وحدة الإحياءدراسات محكمة

الهدي النبوي في التعايش مع الآخر(1)

لقد ترك لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربعة نماذج للتعايش مع الآخر داخل الدولة وخارجها:

أولا: نموذج مكة، وكان المقام فيها هو مقام الصبر والتعايش كما سنرى تفصيلا.

ثانيا: نموذج بقاء المسلمين في الحبشة، والمقام فيها مقام الوفاء والمشاركة.

ثالثا: نموذج المدينة في عهدها الأول، والمقام فيها مقام الانفتاح والتعاون.

رابعا: نموذج المدينة في عهدها الأخير، والمقام فيها مقام العدل والوعي قبل السعي.

ولا يخرج بقاء المسلم في مجتمعه عن هذه الصور الأربعة، ويجب علينا أن نعي حقائق هذه النماذج وأنها صالحة للاستفادة منها للمسلم حسب حاله، وأن بعضها لم ينسخ بعضا، بل تنزل أحكامها بحسب الحال، ونستفيد من سنة سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسيرته على كل حال.

ومن الحقائق أيضا أن هذه المقامات أصبحت أساسا أصيلا في تكوين شخصية المسلم، وامتدت إلى أعماقه حتى صار الصبر والتعايش والانفتاح والتعاون والوفاء والمشاركة والعدل والوعي بالشأن والزمان، والسعي على بصيرة جزءاً لا يتجزأ من تلك الشخصية، بل إن هذه المقامات هي أصل دين الله الذي ارتضاه للبشر عبر العصور وكر الدهور.

وأخرج ابن حبان في صحيحه قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “من حكمة آل داود أن يكون المؤمن مدركا لشانه عالما بزمانه”.

حتى رأينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل البعثة قد أقامه الله سبحانه وتعالى في هذه المقامات.

أولا: نموذج مكة

كانت مكة في مهد الدعوة الإسلامية تحت سيطرة المشركين من قريش يغلب على سكانها عبادة الأوثان وممارسة الرذيلة من بغاء وشرب خمر وارتكاب الفواحش، وكانت الأخلاق أيضا في عمومها متدنية، فكان القوي يطغى على الضعيف ويأكل حقه، وكان السيد يقهر من تحت يده من عبيد وإماء ولا يحترم إنسانيتهم، وكان العربي يتعالى على العجمي، وكان الأبيض يفخر على الأسود.

ويصف حالهم جعفرُ بن أبي طالب حينما خطب أمام النجاشي فقال: أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْماً أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِى الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ وَنُسِىءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِىُّ مِنَّا الضَّعِيفَ[1].

فكيف كانت حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في هذا الوسط قبل البعثة وبعدها وأثناء نزول الوحي.

أ. قبل البعثة كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متعايشا مع قومه متآلفا معهم يقوم بدور اجتماعي فعال ويساهم معهم ويتعاون في أمور البر والخير.

يكشف ذلك ما صرحت به زوجتُهُ وأَخْبَرُ الناسِ به السيدةُ خديجة، رضي الله عنها، حينما أتاها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخبرها بأمر نزول الوحي عليه.

قالت: كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ[2]. (تَحْمِلُ الْكَلَّ: تُنْفِقُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْيَتِيم).

ب. وتحالف النبي، صلى الله عليه وسلم، مع قبائل من قريش تعاهدوا على نصرة المظلوم قبل البعثة.

قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: “لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ[3].”

وتبعا لهذا الحلف الذي تمسك به النبي، صلى الله عليه وسلم، أيما تمسك، وكان يعمل بمقتضاه حتى بعدما عَادَتْهُ قريشٌ وضيقت عليه هو وأصحابه.

جاء في عيون الأثر: بينا رسول اللهِ، صلى الله عليه وسلم، جالس في المسجد؛ (أي الكعبة) ومعه من الصحابة إذا رجل من زبيد يطوف على حِلَقِ قريش حلقة بعد أخرى، وهو يقول: يا معشر قريش كيف تدخل عليكم المارة أو يجلب إليكم جلب أو يَحُل بساحتكم تاجر وأنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم. حتى انتهى إلى رسول اللهِ، صلى الله عليه وسلم، في أصحابه، فقال له، صلى الله عليه وسلم: “ومن ظلمك؟” فذكر أنه قدم بثلاث أجمال خيرة إبله، فسامه بها أبو جهل ثلث أثمانها، ثم لم يسمه بها لأَجْلِهِ سَائِمٌ، فأكسد عليَّ سلعتي فظلمني، فقال له رسول اللهِ، صلى الله عليه وسلم: “وأين جمالك؟” قال: هذه هي بالحزورة. فقام رسول اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وقام أصحابه، فنظروا إلى الجمال فرأى جمالا حسانا، فساوم ذلك الرجل حتى ألحقه برضاه، وأخذها رسول اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فباع جملين منها بالثمن، وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه. وكل ذلك وأبو جهل جالس في ناحية من السوق ولم يتكلم، ثم أقبل إليه رسول اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال له: “إياك يا عمرو أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الرجل، فترى مني ما تكره”.

فجعل يقول: لا أعود يا محمد، لا أعود يا محمد، فانصرف رسول اللهِ، صلى الله عليه وسلم.

فأقبل على أبي جهل أميةُ بنُ خلف ومن معه من القوم فقالوا له: ذللت في يد محمد، فإما أن تكون تريد أن تتبعه، وإما رعب دخلك منه. فقال لهم: لا أتبعه أبدا، إن الذي رأيتم مني لما رأيته، رأيت معه رجالا عن يمينه ورجالا عن شماله معهم رماح يشرعونها إلي، لو خالفته لكانت إياها؛ أي لأتوا على نفسي[4].

ج. وساعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمه أبا طالب قبل البعثة بأن أخذ سيدنا عليا ليربيه له، وَكَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللّهِ عَلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِمّا صَنَعَ اللّهُ لَهُ وَأَرَادَهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ أَنّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، لِلْعَبّاسِ عَمّهِ وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ: “يَا عَبّاسُ إنّ أَخَاك أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النّاسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إلَيْهِ فَلْنُخَفّفْ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وَتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا. فَنَكِلُهُمَا عَنْهُ”، فَقَالَ الْعَبّاسُ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَا حَتّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ فَقَالَا لَهُ: إنّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفّفَ عَنْك مِنْ عِيَالِك حَتّى يَنْكَشِفَ عَنْ النّاسِ مَا هُمْ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَلِيّا، فَضَمّهُ إلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبّاسُ جَعْفَرًا[5].

د. كيف عاش رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد نزول الوحي عليه، وكيف عاش أصحابه الأُوَل ممن آمن بدعوته، أتركوا أشغالهم وحبسوا أنفسهم عن الناس وعن التجارة والسفر، أم هل كانوا يبيعون لأنفسهم ويشترون من أنفسهم فقط؟

ومن الذي رفض التعايش مع الآخر هل هم المؤمنون أم المشركون؟ ومن الذي فرض على الآخر حصارا في شعب أبي طالب؟ إنها قريش إنهم المشركون.

فَلَمّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنّ الْإِسْلَامَ يَفْشُو فِي الْقَبَائِلِ اجْتَمَعُوا وَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ، عَلَى أَنْ لَا يُنْكِحُوا إلَيْهِمْ وَلَا يُنْكَحُوهُمْ، وَلَا يَبِيعُوهُمْ شَيْئًا وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةٍ ثُمّ تَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمّ عَلّقُوا الصّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ.

ثم عَدَوْا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم، واشتد عليهم البلاء وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا.

وخرج من بني هاشم أبو لهب إلى قريش، فظاهرهم، وتركت خديجة دارها وانتقلت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى شعب أبي طالب رغم تجاوزها الستين، وظل المسلمون محاصرين في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، حتى اشتد بهم البلاء وبلغ منهم الجهد، فأكلوا ورق الشجر، وسُمِعَ صراخ صبيانهم يتضاغون[6] من رواء الشعب من الجوع. حتى كره عامة قريش ما أصابهم، وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة[7].

ﻫ. ولم يهجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكعبة، بل ظل يذهب إليها ويتعبد فيها لله الواحد قبل البعثة وبعدها، ولم يمنعه وجود الشرك فيها عن ارتيادها.

فقد كانت قريش تَرُصُّ أصنامها داخل الكعبة ومن وحولها، وكان عدد الأصنام ثلاثمائة وستين صنما، وظلت هذه الأصنام موجودة حتى عام الفتح الثامن من الهجرة.

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: دَخَلَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، مَكَّةَ يوم الفتح وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)[8].

وعن ابن مسعود قال: والله لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلى بالكعبة؛ (أي عندها) ظاهرين آمنين، حتى أَسْلَمَ عمر فقاتلهم حتى تركونا، فصلينا؛ (أي وجهروا بالقراءة) وكانوا قبل ذلك لا يقرءون إلا سرا.

وعن صهيب قال: لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حِلَقًا. فَطُفْنَا وَاسْتَنْصَفْنَا ممن غلظ علينا[9].

وقيل لعمر، رضى الله عنه: ما سبب تسمية النبى، صلى الله عليه وسلم، لك بالفاروق؟ قال: لما أسلمتُ والنبى، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه مختفون قلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: بلى والذى نفسى بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم. فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذى بعثك بالحق ما بقى مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإسلام غير هائب ولا خائف، والذى بعثك بالحق لنخرجن. فخرجنا فى صفين، حمزة فى أحدهما، وأنا فى الآخر، له كديد ككديد الطحين؛ (أي لذلك الجمع غبار ثائر من الأرض لشدة وطء الأقدام؛ لأن الكديد التراب الناعم إذا وطئ ثار غباره) قال: حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فطاف، صلى الله عليه وسلم، بالبيت وصلى الظهر معلنا، ثم رجع ومن معه إلى دار الأرقم، فسمانى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يومئذ الفاروق، فرق الله بى بين الحق والباطل[10].

وسئل ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عن أَشَدِّ شَىْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، فقَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، يُصَلِّى فِى حِجْرِ الْكَعْبَةِ؛ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِى مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِى عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، رضى الله عنه، قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِى مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ، عَلَيْهَا السَّلاَمُ، فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ فَقَالَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ”، فَرَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِى بِئْرٍ غَيْرَ أُمَيَّةَ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، فَلَمْ يُلْقَ فِى الْبِئْرِ.

وعن خَبَّابٍ قال: أَتَيْتُ النَّبِىَّ، صلى الله عليه وسلم، وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وَهْوَ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ: أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ؟ فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ: “لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ[11].”

ودخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة في عمرة القضاء هو وأصحابه وكانت حالها على ما هي عليه من الشرك.

وقد بشرهم الله تعالى بدخول مكة معتمرين. قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح: 27).

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَقَامَ فِى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ثَلاَثًا[12].

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضى الله عنهما، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. وَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ[13].

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضى الله عنهما، قَالَ: “إِنَّمَا سَعَى النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُرِىَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ[14].”

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: رَحِمَ اللّهُ امْرَأً أَرَاهُمْ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوّةً، ثُمّ اسْتَلَمَ الرّكْنَ، وَخَرَجَ يُهَرْوِلُ وَيُهَرْوِلُ أَصْحَابُهُ مَعَهُ حَتّى إذَا وَارَاهُ الْبَيْتُ مِنْهُمْ وَاسْتَلَمَ الرّكْنَ الْيَمَانِيّ، مَشَى حَتّى يَسْتَلِمَ الرّكْنَ الْأَسْوَدَ ثُمّ هَرْوَلَ كَذَلِك ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى سَائِرَهَا[15].

و. ولقد وجد أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من صنوف العذاب ألوانا على يد مشركي قريش، فكان أمر رسول الله لهم بالصبر وقوة التحمل حتى يجعل الله لهم مخرجا.

فإن قريشا عدوا على من أسلم، ووثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم، ويعصمه الله منهم.

ـ فأما بلال بن رباح؛ فكان أمية بن خلف يُخْرِجُه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى؛ فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد.

وروى البلاذري عن عمرو بن العاص قال: مررت ببلال وهو يعذب في الرمضاء ولو أن بضعة لحم وضعت عليه لنضجت، وهو يقول: أنا كافر باللات والعزى. وأمية مغتاط عليه، فيزيده عذابا، فيقبل عليه فيدغت في حلقه فيغشى عليه ثم يفيق.

وروى ابن سعد عن حسان بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، قال: حججت فرأيت بلالا في حبل طويل يمده الصبيان وهو يقول: أحد أحد أنا أكفر باللات والعزى وهبل ونائلة وبوانة. فأضجعه أمية في الرمضاء.

فمر به أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، يوما وهم يصنعون ذلك به. فقال لأمية بن خلف: أَلَا تَتّقِي اللّهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ؟ حَتّى مَتَى؟ قَالَ أَنْت الّذِي أَفْسَدْته فَأَنْقِذْهُ مِمّا تَرَى؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ. أَفْعَلُ عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ مِنْهُ وَأَقْوَى، عَلَى دِينِك، أُعْطِيكَهُ بِهِ قَالَ قَدْ قَبِلْتُ فَقَالَ هُوَ لَك. فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، غُلَامَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ فَأَعْتَقَهُ[16].

ـ وأما عمار بن ياسر؛ فقد أَخَذَه الْمُشْرِكُونَ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِىَّ، صلى الله عليه وسلم، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: “مَا وَرَاءَكَ؟”. قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ. قَالَ: “كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟”. قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: “إِنْ عَادُوا فَعُدْ[17].” ونزل في شأنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْاِيمَانِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106).

ومن قبل ذلك صبرت أم عمار السيدة سمية على عذاب المشركين حتى مر بها أبو جهل فطلب منها سب النبي فرفضت، فطعنها في حيائها، فاستشهدت، فكانت أول شهيدة في الإسلام، واستشهد كذلك زوجها ياسر. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يمر عليهم فيأمرهم بالصبر ويبشرهم بالجنة. يقول: “صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةَ”.

النموذج الثاني: مجتمع الحبشة

كانت الحبشة كقريش مجتمعا غير مسلم، ولكنه كان يكفل للأقلية المسلمة فيه العدل، ويقدم لهم الحماية والحرية الدينية. فكيف كانت حياة الصحابة في الحبشة؟

إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء من أهل مكة وتعذيبهم عندما أظهروا الإسلام، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا عظيما لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج قوم وستر الباقون إسلامهم، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش، فخرج عند ذلك أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام، وكانوا أحد عشر نفرا وأربع نسوة متسللين سرا، فصادف وصولهم إلى البحر سفينتين للتجار فحملوهم فيهما إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة، وخرجت قريش في آثارهم فقاتلوهم.

وكان أول من خرج عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وجعفر بن أبي طالب، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية، وعبد الله بن مسعود فيمن خرج معهم، رضي الله عنهم، فأقاموا عند النجاشي شعبان ورمضان، وقدموا في شوال ولم يدخل أحدهم مكة، فآذوهم عشائرهم، فأذن لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الخروج مرة أخرى، فخرجوا في جماعة من رجال ونساء، وكان جميع من لحق بأرض الحبشة سوى من ولد بها وأبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا نيفا وثمانين رجلا وإحدى عشرة امرأة، ولما سمعوا بمهاجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا وثمان نسوة، فمات منهم رجل بمكة وحبس سبعة، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون.

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا ضَاقَتْ عَلَيْنَا مَكَّةُ وَأُوذِىَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَفُتِنُوا وَرَأَوْا مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْبَلاَءِ وَالْفِتْنَةِ فِى دِينِهِمْ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، من لاَ يَسْتَطِيعُ دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فِى مَنْعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَعَمِّهِ لاَ يَصِلُ إِلَيْهِ شَىْءٌ مِمَّا يَكْرَهُ مَمَّا يَنَالُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لاَ يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ فَالْحَقُوا بِبِلاَدِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ”، فَخَرَجْنَا إِلَيْهَا أَرْسَالاً حَتَّى اجْتَمَعْنَا بِهَا فَنَزَلْنَا ِخَيْرِ دَارٍ إِلَى خَيْرِ جَارٍ أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا وَلَمْ نَخْشَ مِنْهُ ظُلْمًا[18].

وعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النّجَاشِيّ، أَمِنّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللّهَ تَعَالَى لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَى النّجَاشِيّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ جَلْدَيْنِ وَأَنْ يُهْدُوا لِلنّجَاشِيّ هَدَايَا مِمّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأُدْمُ فَجَمَعُوا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيّةً، ثُمّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَأَمَرُوهُمَا بِأَمْرِهِمْ وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعَا إلَى كُلّ بِطْرِيقٍ هَدِيّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلّمَا النّجَاشِيّ فِيهِمْ ثُمّ قَدّمَا إلَى النّجَاشِيّ هَدَايَاهُ ثُمّ سَلَاهُ أَنْ يُسَلّمَهُمْ إلَيْكُمَا قَبْل أَنْ يُكَلّمَهُمْ.

قَالَتْ: فَخَرَجَا حَتّى قَدِمَا عَلَى النّجَاشِيّ… ثُمّ إنّهُمَا قَدّمَا هَدَايَاهُمَا إلَى النّجَاشِيّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمّ كَلّمَاهُ فَقَالَا لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ إنّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِك مِنّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِك، وَجَاءُوا بِدِينٍ ابْتَدَعُوهُ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْت، وَقَدْ بَعَثَنَا إلَيْك فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدّهُمْ إلَيْهِمْ فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا… قَالَتْ: فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقَا أَيّهَا الْمَلِكُ قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَأَسْلِمْهُمْ إلَيْهِمَا فَلْيَرُدّاهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ. قَالَتْ: فَغَضِبَ النّجَاشِيّ، ثُمّ قَالَ: لَاهَا اللّهِ إذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إلَيْهِمَا، وَلَا يَكَادُ قَوْمٌ جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلَادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ عَمّا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتهمْ إلَيْهِمَا، وَرَدَدْتُهُمْ إلَى قَوْمِهِمْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي.

ـ كلمة جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي

وكَلّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ كُنّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيّ مِنّا الضّعِيفَ، فَكُنّا عَلَى ذَلِكَ حَتّى بَعَثَ اللّهُ إلَيْنَا رَسُولًا مِنّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إلَى اللّهِ لِنُوَحّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدّمَاءِ وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزّورِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصّلَاةِ وَالزّكَاةِ وَالصّيَامِ،  قَالَتْ فَعَدّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَام، فَصَدّقْنَاهُ وَآمَنّا بِهِ وَاتّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللّهِ فَعَبَدْنَا اللّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرّمْنَا مَا حَرّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدّونَا إلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنْ نَسْتَحِلّ مَا كُنّا نَسْتَحِلّ مِنْ الْخَبَائِثِ فَلَمّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيّقُوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إلَى بِلَادِك، وَاخْتَرْنَاك عَلَى مَنْ سِوَاك؛ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِك، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَك أَيّهَا الْمَلِكُ.

قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النّجَاشِيّ: هَلْ مَعَك مِمّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ النّجَاشِيّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيّ. قَالَتْ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ (كهيعص) قَالَتْ: فَبَكَى وَاَللّهِ النّجَاشِيّ حَتّى اخْضَلّتْ لِحْيَتُهُ وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتّى أَخْضَلّوا مَصَاحِفَهُمْ حِين سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ. ثُمّ قَالَ لَهُمْ النّجَاشِيّ: إنّ هَذَا وَاَلّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. انْطَلِقَا.

قَالَتْ: فَلَمّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاَللّهِ لَآتِيَنّهُ غَدًا عَنْهُمْ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ أَتْقَى الرّجُلَيْنِ فِينَا: لَا نَفْعَلُ فَإِنّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا؛ قَالَ: وَاَللّهِ لَأُخْبِرَنّهُ أَنّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ. قَالَتْ: ثُمّ غَدَا عَلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ إنّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إلَيْهِمْ فَسَلْهُمْ عَمّا يَقُولُونَ فِيهِ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ. قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا قَطّ. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاَللّهِ مَا قَالَ اللّهُ وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيّنَا، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. قَالَتْ: فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ قَالَتْ فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيّنَا، صلى الله عليه وسلم، هُوَ عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. قَالَتْ: فَضَرَبَ النّجَاشِيّ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمّ قَالَ: وَاَللّهِ مَا عَدَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ. قَالَتْ: فَتَنَاخَرَتْ[19] بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاَللّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي، وَالشّيُومُ الْآمِنُونَ، مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ، مَا أُحِبّ أَنّ لِي دَبَرًا[20] مِنْ ذَهَبٍ وَأَنّي آذَيْت رَجُلًا مِنْكُمْ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالدّبَرُ (بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ): الْجَبْلُ، رُدّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَوَاَللّهِ مَا أَخَذَ اللّهُ مِنّي الرّشْوَةَ حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النّاسَ فِيّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.

ـ آثر كثير من الصحابة البقاء في الحبشة حتى بعد هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة

فإنه لما التجأ المهاجرون الأولون إلى الحبشة فأكرمهم النجاشي وبقوا هنالك آمنين من اضطهاد قريش، ولما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، عاد أربعون من المهاجرين والتحقوا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة، وبقي منهم في الحبشة نحو خمسين أو ستين تحت حماية النجاشي.

ـ رسائل النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى النجاشي

حمل عمرو بن الضمري رسالتين من رسول الله إلى النجاشي، يدعوه في إحداهما إلى الإسلام، وفي الأخرى يطلب منه أن يزوجه بأم حبيبة.

بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصنة، فحملت بعيسى من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله فقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى.

فما وصل إليه الكتاب وضعه على عينيه ونزل عن سريره فجلس على الأرض ثم أسلم وكتب الجواب للنبي، صلى الله عليه و سلم، وهذا هو:

بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله. من النجاشي الأصحم بن أبجر. سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام. أما بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض أن عيسى ما يزيد على ما ذكرت. وقد عرفنا ما بَعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وأرسلت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله[21].

ـ إسلام النجاشي

وروى ابن إسحاق: اجْتَمَعَتْ الْحَبَشَةُ فَقَالُوا لِلنّجَاشِيّ: إنّك قَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا وَخَرَجُوا عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَ إلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ فَهَيّأَ لَهُمْ سُفُنًا وَقَالَ: ارْكَبُوا فِيهَا وَكُونُوا كَمَا أَنْتُمْ، فَإِنْ هُزِمْتُ فَامْضُوا حَتّى تَلْحَقُوا بِحَيْثُ شِئْتُمْ، وَإِنْ ظَفِرْتُ فَاثْبُتُوا. ثُمّ عَمَدَ إلَى كِتَابٍ فَكَتَبَ فِيهِ هُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَشْهَدُ أَنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ[22].

ـ خَطَبَ النجاشي أمَّ حبيبة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم

تَزَوّجَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، أُمَّ حَبِيبَةَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، زَوّجَهُ إيّاهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُمَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَصْدَقَهَا النّجَاشِيّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَرْبَعَ مِئَةِ دِينَارٍ، وَهُوَ الّذِي كَانَ خَطَبَهَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيّ[23].

ـ فرح النجاشي بنصر المسلمين في بدر

وقد روي أن وقعة بدر حين انتهى خبرها إلى النجاشي رحمه الله، وعلم بها قَبْلَ مَنْ عنده مِنَ المسلمين، فأرسل إليهم، فلما دخلوا عليه إذا هو قد لبس مسحا  çulوقعد على التراب والرماد، فقالوا له: ما هذا أيها الملك؟ فقال: إنا نجد في الإنجيل أن الله سبحانه إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث لله تواضعا، وأن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن النبي محمدا، صلى الله عليه وسلم، بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بواد يقال له: بدر. كثير الأراك، وأن الله تعالى قد هزم أعداءه فيه، ونصر دينه.

ـ علاقة رسول الله والصحابة بالنجاشي

وذكر أن جعفرا، رضي الله عنه، ولد له بأرض الحبشة ثلاثة أولاد: محمد، وعون، وعبد الله. وكان النجاشي قد ولد له مولود يوم ولد عبد الله، فأرسل إلى جعفر يسأله كيف أسميت ابنك؟ فقال: عبد الله. فسمى النجاشي ابنه عبد الله، وأرضعته أسماء بنت عميس امرأة جعفر مع ابنها عبد الله، فكانا يتواصلان بتلك الأخوة[24].

وقال السهيلي: ومن رواية يونس عن ابن إسحاق أن أبا نيزر مولى علي بن أبي طالب عليه السلام كان ابنا للنجاشي نفسه، وأن عليًا، عليه السلام، وجده عند تاجر بمكة فاشتراه منه وأعتقه مكافأة لما صنع أبوه مع المسلمين[25].

ـ هدايا النجاشي لرسول الله

أ. عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أهدى النجاشي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بغلة فكان يركبها، وبعث إليه بقدح وكان يشرب فيه.

ب. وعن جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: أهدى النجاشي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قارورة وكانت أول ما عملت له.

ج. وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: أَهْدَى النَّجَاشِىُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَلْقَةً فِيهَا خَاتَمُ ذَهَبٍ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِىٌّ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِعُودٍ وَإِنَّهُ لَمُعْرِضٌ عَنْهُ، ثُمَّ دَعَا ابْنَةَ ابْنَتِهِ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِى الْعَاصِ فَقَالَ: “تَحَلِّىْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ[26].”

د. وعن بريدة بن الحصيب قال: أَهْدَى النَّجَاشِىُّ إِلَى النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، خُفَّيْنِ سَاذَجَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا[27].

فرح الحبشة بقدوم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، وحفاوته، صلى الله عليه وسلم، بمقدم وفد الحبشة إلى المدينة.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْمَدِينَةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ لِقُدُومِهِ فَرَحًا بِذَلِكَ لَعِبُوا بِحِرَابِهِمْ[28].

وَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ، صلى الله عليه وسلم، يَسْتُرُنِى، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِى الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم: “دَعْهُمْ، أَمْنًا بَنِى أَرْفِدَةَ”. يَعْنِى مِنَ الأَمْنِ[29].[30]

وعن أبي قتادة قال: لما قدم وفد النجاشي على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك. فقال: إنهم كانوا يكرمون أصحابي وأحب أن أكافيهم[31].

وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتحدث مع أصحابه أحيانا ببعض ألفاظ الحبشة؛ فعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ، وَقَدْ قَدِمَتْ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، أَنَّ النَّبِىَّ، صلى الله عليه وسلم، أُتِىَ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ[32] سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ، فَقَالَ: “مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُو هَذِهِ؟” فَسَكَتَ الْقَوْمُ قَالَ: “ائْتُونِى بِأُمِّ خَالِدٍ”، فَأُتِىَ بِهَا تُحْمَلُ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ: “أَبْلِى وَأَخْلِقِى[33]“. وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ فَقَالَ: “يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَاهْ”. وَسَنَاهْ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنٌ[34].”

ـ صلاة الغائب على النجاشي

عَنْ جَابِرٍ، رضى الله عنه، قَالَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، حِينَ مَاتَ النَّجَاشِىُّ: “مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ[35].”

ـ روايات حول اشتراك المسلمين مع النجاشي في حربه مع عدوه

أ. جاء في المبسوط للسرخسي (10/166)

 قال: وَإِذَا كَانَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَغَارَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَحِلَّ لِهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ؛ لِأَنَّ فِي الْقِتَالِ تَعْرِيضَ النَّفْسِ فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلَّا عَلَى، وَجْهِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاعَزَازِ الدِّينِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هَهُنَا؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ أَهْلِ الشِّرْكِ غَالِبَةٌ فِيهِمْ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَحْكُمُوا بِأَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَكَانَ قِتَالُهُمْ فِي الصُّورَةِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الشِّرْكِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ أُولَئِكَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ لِلدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لَا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الشِّرْكِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ بِالْحَبَشَةِ مَعَ الْعَدُوِّ الَّذِي كَانَ قَصَدَ النَّجَاشِيَّ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمئِذٍ آمِنًا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ الْخَوْفِ.

ب. وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار (14/463)

 أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: قد قيل: يقاتلونهم. قد قاتل الزبير وأصحاب له ببلاد الحبشة مشركين عن مشركين. ثم ساق الكلام إلى أن قال: ولو قال قائل: يمنع عن قتالهم لمعان ذكرها كان مذهبا، ثم ساق الكلام إلى أن قال: ولا نعلم خبر الزبير يثبت، ولو ثبت كان النجاشي مسلما، كان آمن برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصلى النبي، صلى الله عليه وسلم، عليه.

قال أحمد: النجاشي كان مسلما كما قال الشافعي: وحديث أم سلمة في قصة الزبير حديث حسن. وكان ذلك قبل نزول هذه الأحكام في الغنيمة والخمس والجزية التي لأجلها استحب الشافعي أن لا يقاتلوا إن لم يستكرهوهم على قتالهم.

وكلام الإمام الشافعي ذكره في “الأم”، وفي هذه المسألة يظهر ويتضح أن الواقع الزمني والحال الاجتماعي الذي صيغت فيه المؤلفات والآراء الفقهية الكبرى كان له تأثير في توجيه أو تغليب نموذج من نماذج التعايش في هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، على نموذج آخر، فإن الدولة والحضارة الإسلامية في زمانها الأول كانت في أوج ازدهارها وقوتها، ولقد انشغل الفقهاء المجتهدون حينئذ بالفقه الزمني، والذي كان واجب وقتهم ولا غضاضة عليهم في ذلك، فإن نموذج الحبشة وهو أن يكون المسلمون أقلية مضطهدة وهاربة من أرض إلى أرض وتعيش في ظروف أمن وعدل وحرية في ظل دولة غير إسلامية فهذا النموذج أو هذه الحالة قد تبدو في القرن الثاني أو الثالث الهجري مجرد فرض مستبعد قيامه، وعليه فإن الفقهاء لم يستجيزوا التعامل معه أو تصوره؛ كي لا يكون تأصيل أحكام لمثل هذا النموذج فيها ذريعة للضعف، فكان ميلهم إلى نموذج المدينة الذي تركهم عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون، وهو نموذج قوة الدولة والأفراد ومنعتهم.

والذي يحاول هذا البحث أن ينتهي إليه أن النماذج الأربعة في التعايش مع الآخر فردا كان أو دولة هي نماذج قائمة لم تنسخ، وواقع وحال الأفراد أو الجماعات هو الذي يحدد للمسلم في هدي أي نموذج يمكن أن يتواصل ويتعاون ويحقق السلام الاجتماعي والتعايش مع الآخر.

ودور العلماء المجتهدين في عصرنا الحاضر هو التعمق في إدراك هذه النماذج الأربعة وحسن الاستفادة منها باستخلاص الأحكام الفقهية والشرعية التي تحقق للمسلم فردا أو جماعة المصلحة، وتحقق له الأمن والحرية، وتحقق له التوفيق بين القيام بمتطلبات دينه من دعوة للحق ومن تأدية للعبادات والشعائر وبين السلام مع الآخرين وعدم الاصطدام بهم.

ولقد كان هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، دائما حتى في أحلك الظروف وضغوط الحرب يُعَلِّم أصحابه ويهديهم بأن لا يتمنوا الحرب والصدام بل يسألوا الله العافية. قال، صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا”.

أما إذا تكاسل العلماء عن الاجتهاد واكتفوا باجترار اجتهادات فقهاء سابقين اجتهدوا وأحسنوا في تحقيق الرشاد في ظل واقعهم فإن الهوة الموجودة في حياة المسلمين الآن بين بعض الأحكام والواقع والمصلحة ستتسع، وسيقع المسلمون في العنت والمشقة حتى يصيروا في ظل هذه الاجتهادات القديمة متبعين للشرع وسائرين على هديه.

النموذج الثالث: المدينة في المرحلة الأولى

وفيها كانت المدينة مقسمة تقريبا بين المسلمين واليهود والمنافقين والمشركين. فكيف تعامل وتعايش رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه مع هذه الأصناف؟

1. اليهود

إن الذي بشر الأنصار في المدينة بقدوم سيدنا رسول الله كان يهوديا. يحكي الأنصار قالوا: لَمّا سَمِعْنَا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ مَكّةَ، وَتَوَكّفْنَا[36] قُدُومَهُ كُنّا نَخْرُجُ إذَا صَلّيْنَا الصّبْحَ إلَى ظَاهِرِ حَرّتِنَا نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَوَاَللّهِ مَا نَبْرَحُ حَتّى تَغْلِبَنَا الشّمْسُ عَلَى الظّلَالِ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلّا دَخَلْنَا، وَذَلِكَ فِي أَيّامٍ حَارّةٍ. حَتّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، جَلَسْنَا كَمَا كُنّا نَجْلِسُ حَتّى إذَا لَمْ يَبْقَ ظِلّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللّه،ِ صلى الله عليه وسلم، حَيْنَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ فَكَانَ أَوّلُ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَى مَا كُنّا نَصْنَعُ وَأَنّا نَنْتَظِرُ قُدُومَ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَلَيْنَا، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا بَنِي قَيْلَةَ، هَذَا جَدّكُمْ قَدْ جَاءَ. قَالَ: فَخَرَجْنَا إلَى رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ فِي ظِلّ نَخْلَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي مِثْلِ سِنّهِ، وَأَكْثَرُنَا لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَكِبَهُ النّاسُ وَمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، حَتّى زَالَ الظّلّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَظَلّهُ بِرِدَائِهِ فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ[37].

ـ كِتَابُهُ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُوَادَعَةُ[38] يَهُودَ

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ.

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاسِ، الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ[39] يَتَعَاقَلُونَ[40]، وَبَنُو عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، كُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ… وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا[41] بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ، وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ[42] ظُلْمٍ أَوْ إثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ، وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ وَإِنّ ذِمّةَ اللّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النّاسِ، وَإِنّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ، وَإِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ…

وَإِنّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسَهَا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ، وَإِنّهُ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنّهُ قَوَدٌ بِهِ إلّا أَنْ يَرْضَى وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافّةٌ وَلَا يَحِلّ لَهُمْ إلّا قِيَامٌ عَلَيْهِ، وَإِنّهُ لَا يَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرّ بِمَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا (مجرما/محدثا؛ أي من أحدث منكرا غير معتاد) وَلَا يُؤْوِيهِ، وَأَنّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.

وَإِنّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ، عَزّ وَجَلّ، وَإِلَى مُحَمّدٍ، صلى الله عليه وسلم، وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ[43] إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّارِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف…

وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى المُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ، وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النُّصْحَ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ[44]، وَإِنَّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ، وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ، وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ… وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ، وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ، إلّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ، وَإِنّ اللّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرّ وَاتّقَى، وَمُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم[45].

والعدالة في هذه الوثيقة تمثلت في توافق الحقوق والواجبات وتناسقها، فإنها تضمنت حقوق الأفراد جميعا في ممارسة الشعائر الدينية الخاصة، وحقوقهم في الأمن والحرية وصون أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ودور عبادتهم.

فقد قامت وثيقة النبي، صلى الله عليه وسلم، بين أهل المدينة على أربعة محاور:

  1. التعايش السلمي بين الجميع، وتوفير الأمن للجميع قال: “أنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى”. وقال: ” وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم”.
  2. المحافظة على الحرية الدينية للجميع قال: “وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم”.
  3. إعطاء الفرصة للجميع في المشاركة الاجتماعية والسياسية والعسكرية بصورة عادلة.
  4. إقرار مبدأ المسئولية الفردية، وأصل هذه المسئولية هو الإعلان عن النظام، وأخذ الموافقة عليه، جاء فيها: “أنه لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره. وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلوم”.

ـ غدر بني قريظة بالمعاهدة

لقد كان غدر بني قريظة وخيانتهم لرسول الله والمؤمنين في المدينة أشد من غدر غيرهم من اليهود، فإنهم سعوا إلى خيانة لو تَمَّتْ لهم لَفَنِيَ المسلمون عن آخرهم. فقد كانوا يملكون حصنا منيعا أسفل المدينة، فنقضوا عهدهم مع رسول الله وتحالفوا مع أعدائه من المشركين الذين قدموا لغزو المدينة في غزوة الخندق، ولولا الدور الذي قام به الصحابي نعيم بن مسعود لهلك المسلمون.

ـ تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة

قَالَتْ أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها: وَيَرْمِى سَعْداً رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَرِقَةِ. بِسَهْمٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ. فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ[46] فَقَطَعَهُ، فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَعْدٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْنِى حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِى مِنْ قُرَيْظَةَ. قَالَتْ: وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ وَمَوَالِيَهُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَتْ: فَرَقَى كَلْمُهُ[47] وَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الرِّيحَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَكَفَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً، فَلَحِقَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِتِهَامَةَ وَلَحِقَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ وَمَنْ مَعَهُ بِنَجْدٍ، وَرَجَعَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَتَحَصَّنُوا فِى صَيَاصِيهِمْ[48]، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَضَعَ السِّلاَحَ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، جلد، فَضُرِبَتْ عَلَى سَعْدٍ فِى الْمَسْجِدِ، قَالَتْ: فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَإِنَّ عَلَى ثَنَايَاهُ لَنَقْعُ الْغُبَارِ فَقَالَ: أَقَدْ وَضَعْتَ السِّلاَحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ بَعْدُ السِّلاَحَ، اخْرُجْ إِلَى بَنِى قُرَيْظَةَ فَقَاتِلْهُمْ. قَالَتْ: فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لأْمَتَهُ وَأَذَّنَ فِى النَّاسِ بِالرَّحِيلِ أَنْ يَخْرُجُوا، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَحَاصَرَهُمْ خَمْساً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.

يلاحظ في رواية السيدة عائشة أن يهود بني قريظة كانوا مدركين لأمر خيانتهم لعهدهم مع رسول الله والمؤمنين؛ لأنهم وبمجرد أن ارتد مشركو قريش عن المدينة رجعوا إلى صياصيهم وتحصنوا بها، وتحسبوا لخوض المعركة مع النبي، صلى الله عليه وسلم.

الأمر الآخر أنهم حوصروا خمسا وعشرين ليلة فلم يَرِدْ أنهم أحدثوا اعتذارا أو طلب سلم أو صلح مع رسول الله، ولكن أخذتهم العزة بالأثم، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ورسوله، وأن المؤمنين سيرتدون عنهم مغلوبين على أمرهم.

فَلَمَّا اشْتَدَّ حَصْرُهُمْ وَاشْتَدَّ الْبَلاَءُ قِيلَ لَهُمُ: انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَشَارُوا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ الذَّبْحُ قَالُوا: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ”، فَنَزَلُوا وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأُتِىَ بِهِ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ[49] مِنْ لِيفٍ قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ وَحَفَّ بِهِ قَوْمُهُ، فَقَالُوا؛ (أي قومه): يَا أَبَا عَمْرٍو حُلَفَاؤُكَ وَمَوَالِيكَ وَأَهْلُ النِّكَايَةِ وَمَنْ قَدْ عَلِمْتَ. قَالَتْ: لاَ يُرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً، وَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ دُورِهِمُ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: قَدْ آنَ لِى أَنْ لاَ أُبَالِىَ فِى اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ.

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: “قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ”. قَالَ: “أَنْزِلُوهُ”. فَأَنْزَلُوهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “احْكُمْ فِيهِمْ”. قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّى أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَحُكْمِ رَسُولِهِ[50].”

وفي رواية البخاري عن ابن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: “لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ[51].”

ـ تَوْبَةُ أَبِي لُبَابَةَ

بعث بنو قريظة إلَى رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم: أَنْ ابْعَثْ إلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، إلَيْهِمْ، فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ إلَيْهِ الرّجَالُ وَجَهَشَ إلَيْهِ النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقّ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ إنَّهُ الذَّبْحُ.

قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَوَاَللّهِ مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتّى عَرَفْتُ أني قد خنت الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ثُمّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَتّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتّى يَتُوبَ اللّهُ عَلَيّ مِمّا صَنَعْت. وَعَاهَدَ اللّهَ أَنْ لَا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلَا أُرَى فِي بَلَدٍ خُنْت اللّهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ أَبَدًا.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، خَبَرُهُ وَكَانَ قَدْ اَسْتَبْطَأَهُ قَالَ: أَمَا إنّهُ لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمّا إذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَل فَمَا أَنَا بِاَلّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتّى يَتُوبَ اللّهُ عَلَيْهِ.

فنزلت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، توبته، فَثَارَ النّاسُ إلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ فَقَالَ: لَا وَاَللّهِ حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، هُوَ الّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ. فَلَمّا مَرّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّه،ِ صلى الله عليه وسلم، خَارِجًا إلَى صَلَاةِ الصّبْحِ أَطْلَقَهُ[52].

ولأول سابقة في التاريخ يسمح صاحب السلطان والنفوذ والمنتصر والمجني عليه للمجرم والخائن والضعيف أن يختار قاضيه ومَنْ يحكم عليه بالعقوبة. فقد سمح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليهود بني قريظة أن يختاروا شخصا يحكم عليهم، فاختاروا سعد بن معاذ، وظنوا أنه سيعفو عنهم أو يخفف عنهم العقاب، ولكنه على العكس من ذلك حكم عليهم بعقوبة الغدر والخيانة، وهي القتل والسبي.

وبالرغم من قسوة العقوبة، والتي كان بنو قريظة يتوقعونها استمروا في القتال دون طلب السلم أو العفو، وهم يعلمون ما يستحقونه من عقاب، ولم يطلبوا الاحتكام إلى قضاء سعد بن معاذ إلا بعد أن أحسوا الهزيمة في المعركة، وعلموا أن رسول الله ومن معه لن ينصرفوا عنهم حتى يحسموا أمرهم معهم.

وقد أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يكشف لسعد بن معاذ ما ينويه اليهود من إيقاع الفتنة في نفسه، فإنه لما أَقْبَلَ سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وَالنَّاسُ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، جُلُوسٌ، فَلَمَّا طَلَعَ سَعْدٌ قَالَ رَسُولُ اللّه،ِ صلى الله عليه وسلم: “قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ”. فَكَانَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَقُولُونَ: فَقُمْنَا لَهُ عَلَى أَرْجُلِنَا صَفَّيْنِ، يُحَيِّيهِ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا، حَتَّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم.

فحينما طلب اليهود الاحتكام إلى سعد بن معاذ كانوا يريدون الوقيعة بين الأوس والخزرج وبين النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فقد كان سعد زعيم الأوس، وفي تجنبهم لرسول الله وعدم رضاهم بالنزول على حكمه، واختيارهم لسعد بن معاذ محاولة منهم خاسرة لإيقاع الفرقة والضغينة بين المسلمين.

وقد كان عدد مَنْ طُبِّقَ عليهم عقوبةُ القتل جزاءً لما بيتوه من خيانة وغدر من الرجال سِتُّمَائَةٍ أَوْ سَبْعُمَائَةٍ، وَالْمُكْثِرُ لَهُمْ يَقُولُ: كَانُوا بَيْنَ الثَّمَانمِائَةٍ وَالتِّسْعِمَائَةٍ[53].

ومن النساء امرأة واحدة وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ الَّتِي طَرَحَتْ الرَّحَا عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَقَتَلَتْهُ. فَقَدْ كَانَ قَتْلُهُا قَصَاصًا.

فهذا يعني أن يهود بني قريظة لم يكونوا متحصنين في الحصون فقط، بل كانوا يحاربون المسلمين من ورائها، فيقذفونهم بالحجارة والسهام وغير ذلك.

ولقد نقض بنو قينقاع وبنو النضير عهدهم مع رسول الله وحاربوه فلما انتصر عليهم لم يأمر فيهم بمثل ما أمر في بني قريظة، وما ذلك إلا لأن بني قريظة ارتكبوا جريمة زائدة وهي الخيانة العظمى، والتي كان من شأنها لو أحاطت بالمسلمين أن قضت عليهم جميعا.

وفي وقت تطبيق العقوبة على بني قريظة كانت هناك حالات عفو فردية، من قبيل:

أ. أَتَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِلزُّبَيْرِ عَلَيَّ مِنَّةٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا، فَهَبْ لِي دَمَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: “هُوَ لَكَ”؛ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ وَهَبَ لِي دَمَكَ، فَهُوَ لَك. قَالَ: شَيْخُ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدٌ فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ؟ قَالَ: فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ هَبْ لِي امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ. قَالَ: “هُمْ لَك”. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ وَهَبَ لِي رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ، فَهُمْ لَكَ. قَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَالَهُ. قَالَ: “هُوَ لَكَ”. فَأَتَاهُ ثَابِتٌ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، مَالَكَ، فَهُوَ لَك.

قَالَ: أَيْ ثَابِتٌ مَا فَعَلَ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيَّةٌ يَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيُّ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدِّمَتُنَا إذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا، عَزَّالُ بْنُ سَمَوْأَلَ؟ قَالَ: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمُجْلِسَانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ وَبَنِيَّ عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ؟ قَالَ: ذَهَبُوا قُتِلُوا. قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُك يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ إلَّا أَلْحَقْتَنِي بِالْقَوْمِ، فَوَاَللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ، فَمَا أَنَا بِصَابِرٍ للهِ فَتْلَةَ دَلْوٍ[54] نَاضِحٍ حَتَّى أَلْقَى الْأَحِبَّةَ. فَقَدَّمَهُ ثَابِتٌ فَضُرِبَ عُنُقُهُ. فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَوْلَهُ أَلْقَى الْأَحِبَّةَ. قَالَ: يَلْقَاهُمْ وَاَللهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا.

فإن الزبير القرظي طلب أن يُلْحَقَ بأصحابه ممن قتل، مما يعكس أن بني قريظة قد سيطرت عليهم فكرة أنهم ضحايا مظلومون مضطهدون شهداء، وليس الأمر كذلك، فلم يكونوا إلا خونة وغادرين، ومَا كَان يُصِيبُ النبيَّ وأصحابَه من جَراء خيانتهم لَهُوَ أَبْشَعُ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَصَابَهُم.

ويؤكد ذلك عبارة تكررت على لسان زعيم اليهود حيي بن أخطب والذي شهد ما فعله بنو النضير وما فعله بنو قريظة، وقال في الموطنين: فَأَيُّ غِرَّةٍ نُصِيبُ مِنْهُمْ؟ هِيَ مَلْحَمَةٌ وَبَلَاءٌ كُتِبَ عَلَيْنَا. وعند قَتْلِهِ كرر نفس العبارة قال: مَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ. وذلك حينما طَلَبَ من بني قريظة أن يتربصوا للنبي وأصحابه فيصيبوهم على غِرة.

ب. وإن سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ أُمَّ الْمُنْذِرِ من بني النجار، وَكَانَتْ إحْدَى خَالَاتِ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ صَلَّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ وَبَايَعَتْهُ بَيْعَةَ النِّسَاءِ، سَأَلَتْهُ رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْأَلَ الْقُرَظِيَّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ بَلَغَ، فَلَاذَ بِهَا، وَكَانَ يَعْرِفُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، هَبْ لِي رِفَاعَةَ، فَإِنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّهُ سَيُصَلِّي وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْجَمَلِ. قَالَ: فَوَهَبَهُ لَهَا. فَاسْتَحْيَتْهُ. فأسلم وله صحبة.

فإن سلمى بنت قيس من بني النجار كانت تعرف رفاعة، فلما أصابه ما أصابه واستحق القتل لاذ بها يطلب منها الحماية والجوار، وجملة “ويأكل لحم الجمل” يبدو أنها كناية عن أن رفاعة سيكون مواليا للمسلمين ولن يغدر أو يخون.

ويلاحظ أن رسول الله وهبه لها أولا، ولم يطلب منها أن ترغمه على الإسلام أو تفاوضه على الحياة مقابل الإسلام، ولكن كل ما في الأمر أن سلمى قالت له: استحي من رسول الله وقد عفا عنك وأنت تعرف صدقه. فَأَسْلَمَ بعد نجاته من القتل، ولم يسلم لكي ينجو.

ج. وأسلم منهم في تلك الليلة نفر قبل النزول، فحقنوا دماءهم وأموالهم وذراريهم[55].

ويلاحظ قوله “قبل النزول”، فلم يكن إسلامهم خوفا من القتل؛ لأنهم أسلموا قبل معرفة حكم سعد بن معاذ فيهم بالقتل، ويدل على أنهم أسلموا قبل النزول على حكم سعد أن اليهود تشاوروا في حصنهم.

فقال كعب بن أسد، وقد كان كارها لنقض العهد مع رسول الله: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيُّهَا شِئْتُمْ. قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: نُتَابِعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ، فَوَاَللَّهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ فَتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ.

ويبدو أن إسلام من أسلم كان استجابة لدعوة كعب بن أسد، والتي عرض فيها لاختيارات تؤكد أن حكم سعد بن معاذ لم يكن صدر في شأنهم.

د. وقد نزل من معسكر بني قريظة عَمْرُو بْنُ سُعْدَى الْقُرَظِيُّ فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وَعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ سُعْدَى. وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَة حِينَ عَرَفَهُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ. ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ. فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَتَى بَابَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ تَوَجَّهَ مِنَ الْأَرْضِ إلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، شَأْنُهُ، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ[56].

ﻫ. ولما تجمع الرجال البالغون من بني قريظة عند رسول الله ينتظرون تنفيذ ما حكم به سعد أَمَرَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، بِأَحْمَالِ التَّمْرِ فَنُثِرَتْ عَلَيْهِمْ.

و. وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “أَحْسِنُوا إِسَارَهُمْ وَقَيِّلُوهُمْ[57] وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يُبْرِدُوا فَتَقْتُلُوا مَنْ بَقِيَ، لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ”. وَكَانَ يَوْمًا صَائِفًا[58].

ـ مسألة السلام على أهل الذمة

كيف يلتقي المسلم مع الذمي أو الكتابي؟ كره بعض الفقهاء ابتداءهم بالسلام، للأدلة:

ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: “لاَ تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بِالسَّلاَمِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ[59].”

وقال في الحديث الذي تلاه: وفي حديث وكيع: “إِذَا لَقِيتُمُ الْيَهُودَ”. وفي حديث ابن جعفر عن شعبة قال فيه: “أَهْلَ الْكِتَابِ”. وفي حديث جرير: “إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ”. وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، رُوِىَ ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، وابن أبى محيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا، من الشافعية، حكاه الماوردى[60].

قال القرطبي: “قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم. قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمُ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).

وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمُ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (الممتحنة: 4)، وقال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ﴾ (مريم: 47).

قال القرطبي: الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة، وفي الباب حديثان صحيحان: روى أبو هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم قال: “لاَ تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بِالسَّلاَمِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ[61].”

وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أن النبي، صلى الله عليه وسلم، رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاَطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ: لاَ تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم. الحديث.

فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء؛ لأن ذلك إكرام والكافر ليس أهله. والحديث الثاني يُجَوِّزُ ذلك. قال الطبري: ولا يُعَارَضُ مَا رَوَاهُ أسامةُ بحديث أبي هريرة؛ فإنه ليس في أحدهما خلاف للآخر، وذلك أن حديث أبي هريرة مَخْرَجُهُ العمومُ، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص. وقال النخعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام.

فبان بهذا أن حديث أبي هريرة “لاَ تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلاَمِ” إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام من قضاء ذمام أو حاجة تَعْرِضُ لكم قِبَلَهُمْ أو حَقِّ صُحْبَةٍ أو جِوَارٍ أو سَفَرٍ.

قال الطبري: وقد رُوِيَ عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، وفعله ابن مسعود بِدُهْقَانٍ صَحِبَهُ في طَرِيقِهِ. قال علقمة: فقلت له يا أبا عبد الرحمن: أليس يُكْرَهُ أن يُبْدَؤوا بالسلام؟ قال: نعم. ولكن حَقُّ الصحبة. (وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه. فقيل له في ذلك، فقال: أُمِرْنَا أَنْ نُفْشِيَ السلامَ). وسئل الأوزاعي عن مسلم مَرَّ بكافر فسلم عليه فقال: إن سلمتَ فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك. وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم[62].

وقول النبي، صلى الله عليه وسلم، فيه خصوصية، فهو يخص اليهود فقط من بني قريظة، لما غدروا بالعهد وخانوا وهموا بإدخال المشركين في ظهور المسلمين في غزوة الخندق، ورأى النبي معاقبتهم على هذه الخيانة، وفسخ العهد الذي بينه وبينهم بمجرد أن يَرُدَّ خطر الأحزاب الذين أحاطوا بالمدينة، وأراد النبي، صلى الله عليه وسلم، (خلال فترة الحصار) من أصحابه أن ينبذوا إليهم عهدهم ويشعروهم في صورة رمزية بدنو الحرب عليهم، ولم يُؤْثَرْ عن رسول الله أنه غلظ لأهل الكتاب عامة أو اليهود أو حتى المشركين عبدة الأوثان، فقد كان رحمة قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4) وقال عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (ءال عمران: 159).

فكان، صلى الله عليه وسلم، يُحْسن جوارهم، ويَعُود مرضاهم، ويعزيهم في مصائبهم، فمن يتصور أن رسول الله في المدينة أو في مكة كان يزور اليهود أو المشركين فلا يسلم عليهم. فمسألة الامتناع عن إلقاء السلام على بني قريظة كان يُشْبِهُ الإعلان بالحرب، وليس فيه حُكْمٌ عام يشمل أهل الكتاب جميعا أو اليهود جميعا، ولكن ربما يشمل من كان من أهل الذمة أو أهل العهد أشبه حاله حال بني قريظة من خيانة للعهد.

ولم يكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لينهى عن السلام على أهل الكتاب أو أهل الذمة ثم هو يرد عليهم السلام، بل يرد عليهم وهو يعلم أنهم يدعون عليه ويسيئون القول، ويُعَلِّمُ السيدة عائشة أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وأن الفحش والغلظة والعنف ما كان في شيء إلا شانه.

وفي صحيح البخاري عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللهُ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ: “مَهْلاً يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ”. قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: “أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ[63].”

(وما فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك، وما فعلت السيدة عائشة مع هؤلاء اليهود ما فعلت إلا أنهم قوم ماكرون بذيئون يلحنون بالسلام ليجعلوه دعاء، وعلى الرغم من ذلك ما وجدوا عند رسول الله إلا حسن الرد وحسن الخلق والرأفة والرحمة، فما بالنا لو أنهم كانوا مسالمين أو كانت أخلاقهم طيبة هل يُتَوَقَّعُ من رسول الله أو من المسلمين أن يتجنبوهم أو يغلظوا عليهم، ولا يوصف الامتناع عن السلام إلا بالشدة والجفاء).

ويؤيد ما ذهبت إليه من خصوصية النهي عن السلام ببني قريظة لنبذ عهدهم إليهم:

أ. ما رواه ابن ماجه عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قال، صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي رَاكِبٌ غَدًا إِلَى الْيَهُودِ. فَلاَ تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلاَمِ. فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ[64].”

ب. وما رواه أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي نضرة الغفاري أنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “إِنَّا غَادُونَ إِلَى يَهُودَ، فَلاَ تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلاَمِ، فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ[65].”

وذلك يجعلنا نخصص نهي رسول الله السابق بحادثة بني قريظة، خاصة أنه في القرآن الكريم من العموم الذي يؤيد ذلك.

قال تعالى: ﴿وَقِيلَهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُومِنُونَ. فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: 88-89). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُومِنُونَ بِئاَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الاَنعام: 55). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمُ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص: 55). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63).

وثبت عن ابن عباس أنه قال: من سلم عليك فَرُدَّ عليه ولو كان مجوسيا. وبه قال الشعبي وقتادة[66].

أما عن كيفية الرد نقول: عليكم. أو وعليكم. وهذا يختلف بطبيعة الحال الذي يكون عليه من نَرُدُّ عليهم من السلم أو العداء.

قال النووي: إثباتها؛ (أي الواو) أجود، فمعناه بدونها: عليكم ما تستحقونه. وبها: أنهم إن لم يقصدوا دعاء علينا فهو دعاء لهم بالإسلام؛ فإنه مناط السلامة في الدارين، وإن قصدوا التعريض بالدعاء علينا فمعناه: ونقول لكم وعليكم ما تريدون بها أو تستحقونه.

2. المهاجرون والأنصار

والمسلمون كان منهم مهاجرون وأنصار، والأنصار كان منهم أوس وخزرج؛ فآخي رسول الله بين المهاجرين والأنصار؛ بمعنى أن كل أنصاري اتخذ لنفسه أخا من المهاجرين يتولى مساندته ورعايته حتى يتجاوز هذه المرحلة التي خرج فيها من أرضه وماله وبيته وتجارته وكل شيء.

عَنْ أَنَسٍ، رضى الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّى مِنْ أَكْثَرِهَا مَالاً، سَأَقْسِمُ مَالِى بَيْنِى وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِى امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِى أَهْلِكَ. فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ يَسِيرًا، حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “مَهْيَمْ”. قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ “مَا سُقْتَ فِيهَا”. قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ “أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ[67].”

(الأَقِطُ: لَبَنٌ مُجَفَّفٌ يُطْبَخُ بِهِ كَالزُّبْدِ. وَضَرٌ: أَثَرٌ مِنْ طِيبٍ لَهُ لَوْنٌ يَضَعُهُ مَنْ دَخَلَ عَلَى زَوْجَةٍ. مَهْيَمْ: مَا شَأْنُكَ؟).

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ؛ لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَإ[68]ِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: لاَ، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ[69].

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، كَتَبَ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُمْ وَأَنْ يَفْدُوا عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ[70]؛ (يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُمْ: يَشْتَرِكُوا فِي أَدَاءِ الدِّيَةِ. يَفْدُوا عَانِيَهُمْ: يَشْتَرِكُوا فِي فِدَاءِ الأَسِيرِ).

وقالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ: “تَآخَوْا فِي اللّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ”. ثُمّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا أَخِي. فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، سَيّدَ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامَ الْمُتّقِينَ وَرَسُولَ رَبّ الْعَالَمِينَ الّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، أَخَوَيْنِ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَسَدُ اللّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ، صلى الله عليه وسلم، وَعَمّ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَخَوَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ. وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ الطّيّارُ فِي الْجَنّةِ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، أَخَوَيْنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمئِذٍ غَائِبًا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. وَبِلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، مُؤَذّنُ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو رُوَيْحَةَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْخَثْعَمِيّ أخوين.

واستمرت هذه الأخوة فيما بعد؟

فلَمّا دَوّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ الدّوَاوِينَ بِالشّامِ، وَكَانَ بِلَالٌ قَدْ خَرَجَ إلَى الشّامِ، فَأَقَامَ بِهَا مُجَاهِدًا، فَقَالَ عُمَرُ لِبِلَالٍ: إلَى مَنْ تَجْعَلُ دِيوَانَك يَا بِلَالُ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي رُوَيْحَةَ لَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، لِلْأُخُوّةِ الّتِي كَانَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَقَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنِي، فَضَمّ إلَيْهِ وَضُمّ دِيوَانُ الْحَبَشَةِ إلَى خَثْعَمَ، لِمَكَانِ بِلَالٍ مِنْهُمْ، فَهُوَ فِي خَثْعَمَ إلَى هَذَا الْيَوْمِ بِالشّامِ[71].

3. المنافقون

المنافقون هم أهل الجبن والدسيسة، وقد لعبوا دورا في الوقيعة بين المسلمين وتقليب أحزاب الكفر على المسلمين، وإيذاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والإساءة إلى عرضه، صبر رسول الله عليهم وعَلِمَ أن عوامل الهدم والانقراض تعمل فيهم، وأنهم سرعان ما سينتهي أمرهم وسيبطل مفعول مكرهم وشرهم.

عن جَابِرٍ، رضى الله عنه، قال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا[72]، فَغَضِبَ الأَنْصَارِىُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الأَنْصَارِىُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَخَرَجَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: “مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ”. ثُمَّ قَالَ: “مَا شَأْنُهُمْ”. فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِىِّ الأَنْصَارِىَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم: “دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ”.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلاَ نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ. لِعَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم: “لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ[73].”

وعَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ بْنِ سَلُول ٍ، وَكَانَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ، وَإِلَيْهِ يَجْتَمِعُونَ، وَهُوَ الّذِي قَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَفِي قَوْلِهِ ذَلِكَ نَزَلَتْ سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ بِأَسْرِهَا.

وكان من النفر الذين كَانُوا يَدُسّونَ إلَى بَنِي النّضِيرِ حَيْنَ حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: أَنْ اُثْبُتُوا، فَوَاَللّهِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنّكُمْ. فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنّكُمْ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الحشر: 11).

وَأَتَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُ بَلَغَنِي أَنّك تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ فِيمَا بَلَغَك عَنْهُ، فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ فَأَنَا أَحْمِلُ إلَيْك رَأْسَهُ، فَوَاَللّهِ لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرّ بِوَالِدِهِ مِنّي، وَإِنّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ يَمْشِي فِي النّاسِ فَأَقْتُلَهُ، فَأَقْتُلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرِ، فَأَدْخُلَ النّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: بَلْ نَتَرَفّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا[74].”

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضى الله عنهما، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ لَمَّا تُوُفِّىَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِى قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، قَمِيصَهُ فَقَالَ: “آذِنِّى أُصَلِّى عَلَيْهِ”. فَآذَنَهُ[75].

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رضى الله عنه، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّى عَلَى ابْنِ أُبَىٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: “أَخِّرْ عَنِّى يَا عُمَرُ”. فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: “إِنِّى خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّى إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا”. قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة: 85)[76].

4. المشركون

انتشر الإسلام في المدينة بين الأوس والخزرج قبل مجيء رسول الله إليها، وظل ينتشر فيها بعد مجيئه، داخل المدينة وخارجها، ولكن بقي بعض أهل المدينة على شركهم. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْمَدِينَةِ؛ إذْ قَدِمَهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوّلِ إلَى صَفَرٍ مِنْ السّنَةِ الدّاخِلَةِ حَتّى بُنِيَ لَهُ فِيهَا مَسْجِدُهُ وَمَسَاكِنُهُ وَاسْتَجْمَعَ لَهُ إسْلَامُ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلّا أَسْلَمَ أَهْلُهَا، إلّا مَا كَانَ مِنْ خَطْمَةَ وَوَاقِفٍ وَوَائِلٍ وَأُمَيّةَ وَتِلْكَ أَوْسُ اللّهِ وَهُمْ حَيٌّ مِنْ الْأَوْسِ، فَإِنّهُمْ أَقَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ[77].

والمشركون في المدينة كانوا أقلية لم يُؤْثَر أنها شاغبت أو آذت جماعة المسلمين، ولم تتكتل في محاربة رسول الله كما فعل المنافقون أو اليهود، ولذلك لم يؤثر أن رسول الله أو أحدا من أصحابه تعرض إليهم بسوء أو اضطهاد أو تضييق.

النموذج الرابع: المدينة في عهدها الأخير

ليس صحيحا أن يُظَن أن المدينة في عهدها الأخير كانت أحادية لا تنوع في سكانها من حيث الدين، فإن الإسلام والمسلمين لا يعترفون أو يقرون بمسألة تطهير الأرض وتوحيد الدين وإكراه الناس على الدخول في دينهم أو الرحيل من أرضهم.

فالمدينة حتى وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان فيها يهود يبيعون ويتاجرون ويعيشون بسلام، نعم لم يعد لليهود في المدينة تكتلات سكنية أو حصون حربية منفصلة ومغلقة، ولكن كان هناك يهود مدنيون بمعنى أفراد غير محاربين يسكنون المدينة ويعيشون مع أهلها.

أ. عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ. فِى قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ، فَقَالَ الْيَهُودِىُّ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ، فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ الْيَهُودِىَّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِىُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم: “لاَ تُخَيِّرُونِى عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّه[78].”

وفي الحديث أن اليهودي استب ومسلما، وأن اليهودي احتكم إلى رسول الله، وأن رسول الله نهى عن التفرقة بينه وبين موسى. وكل ذلك يعكس أن هناك حياة اجتماعية بين المسلمين واليهود في المدينة.

فإن غير المسلم يعيش في المجتمع الإسلامي بأمان الله وأمان الحاكم المسلم وأفراد المسلمين جميعا، يحميه سلطان الشرع.

فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رضى الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا[79].”

وروى أبو داود عن جَمْعٍ من الصحابة أن رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: “أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[80].”

ب. هدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عيادة المرضى من أهل الذمة؛ روي أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أَتَى غُلَامًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: “أَسْلِمْ”. فَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ. فَأَسْلَمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقُولُ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ[81].”

ج. وحاول بعض الصحابة في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يتستر على سارق مسلم وأن يُفَوِّتَ العقابَ عليه، وأن يُقَدِّمَ شخصًا آخر يهوديا ليعاقب مكانه. فنزلت آيات ست في سورة النساء تدافع عن حق اليهودي في أن ينال العدالة.

قال تعالى: ﴿اِِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمُ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا اَثِيمًا. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمُ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا. هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا. وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا اَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ يَكْسِبْ اِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً اَوْ اِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (النساء: 104-111).

﴿وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 104). قال الطبري: (ولا تكن) لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله (خَصِيمًا) تخاصم عنه وتدفع عنه من طَالَبَه بحقه الذي خانه فيه.

وأُنْزِلَتْ كُلُّهَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ أَحَدُ بَنِي ظَفَرِ بْنِ الْحَارِثِ سَرَقَ دِرْعًا مِنْ جَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَتِ الدِّرْعُ فِي جِرَابٍ[82] فِيهِ دَقِيقٌ، فَجَعَلَ الدَّقِيقُ يَنْتَثِرُ مِنْ خَرْقٍ فِي الْجِرَابِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الدَّارِ وَفِيهَا أَثَرُ الدَّقِيقِ، ثُمَّ خَبَّأَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ؛ فَالْتُمِسَتِ الدِّرْعُ عِنْدَ طُعْمَةَ فَلَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ وَحَلَفَ لَهُمْ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَهَا وَمَا لَهُ بِهِ مِنْ عِلْمٍ. فَقَالَ أَصْحَابُ الدِّرْعِ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ أَدْلَجَ عَلَيْنَا فَأَخَذَهَا وَطَلَبْنَا أَثَرَهُ حَتَّى دَخَلَ دَارَهُ، فَرَأَيْنَا أَثَرَ الدَّقِيقِ.

فَلَمَّا أَنْ حَلَفَ تَرَكُوهُ وَاتَّبَعُوا أَثَرَ الدَّقِيقِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَنْزِلِ الْيَهُودِيِّ فَأَخَذُوهُ، فَقَالَ: دَفَعَهَا إِلَيَّ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، وَشَهِدَ لَهُ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَتْ بَنُو ظَفَرٍ وَهُمْ قَوْمُ طُعْمَةَ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمُوهُ في ذلك، فسألوه أَنْ يُجَادِلَ عَنْ صَاحِبِهِمْ، وَقَالُوا: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ هَلَكَ صَاحِبُنَا وَافْتُضِحَ وَبَرِئَ الْيَهُودِيُّ.

وقَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلَ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً[83] لَهُ وَأَخَذُوا سِلاَحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلاَحَنَا فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلاَ حَاجَةَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم: “سَآمُرُ فِى ذَلِكَ”. فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلاً مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَسِيرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ فِى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ فِى ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلاَمٍ وَصَلاَحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلاَ ثَبْتٍ. قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ: “عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلاَمٌ وَصَلاَحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبْتٍ وَلاَ بَيِّنَةٍ”.

قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّى خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِى وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فِى ذَلِكَ، فَأَتَانِى عَمِّى رِفَاعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِى مَا صَنَعْتَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿إِِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 104) بَنِى أُبَيْرِقٍ[84].

د. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ (فتح خيبر كان في المحرم من العام السابع من الهجرة) شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: “ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِى أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ” فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الأَنْصَارِىُّ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ: “مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِى صَنَعْتِ”. قَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِى صَنَعْتُ وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ. فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقُتِلَتْ[85].”

ولم يأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اليهود جميعا بجريرة هذه المرأة التي حاولت قتله وأصحابه بالسم، ولم يطرد يهود خيبر وقد أبقاهم في أرضهم يزرعونها بعد فتح حصنهم.

ﻫ. وعَنْ عَائِشَةَ، رضى الله عنها، قَالَتْ: تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِىٍّ بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ[86].

فحتى وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان هناك يهودي في المدينة يعمل بالتجارة في الشعير، ولم يجد حرجا في أن يأخذ من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، درعه رهنا، ولم يجد رسول الله حرجا في أن يعطيه إياه، فالحق أحق أن يتبع.

وكذلك مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفي المدينة منافقون، وقد أعلمه الله، عز وجل، بأسماء المنافقين كلهم حتى لا يصلي عليهم أو يستغفر لهم، ولكنه لم يأمر بقتلهم أو نفيهم، ولم يُشِعْ رسول الله أسماءهم، بل أَسَرَّ بها إلى حذيفة بن اليمان؛ وذلك حتى لا يتعرضوا إلى الاضطهاد والتضييق.

ووقع من بعض أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفعال تشبه فعل المنافقين، كخيانة سر رسول الله، فعل ذلك حاطب، وقد عفا عنه رسول الله وسامحه واستغفر له.

قَالَ عليٌّ، رضى الله عنه: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ قَالَ: “انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا.”

فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا: أَخْرِجِى الْكِتَابَ. فَقَالَتْ: مَا مَعِى مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ. فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِى بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟” قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَعْجَلْ عَلَىَّ، إِنِّى كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِى قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِى ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِى، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلاَ ارْتِدَادًا وَلاَ رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “لَقَدْ صَدَقَكُمْ”. قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِى أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ: “إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ”.

وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمُ أَوْلِيَاءَ، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمُ أَنْ تُوْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمُ، إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ، وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1)[87].

وفي رواية لأحمد عن جابر بن عبد الله قال حاطب: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ غَيْرَ أَنِّى كُنْتُ عَزِيزاً بَيْنَ ظَهْرِيهِمْ وَكَانَتْ وَالِدَتِى مَعَهُمْ.

وكان المنافقون يمثلون أكبر معارضة سياسية ودينية في المدينة، فقد كانوا يتآمرون على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ليلا ونهارا، في أوقات السلم وأوقات الحرب، وقد آثر رسول الله في معاملته معهم العفو والحلم والصبر. قال ابن الطلاع في أحكامه: لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه، صلى الله عليه وسلم، قتل مرتدا ولا زنديقا[88].

ومثال على صبر النبي، صلى الله عليه وسلم، على أذى المنافقين وعدم توقيعه العقوبة عليهم، رغم كفرهم وردتهم، ورغم ما أتوا به من دسائس وخيانات.

مِرْبَعُ بْنُ قَيْظِيٍّ

وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، حَيْنَ أَجَازَ فِي حَائِطِهِ وَرَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، عَامِدٌ إلَى أُحُدٍ: لَا أُحِلُّ لَك يَا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، أَنْ تَمُرَّ فِي حَائِطِي. وَأَخَذَ فِي يَدِهِ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ: وَاَللهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَذَا التُّرَابِ غَيْرَكَ لَرَمَيْتُكَ بِهِ. فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: دَعُوهُ فَهَذَا الْأَعْمَى، أَعْمَى الْقَلْبِ، أَعْمَى الْبَصِيرَةِ”.

فَضَرَبَهُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بِالْقَوْسِ فَشَجَّهُ،

وَأَخُوهُ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيِّ وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَوْمَ الْخَنْدَقِ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ. فَأْذَنْ لَنَا فَلْنَرْجِعْ إلَيْهَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ، اِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (الاَحزاب: 13).

مربع بن قيظي هو أحد المنافقين الذين أظهروا الإيمان بأفواههم وأضمروا الكفر، وفعله مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كفر صراح وردة ظاهرة لا تأويل فيها، ولم يقتله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر بقتله، بل لم يسمح لأصحابه أن يقتلوه، واكتفى بأن وَسَمَهُ بعمى القلب والبصيرة.

وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتعايش مع أشر الناس ويلطف بهم ويبش لهم حتى يتجنب فحشهم وأذاهم، وهذا من باب وأد الشر داخل صاحبه قبل أن يُظْهِرَه ويُعْلِنَهُ.

فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: “بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ”. فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، فِى وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِى وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِى فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ[89].”

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: بَعَثَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، رضى الله عنه، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِى أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ وَأَقْرَعَ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، صلى الله عليه وسلم، فقالرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاَءِ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: “أَلاَ تَأْمَنُونِى وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ، يَأْتِينِى خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً”. قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ. قَالَ “وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِىَ اللَّهَ”. قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ. قَالَ: “لاَ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّى”. فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِى قَلْبِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: “إِنِّى لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ”.

قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: “إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ”؛ وَأَظُنُّهُ قَالَ “لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ[90].”

الهوامش

[1]. مسند أحمد: مسند جعفر بن أبي طالب 4-286 رقم (1766).

[2]. البخاري، كتاب التفسير، باب: سورة العلق، 6/173، رقم (5005)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، 1/139، رقم (160).

[3]. ابن هشام، السيرة النبوية، 1/133.

[4]. ابن سيد الناس، عيون الأثر، 1/147.

[5]. ابن هشام، السيرة النبوية، 1/245.

6. يتضاغون: يضجون ويصيحون من الجوع.

[7]. ابن كثير، السيرة النبوية، 2/47.

[8]. رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب: إِزَالَةِ الأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ.

[9]. السيرة الحلبية، 2/21، السيوطي، الخصائص الكبرى، 1/220.

[10]. السيرة الحلبية، 2/22.

[11].البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب: مَا لَقِىَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ.

[12]. رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب: الْمَقَامِ فِى الْعُمْرَةِ.

[13]. رواه البخاري، كتاب الحج، باب: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ.

[14]. رواه البخاري، كتاب المغازي، بَاب: عُمْرَةِ الْقَضَاءِ.

[15]. ابن هشام، السيرة النبوية، 2-370.

[16]. المرجع نفسه، 1/317.

[17]. المستدرك على الصحيحين، 2/389.

[18]. رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب السير، باب: الإِذْنِ بِالْهِجْرَةِ، رقم 18190.

  1.  فتناخرت؛ (أي زمزمت فى غضب).

[20]. والدبر (بلسان الحبشة): الجبل.

[21]. البيهقي، دلائل النبوة، 2/188.

[22]. ابن هشام، السيرة النبوية، 1/340.

[23]. المرجع نفسه، 2/645.

[24]. أبو القاسم السهيلي، الروض الأنف 4/103.

[25]. المرجع السابق، 2/118.

[26]. رواه ابن ماجه، كتاب اللباس، باب: النَّهْىِ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ.

[27]. رواه البيهقي في السنن الكبرى 1/282، رقم (1394).

[28]. رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب: فِى النَّهْىِ عَنِ الْغِنَاءِ.

  1.  يشير إلى أن المعنى: اتركهم من جهة إنا آمناهم أمناً؛ أي (العبوا بأمان)، وارفدة لقب للحبشة سموا به؛ لأن أرفدة كان أشهر أجدادهم.

[30]. رواه البخاري، كتاب المناقب، باب: قِصَّةِ الْحَبَشِ.

[31]. أبو عبد الله الأنصاري، المصباح المضيء، 2/36.

  1.  وهي ثوبُ خَزٍّ أَو صُوفٍ مُعلَم، وقيل: لا تسمى “خَمِيصة” إِلا أَن تكون سَوْداءَ مُعْلَمة، وكانت من لباس الناس قديماً، وجمعها الخَمائِصُ.
  2. والمعنى: أبلي وأخلقي كثيراً؛ أي أنك ستعيشين حتى تستهلكي الكثير الكثير من الثياب، فهو دعاء لها بطول العمر، فبقيت حتى طال عمرها وذكرها الناس بذلك.

[34]. رواه البخاري، كتاب اللباس، باب: الْخَمِيصَةِ السَّوْدَاءِ.

[35]. البخاري، كتاب مناقب الصحابة، باب: موت النجاشي، 5/51، رقم (3925).

  1.  و”تَوَكَّف” الأَثَر: تتبَّعه. و”التوكُّف” التوقُّع والانتظار.
  2.  السيرة النبوية لابن هشام 1/492.
  3.  و”المُوادَعَة” المصالَحة والمتاركة.
  4.  أمرهم الذي كانوا عليه.
  5. يأخذون ديات القتلى ويعطونها.وأصله من العقل،وهو ربط إبل الدية؛لدفعها لأهل القتيل.
  6.  هو من أثقله الدين والغرم،فأزال فرحه.
  7.  الدسع: الدفع،والمعنى:طلب دفعاً على سبيل الظلم،أو ابتغى عطية على سبيل الظلم.
  8.  “يوتغ”: يهلك ويفسد.
  9.  (أي أن يكون التعاون بينهم على البر دون الإثم).
  10.  ابن هشام، السيرة النبوية، 1/501-504.
  11.  “أكحله”: عرق في ذراعه.
  12.  (أي فبرئ جرحه).
  13.  ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾: الصياصي الحصون، وفي اللغة كل ما يُعتصم به ويَمنع يسمى صياصيا ولذلك يقال لقرون الثور صياصي؛ لأنه يحمي بها نفسه
  14.  “إكافُ” الحِمارِ، ككِتابٍ وغُرابٍ، ووِكافُهُ: بَرْذَعَتُهُ.
  15.  رواه أحمد في مسند عائشة رقم (25839).
  16.  البخاري، كتاب المغازي، باب مَرْجَعِ النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، مِنَ الأَحْزَابِ وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِى قُرَيْظَةَ وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ).
  17.  ابن هشام، السيرة النبوية، 2/237.
  18.  المرجع نفسه، 2/240.
  19.  بقدر إفْرَاغَ الدَلْوٍ قال اسحاق بالفاء والفوقية أي مقدرا نما ياخذ الرجل من خرجت من البئر فيصبها في الحوض ثم يفتلها.
  20.  المباركفوري: الرحيق المختوم، ص280.
  21.  ابن هشام، السيرة النبوية، 2/238.
  22.  وقيلوهم؛ (أي وفروا لهم القيلولة).
  23.  مغازي الواقدي 2/513-514.
  24.  صحيح مسلم، كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم.
  25.  النووي: شرح صحيح مسلم 14/145.

[61] . خَرَّجَهُ البخاري ومسلم.

  1.  تفسير القرطبي، 11/103.
  2.  صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: لم يكن النبي، صلى الله عليه وسلم، فاحشا ولا متفحشا.
  3.  ابن ماجه، كتاب الأدب، باب: رد السلام على أهل الذمة، وصححه الألباني. ومسند أحمد وصححه شعيب الأرناؤوط. ورواه البخاري في الأدب المفرد وأيضا ابن أبي شيبة في المصنف.
  4.  مسند أحمد رقم (27997). وصححه شعيب الأرناؤوط.
  5.  فتح الباري، 11/42.
  6.  البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي، صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين والأنصار) 5/31، رقم (3827).
  7.  يعني كفونا العمل، وأشركونا في الثمرة.
  8.  الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: 44، 4/653، رقم (2487). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
  9.  مسند أحمد، 4/258، رقم (2443).
  10.  ابن هشام، السيرة النبوية، 1/504-507.
  11. وفي حديث زيد بن أَرقم: أَنَّ رجلاً “كَسَعَ” رجلاً من الأَنْصار أَي ضرَب دُبُرَه بيده.
  12.  البخاري، كتاب التفسير، باب، قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمُ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمُ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (المنافقون: 6).
  13.  ابن هشام، السيرة النبوية، 2/292.
  14.  البخاري، كتاب الجنائز، باب: الْكَفَنِ فِى الْقَمِيصِ.
  15.  البخاري، كتاب الجنائز، باب: مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ.
  16. ابن هشام، السيرة النبوية، 1/499.
  17.  البخاري، كتاب التوحيد، باب: فِى الْمَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ.
  18. صحيح البخاري، أبواب الجزية، باب: إثم من قتل معاهدا بغير جرم. ابن ماجه، كتاب الديات، باب: من قتل معاهد.
  19. سنن أبي داود، كتاب الخراج، باب: فِى تَعْشِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَاتِ.
  20.  صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام.
  21.  و”الجِرابُ”: وِعاءٌ من إِهاب الشَّاءِ لا يُوعَى فيه إِلا يابسٌ.
  22.  له مشربة (غرفة).
  23.  الواحدي، أسباب النزول، ص120. والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: وَمِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ.
  24.  أبو داود، كتاب الديات، باب: فِيمَنْ سَقَى رَجُلاً سَمًّا أَوْ أَطْعَمَهُ فَمَاتَ أَيُقَادُ مِنْهُ.
  25.  البخاري، كتاب الجهاد، باب: مَا قِيلَ فِى دِرْعِ النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم، وَالْقَمِيصِ فِى الْحَرْبِ.
  26.  البخاري، كتاب الجهاد، باب: الْجَاسُوسِ.
  27. بدر الدين العيني، عمدة القاري، 24/80. وابن الطلاع: محمد بن فرج أبو جعفر القرطبي مولى محمد بن يحيى البكري المالكي (ولد سنة 404 وتوفي سنة 497)؛ له أحكام النبي، صلى الله عليه وسلم، ويسمى أيضا أقضية رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
  28.  البخاري، كتاب الأدب، باب: لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا.
  29.  البخاري، كتاب المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب وخالد، 5/163، رقم (4394). مسلم، كتاب الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، 2/741، رقم (1064).
Science
الوسوم

د. علي جمعة

أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر

مفتي الديار المصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق