مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

الرسم النبويّ التوضيحيّ منارة هادية لإتقان صناعة الإنفوجرافيك التّربويّ

إن من حكمته جل وعلا أن بعث رسولَه الصّادقَ الأمين صلى الله عليه وسلم عالماً بلسان قومه، خبيراً بأحوالهم ومستوياتهم المعرفية، من أجل درء عوائق التواصل والتّبليغ. قال جلّ وعلا:  ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾

[1]، وقد رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «أُمرنَا معاشِر الأنبياء أن نُخاطب الناس على قدْر عقولهم»[2].

وله شاهد في صحيح البخاري، عن علي كرّم الله وجهه موقوفًا: « حدّثوا الناس بما يعرفون، أتُحبّون أن يُكذَّب الله ورسولُه؟»[3].

وعلى هذا الأساس، حَرِص الرسول صلى الله عليه وسلم على تقريب الأحكام الشرعية، والقِيَم الأخلاقية، وتيسير تحصيلها لصحابته رضي الله عنهم أجمعين، معتمداً مسالك تربوية متنوعة تُجلِّي بُعداً مُهمّاً من أبعاد المنظومة التربوية النبوية. ومن بين هذه المسالك ما يأتي:

– صياغة المعاني العقلية في صور حِسّيّة: ضرب الأمثال بقصد الامتثال:

عَنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ المُؤمِنِينَ فِي تَوَادِّهِم، وَتَرَاحُمِهِم، وَتَعَاطُفِهِم، مَثَلُ الجسَدِ إِذَا اشتَكَى مِنْهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى»[4].

– الحوار الاختباريّ: الامتِحان دون امتِهان:

عن أُناسٍ من أهل حمصَ من أصحابِ معاذ بن جبل: أن رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- لما أراد أن يَبعَثَ معاذاً إلى اليمن، قال: «كيف تَقضِي إذا عَرَضَ لكَ قَضاء؟» قال: أقضي بكتابِ الله. قال: «فإن لم تَجِدْ في كتاب الله؟» قال: فبسُنةِ رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلم – قال: «فإنْ لم تجدْ في سُنة رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلم – ولا في كتابِ الله؟ قال: أجْتَهِدُ رأيِي ولا آلُو. فضربَ رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلم – صَدْرَهُ وقال: الحمدُ لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِ الله لما يَرضَي رسولُ الله»[5].

– الحِوار الحِجاجيّ: إيراد الحُجّة العَقليّة بقصد الإِفْهَام والإِفْحَام:

عَن سُلَيْمِ بنِ عَامِرٍ، أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ غُلَامًا شَابًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وَسَلَّم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا، فَصَاحَ النَّاسُ فَقَالَ: «مَهْ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَقِرُّوهُ ادْنُ» ، فَدَنَا حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وَسَلَّم، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وَسَلَّم: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِم، أَتُحِبُّهُ لِأُختِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، أَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِم؟ أَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «وَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِم». فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: «اللهُمَّ كَفِّرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»[6].

ومن بين هذه المسالك التربوية المعتمدة في المدرسة النبويّة الرّسمُ التّوضيحيّ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلّم استعماله غير مرّة بُغية الإفهام وترسيخ القيم.

الرسم النبويّ التوضيحيّ 01

وهو المسلك الذي دأبت على سلوكه مُختلف الجامعات الأكاديمية العالميّة، من أجل شرح وتقريب العلوم والمعارف، مع اختلاف في الوسائل المُستخدمة في الرسم والعرض.

وقد أسهمت الثورة الرّقميّة في تطوير مسلك الرّسم التوضيحيّ، فظهر ما بات يُعرف بعلم “الإنفوجرافيك” «Infographics»[7] الذي يُعنى بوضع رسوم مرئيّة مُوَضِّحَة للمعلومات المعقَّدة بهدف تيسير فهمها واستيعابها، على أساس قول بعض الحكماء: “صورة بألف كلمة”[8]

«a picture  is worth a thousand word»

وعليه، تأتي هذه المقالة الموسومة بعنوان: “الرسم النبوي التوضيحي: منارة هادية لإتقان صناعة الإنفوجرافيك التربوي”، من أجل وضع تصوّر رصين للرسم التوضيحيّ الذي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وفق ما ثبت عنه، وتحليل مضمونه، بهدف أن يكون منارة مرشدة وهادية لإتقان وتطوير صناعة الإنفوجرافيك التربوي، الذي أضحى وسيلة فعّالة في الإفهام وترسيخ القيم بمختلف المعاهد والجامعات، وأكثر انتشاراً في صيغته الرقمية بمواقع التواصل الاجتماعي.

1 2 3الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق