة بن المغلس[43].

– قولهم (فُلانٌ يُثَبِّجُ الحَدِيث): وهو من ألفاظ التجريح الشديد، بمعنى أن الراوي يضع الأحاديث، وأصل الثبج في اللغة الاضطراب ومنه :”اضطراب الكلام، وتَفْنِينُهُ، وتَعْمِيَةُ الخط، وترك بيانه”[44]، وأطلق هذا اللفظ معمر على إسماعيل بن شروس حين سُئل عنه فقال: “كان يثبج الحديث، وقال ابن عدي قال معمر: كان يضع الحديث”[45].

– قولهم (فُلانٌ يُزَرِّفُ في الحديثِ): وهو من ألفاظ التجريح، قال ابن أبي حاتم الرازي: حدثني أبي، أخبرنا نصر بن علي، وسليمان بن معبد المروزي، قالا: حدثنا الأصمعي، أخبرنا قرة بن خالد، قال: “كانوا يرون أن الكلبي يُزَرِّفُ، يعنى: يكذب”[46].

– قولهم (فُلانٌ يَزِيدُ فِي الرَّقْم)، أو(يُرَقِّمُ عَلى الثَّوْب): وهو من ألفاظ التجريح الشديد، قاله السعدي في حق إسماعيل بن عياش[47]، وهو تجريح بليغ ينسبه إلى الكذب والوضع والزيادة في الحديث.

– قولهم (فُلانٌ يَشْتَرِي الكُتُب): وهو من ألفاظ التجريح الشديد، يُطلق على الرواة المتهمين بالكذب، ومعناه: أن الراوي يأخذ كتب الناس ثم ينسبها لنفسه، ويحدث بها على أنه سمعها منهم، وورد هذا اللفظ عند ابن معين في حق داود بن سليمان الجرجاني قال فيه:” كذاب يشتري الكتب”[48].

– قولهم: (فُلانٌ كَمَا يَعْلَمُ الله): وهو من ألفاظ التجريح، استعمله الإمام محمد بن سيرين فقد كان إذا ذَمَّ رجلا قال فيه: “هو كما يعلم الله”[49].

المطلب الثاني:  التجريح بالحركات:

إن المطلع على كتب الجرح والتعديل يلحظ أن كلام الأئمة رحمهم الله في الرواة لم يقتصر على مجرد قولهم: (فلان ثقة)، أو (فلان ضعيف)؛ وإنما وضفوا حركات وإشارات الجسد مثل: تحريك اليد، أو قبضها، أو تقليبها، أو نفضها، أو الشَّد عليها، أو تغطية الرأس، أو الخط عليه، أو تحريكه ، أو انفراد الوجه، أو تغيره، أو تكحله، أو تحميضه، أو صرفه، أو الإعراض به، أو التظاهر بالنوم، أو تقطيب الحاجبين، أو ضرب الضرس باليد، أو الإشارة إلى الفم، أو اللسان، أوالميزان، أو الأسطوانة، أو تغير حركة الشفاه، أو عوج الفم، أو عوج اللسان، أو الامتخاط والبزاق، أو القيء والتقنع، أو القيام من المجلس، أو الصياح، أو الضحك… وغيرها من الإشارات التي تدل دلالة خاصة على تجريحهم للرواة، واختص كل إمام بواحدة منها، وقد يرافق الحركة قول الإمام وهو أشد في التجريح، ومن ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر:

– (تَحْرِيكُ الرَّأْس): وهي من حركات التجريح البليغ، استعملها بعض العلماء في إصدار أحكامهم، ففي تاريخ بغداد في ترجمة سُويد بن سعيد بن سهل الأنباري :”عن عبد الله بن علي بن المديني قال: سُئل أبي عن سويد الأنباري فحرك رأسه وقال: ليس بشيء”[50].

– (تَغَيُّر الوَجْه)، و(نَفْضُ اليَد): وهي حركة تكون في الجرح الشديد، جاء في تاريخ بغداد في ترجمة إبراهيم بن محمد بن عرعرة أن الإمام أحمد تكلم فيه وجرحه جدا، ولما ذُكر له حديث عنه تغير وجهه، ونفض يده، وأفحش القول فيه[51].

– (تَكَلُّحُ الوَجْه، وَتَحْمِيضُه): وهي من حركات التجريح الشديد، جاء في الكامل في ضعفاء الرجال في ترجمة أبي بكر بن عياش، عن عمرو بن علي قال: “كان يحيى بن سعيد إذا ذُكر عنده أبو بكر بن عياش كلح وجهه”[52]، وعن عمرو بن علي أيضا قال: “كنا عند يحيى يوما ومعنا معاذ، فقال معاذ :حدثنا فَرج بن فُضالة فقال: رأيت يحيى كلح وجهه”[53]، وفي الجرح والتعديل:”قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن سيف بن وهب فحمض وجهه وقال: كان سيف هالكا من الهالكين”[54].

– (حَرَكَةُ الأَيْدِي): وهي من حركات التي تحتمل التجريح الخفيف والشديد معا، وذلك بحسب معناها عند مستعملها، ففي ترجمة عمر بن الوليد الشني قال علي بن المديني: “سمعت يحيى بن سعيد وذكر عمر بن الوليد الشني فقال بيده يحركها كأنه لا يقويه قال علي: فاسترجعت أنا فقال: ما لك ؟ قلت: إذا حركت يدك فقد أهلكته عندي، قال: ليس هو عندي ممن اعتمد عليه؛ ولكنه لا بأس به”[55]، وكذلك فعل الإمام أحمد بن حنبل مع عبد الرحمن بن ثروان الذي سأله عنه ابنه عبد الله فقال: “كذا وكذا، وحرك يده”[56].

– (الإشَارَةُ بِاليَد إِلى الِّلسَان): وهي من حركات التجريح البليغ، وهي كناية على أن الراوي لا يحترز عن لسانه، بمعنى أنه يكذب ويضع الحديث على رسول الله ﷺ، واختص بهذا اللون من التجريح  الإمام أحمد ، وأبي زرعة، وعباس العنبري، ومن أمثلة ذلك: أن الإمام أبا زرعة الرازي سأله تلميذه سعيد بن عمرو البرذعي عن حال رباح بن عبيد الله بن عمر العمري فقال:” كان أحمد بن حنبل يقول: وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه. أي: أنه كذاب، ثم قال لي أبو زرعة: منكر الحديث”[57].

– (البَصْقُ وَالبَزْق): وهي من حركات التجريح البليغ، استعملها يحيى بن معين خاصة في تجريح بعض الرواة، من ذلك  ما أخرجه الخطيب عن ابن الغلابي أن:” يحيى بن معين سُئل عن حجاج بن الشاعر البغدادي فبزق لما سُئل عنه “[58]؛ لكن تجريح ابن معين مرده كون حجاج كان معسرا في الرواية؛ لأنه كان لا يحدث عن العلماء الذين أجابوا في فتنة خلق القرآن كما قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:” كان لا يحدث عمن أجاب”[59]، لذا قال ابن حبان في الثقات:” كان صاحب حديث معسر”[60]، ولهذا خالف النقاد ابن معين في قوله هذا فوثقوا الحجاج بن الشاعر منهم: أبو حاتم[61]، والنسائي[62]، وابن حبان [63]، والذهبي[64]، وابن حجر[65].

المطلب الثالث:

خلاصة منهج الأئمة في ألفاظ الجرح والتعديل النادرة:

ومما خلصت إليه في خاتمة هذا المقال ـ من خلال تتبعي لأقوال هؤلاء الأئمة النقاد رحمهم الله تعالى ـ:

1- أن هناك تأثيرا واضحا لمعاني القرآن الكريم، والحديث، واللغة العربية والأمثال السائرة عند العرب في صياغة ألفاظهم في الجرح والتعديل؛ لأن بطبيعة الحال علماء الجرح والتعديل رحمهم الله من العرب الُّلسْنِ الأَقْحَاح، لا يخرجون عن نَواميس العرب في ألفاظهم ومخاطباتهم ولهجاتهم.

2- دقة عبارات أئمة الجرح والتعديل، وتنوع مصطلحاتهم في ذلك، واختصاص بعضهم بمصطلحات ليست عند البعض الآخر.

 وهذا كله مما يستدعي الحيطة والحدر والتأني في فهم مقاصدهم في الألفاظ الخاصة في الجرح والتعديل، وذلك من خلال استقراء مصطلحاتهم وإطلاقاتهم، والوقوف على مُرادهم منها إما من خلال تنصيصهم على معناها، أو بتنصيص تلاميذهم على فحوى ألفاظهم، أو من خلال السياق والحال، والرجوع إلى معاجم اللغة والأمثال وغيرها، وهذا مسلك دقيق، لا يسلكه إلا من تبحر في علوم القوم، وأناخ بِركَائِبه في ساحهم.

ولهذا قال الإمام أبو الوليد الباجي رحمه الله في كتابه ” التعديل والتجريح”: “فعلى هذا يَحمِل ألفاظ الجرح والتعديل، مَن فهم أقوالهم وأغراضهم، ولا يكون ذلك؛ إلا لمن كان من أهل الصناعة والعلم بهذا الشأن، وأما مَن لم يعلم ذلك، وليس عنده من أحوال المحدثين إلا ما يأخذه من ألفاظ أهل الجرح والتعديل، فإنه لا يمكنه تنزيل الألفاظ هذا التنزيل، ولا اعتبارها بشيء مما ذكرناه، وإنما يتبع في ذلك ظاهر ألفاظهم فيما وقع الاتفاق عليه، ويقف عند اختلاف عباراتهم”[66].

هذا ما تيسر لي ذكره فيما يخص موضوع: “بَعض أَلْفَاظ الجَرْح وَالتَّعْدِيل القَلِيلَة التَّدَاوُل” على جهة الاختصار، مع بيان ملامح منهج الأئمة في ذلك، فأسأل الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل بقبول حسن، وأن يجزي من قرأه، ونشره.

 والحمد لله رب العالمين.

****************

هوامش المقال: 

[1]- تهذيب الكمال( 11 /177).

[2]- تهذيب الكمال (28 /356).

[3]- تاريخ بغداد (12 /365).

[4]- لسان العرب (13 /74).

[5]- تهذيب التهذيب (11 /129).

[6]- تاريخ بغداد (9 /10)(6 /342).

[7]- لسان العرب (8/ 19).

[8]- تذكرة الحفاظ (3/ 1015).

[9]-تهذيب التهذيب( 6/ 361).

[10]- سير أعلام النبلاء (9 /55) ترجمة معاذ بن معاذ.

[11]- تذكرة الحفاظ (2 /554).

[12]- الميزان (3 /139).

[13]- تهذيب التهذيب (6 /76).

[14]- تهذيب التهذيب (11 /35-36).

[15]-  القاموس المحيط (1 /1578).

[16]-  لسان العرب (3 /329).

[17]-  شرح علل الترمذي لابن رجب (1 /163).

[18]- الميزان (2 /490).

[19]- تهذيب التهذيب (1 /78).

[20]-  شرح نهج البلاغة (9 /64).

[21]-تهذيب التهذيب(9/ 242).

[22]-الجرح والتعديل(1 /200).

[23]- الجرح والتعديل (2 /330).

[24]- تذكرة الحفاظ (2 /630).

[25]- تذكرة الحفاظ (1/ 350).

[26]- تاريخ بغداد (10 /395).

[27]- تاريخ بغداد (2 /23)، وتهذيب التهذيب (9 /51).

[28]- أحوال الرجال (ص: 64) .

[29]- الكامل في ضعفاء الرجال (2 /68).

[30]- تهذيب التهذيب (11 /246).

[31]- تهذيب التهذيب (4 /240).

[32]- لسان الميزان (5/ 280).

[33]- لسان الميزان (5 /280).

[34]- اللسان (4 /586).

[35]- تاريخ بغداد (6 /317).

[36]- لسان العرب (11 /519).

[37]- تهذيب التهذيب(4 /298).

[38]- تاريخ ابن عساكر (65 /29)،  وتهذيب الكمال للمزي (31 /560)، وسير أعلام النبلاء (11/ 93) .

[39]- تاريخ بغداد (5/ 326).

[40]- الضعفاء للعقيلي (2/ 54).

[41]- لسان الميزان (4 /491).

[42]- وأصل هذه العبارة مثل عند العرب فقد كان أحد التبابعة ملوك اليمن إذا أراد أن يقتل أحدا دفعه إلى واليه على شرطة واسمه: عدل  من بني سعد العشيرة فمن وضع على يديه فقد تحقق هلاكه. انظر: فتح المغيث (1 /378).

[43]- الجرح والتعديل(2/ 550).

[44]- القاموس المحيط (1 /233).

[45]-  التاريخ الكبير البخاري(1 /359).

[46]- الجرح والتعديل (7 /270).

[47]- أحوال الرجال (ص: 175).

[48]- تاريخ بغداد (8 /366).

[49]-  شرح نهج البلاغة (9 /64).

[50]-تاريخ بغداد( 9 /228).

[51]- تاريخ بغداد (6/ 149).

[52]- الكامل في الضعفاء (4 /25).

[53]- الكامل في الضعفاء (6/ 28).

[54]-الجرح والتعديل(4 /275).

[55]-الجرح والتعديل(6 /139).

[56]- الضعفاء للعقيلي (2 /327).

[57]- أجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي (2 /360).

[58]- تاريخ بغداد (8 /240).

[59]-  طبقات الحنابلة (1 /148).

[60]-  الثقات (8 /203).

[61]-  الجرح والتعديل (3 /168).

[62]-  تهذيب التهذيب (2 /184).

[63]-  الثقات (8 /203).

[64]-  الكاشف (945).

[65]-  تقريب التهذيب (1 /225) (1140).

 [66] التعديل والتجريح (1 /262).

**********************

ثبت المصادر والمراجع:

التاريخ الكبير: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، دار الكتب العلمية ـ  بيروت ـ بدون تاريخ.

تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطانها العلماء من غير أهلها ووارديها: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ت: بشار عواد معروف. دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ ط1/ 1422هـ / 2001م.

تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها: لأبي القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر، ت: محب الدين أبي سعيد بن غرامة العمري. دار الفكر ـ بيروت ـ ط1424هـ / 2001م.

تذكرة الحفاظ: لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الشهير بالذهبي، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ بدون تاريخ.

تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال: لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الشهير بالذهبي، ت: غنيم عباس ومجدي السيد أمين. الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط1/ 1425هـ / 2004م.

التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح: لأبي الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الباجي المالكي، ت: أحمد لبزار، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب.

تهذيب الكمال في أسماء الرجال: لأبي الحجاج جمال الدين يوسف المزي، ت: د. بشار عواد معروف. مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ ط2/ 1403هـ / 1983م.

الثقات: لأبي حاتم محمد بن حبان التميمي البستي، ت: د. محمد عبد المعيد خان. طبعة دار المعارف العثمانية بحيدر آباد ـ الهند ـ ط1 /1393هـ / 1973م.

الجرح والتعديل: لأبي محمد عبد الرحمان بن أبي حاتم الرازي، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ بدون تاريخ.

سؤالات أبي عثمان البرذعي أبا زرعة الرازي: تحقيق: د.سعدي الهاشمي. دار الوفاء للطباعة والنشر ـ المنصورة ـ ط2 /1409هـ / 1989م.

سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الشهير بالذهبي، ت: شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة ط1/ 1405هـ /1984م.

الشجرة في أحوال الرجال: لأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني، ت: عبد العليم عبد العظيم البستوي. دار الطحاوي ـ الرياض ـ بدون تاريخ.

شرح علل الترمذي: لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت: نور الدين عتر. دار الملاح للطباعة والنشرط1/ 1398هـ / 1978م.

شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد، ت: محمد أبي الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 1387هـ /1967م.

الضعفاء: لأبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، ت: حمدي بن عبد المجيد السلفي. دار الصميعي ـ الرياض ـ ط1 /1420هـ / 2000م.

طبقات الحنابلة: لمحمد بن أبي يعلى الحنبلي، دار المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت ـ لبنان. بدون تاريخ.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث: لأبي الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي، ت: د. عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمان الخضير، ود. محمد بن عبد الله بن فهيد آل فهيد. مكتبة دار المنهاج ـ الرياض ـ ط1، 1426هـ

القاموس المحيط: لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت: مكتب تحقيق التراث بإشراف: محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة ط6 /1419هـ / 1998م.

الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة: لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الشهير بالذهبي، ت: محمد عوامة وأحمد الخطيب. دار القبلة للثقافة الإسلامية و مؤسسة علوم القرآن ـ جدة ـ ط1/ 1413 هـ /1992م.

الكامل في ضعفاء الرجال: لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، ت: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، وعبد الفتاح أبو سنة. دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ بدون تاريخ.

لسان العرب: لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، دار صادر ـ بيروت ـ ط6 /1417هـ / 1997م.

لسان الميزان: لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، ت: عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، ط، 2002 م.

ميزان الإعتدال في نقد الرجال: لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الشهير بالذهبي، ت: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود ود. عبد الفتاح أبو سنة. دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط1 /1416هـ/ 1995م.

*راجعت المقال الباحثة: خديجة ابوري

اظهر المزيد

د. محمد بن علي اليــولو الجزولي

  • أستاذ باحث مؤهل بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط.
  • حاصل على الدكتوراه: تخصص مناهج الدراسات العلمية للسيرة النبوية شعبة الدراسات الإسلامية، جامعة ابن زهر أكادير، من خلال بحث بعنوان:” مرويات الشمائل النبوية في طبقات ابن سعد الزهري البغدادي (230هـ): جمع ودراسة”، عام 2012م.
  • أستاذ باحث بمركز الأبحاث التابع لشركة ابن القيم للتعليم والبحث العلمي بأكادير(سابقا).
  • مهتم بالتراث الإسلامي، وعلوم السيرة النبوية والحديث الشريف، شاركت في ندوات وطنية ودولية، وأنجزت عدة أبحاث ومقالات منشورة في مجلات محكمة ومواقع إلكترونية، وتحقيقات في طور النشر بحول الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق