مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

التحذير من أحاديث موضوعة اشتهرت على الألسنة (حديث: أصحابي كالنجوم…)

بسم الله الرحمن الرحيم

الباحثة: دة خديجة ابوري

تمهيد:

     الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فكم من حديث اشتهر في بطون الكتب وهو ضعيف أو موضوع، بل ربما لا أصل له، ومن هذه الأحاديث حديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتدينم اهتديتم»، الذي انتشر في كثير من كتب أصول الفقه في باب الإجماع؛ وخاصة إجماع الصحابة هل هو حجة أم لا؟ ولخطورة ذلك رأيت أن أفرده بمقال، والذي سأتحدث فيه عن هذا الحديث من حيث تخريجه، مع بيان أحكام العلماء فيه فأقول وبالله التوفيق:

تخريج الحديث:

ورد هذا الحديث بست روايات مختلفة متقاربة في اللفظ والمعنى، وهي كالآتي:

الرواية الأولى:  

من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب،  عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل أصحابي كمثل النجوم أو أصحابي كالنجوم فبأيها اقتدوا اهتدوا». قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: “وهذا الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وربما رواه عبد الرحيم عن أبيه عن ابن عمر وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد؛ لأن أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضاً منكر عن النبي صلى الله عليه وسلم”. ا هـ([1]).

الرواية الثانية:

من طريق سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».

أخرجه من هذه الطريق ابن حزم الظاهري في الإحكام في أصول الأحكام، وقال: «هذه رواية ساقطة أبو سفيان ضعيف، والحارث ابن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك”. ا هـ ([2]) وابن عبد البر النمري في كتابه جامع بيان العلم وفضله، وقال: «هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن غصين مجهول»([3]).

الرواية الثالثة:

من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، مرفوعاً: «مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فمما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم  رحمة». الحديث أورده من هذه الطريق البيهقي في المدخل([4])،  وأبو نصر السجزي في الإبانة وقال: غريب([5])

والخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية([6])، وابن عساكر في تاريخه([7])، والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب([8])، وعن البيهقي أورده السخاوي في المقاصد الحسنة، وقال: وجويبر ضعيف جدا والضحاك عن ابن عباس منقطع([9])

الرواية الرابعة:

من طريق نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، مرفوعاً قوله:«سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى الله إلي: يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى».

أخرجه من هذه الطريق ابن بطة في الإبانة([10])، والديلمي في الفردوس([11])وابن عساكر في تاريخه([12])،وابن الجوزي في العلل المتناهية، وقال: وهذا لا يصح نعيم مجروح، قال يحيى بن معين: عبدالرحيم  كذاب([13]).  

وأورده الذهبي في الميزان وقال: هذا باطل، وعبد الرحيم تركوه، ونعيم صاحب مناكير([14]).

وقال الحافظ في تخريج أحاديث المختصر:  «هذا حديث غريب… وزيد العمي -بفتح المهملة وتشديد الميم- وابنه أضعف منه، وقد سئل البزار عن هذا الحديث، فقال: لا يصح هذا الكلام عن النبي ﷺ وقد رواه عبد الرحيم مرة أخرى فقال عن أبيه عن ابن عمر…» ا.هـ([15]).

وقال الألباني في السلسلة الضعيفة: موضوع([16]).

الرواية الخامسة:

من طريق أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط، قال: حدثني أبي إسحاق بن إبراهيم ابن نبيط، قال: حدثني أبي إبراهيم بن نبيط، عن جده نبيط بن شريط مرفوعا: «أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».

أورده من هذه الطريق ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة([17])، والشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، وقال: «هو من نسخة نبيط المكذوبة»([18])

وقال الذهبي في الميزان: أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط، عن أبيه، عن جده بنسخة فيها بلايا وذكر منها حديث الباب([19]).

وقال الألباني في السلسلة الضعيفة: موضوع([20]).

الرواية السادسة:

من طريق أبي شهاب الحناط، عن حمزة الجزري، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً «إنما أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم».

أورده من هذه الطريق ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله معلَّقاوقال: «وهذا إسناد لا يصح، ولا يرويه عن نافع من يحتج به»([21]). وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب من المسند موصولا([22])، وأورده ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال في ترجمة حمزة بن أبي حمزة النصيبي وقال: «عامة مروياته موضوعة»([23])

وقال الألباني: موضوع([24]).

**********

([1]) جامع بيان العلم وفضله (ص: 360).

([2]) الإحكام في أصول الأحكام  (6/ 243).

([3]) جامع بيان العلم وفضله (ص: 361).

([4]) المدخل إلى السنن الكبرى  (1/ 147).

([5]) ذكر ذلك السيوطي في جمع الجوامع (10/ 405) برقم: 5216.

([6]) الكفاية في علم الرواية  (ص: 184).

([7]) تاريخ مدينة دمشق  (22/359).

([8]) الفردوس بمأثور الخطاب  (4 /160) برقم: (6497).

([9]) المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة  (ص:69) برقم: (39).

([10]) الإبانة الكبرى (2 /563) برقم: (700).

([11]) الفردوس بمأثور الخطاب (2 /310) برقم: (3400).

([12]) تاريخ دمشق (19 /383).

([13]) العلل المتناهية (1 /283) برقم: (457)

([14]) ميزان الاعتدال (3 /152) في ترجمة: (زيد بن الحواري).

([15]) موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر(1 /147).

([16])سلسلة الأحاديث الضعيفة (1 /147) برقم: (60).

([17]) تنزيه الشريعة (1 /419) برقم: (33).

([18]) الفوائد المجموعة (ص: 343) برقم: (1175).

([19])  ميزان الإعتدال (1 /214) في ترجمة: (أحمد بن إسحاق بن نبيط).

([20])  سلسلة الأحاديث الضعيفة (1 /152) برقم: (62).

([21]) جامع بيان العلم وفضله (ص: 360).

([22]) المنتخب من المسند (2 /30) برقم: (781).

([23]) الكامل في ضعفاء الرجال (2 /786).

([24]) السلسلة الضعيفة (1 /149) برقم: (61).

************

لائحة المراجع المعتمدة:

-الإبانة الكبرى. أبو عبد الله عبيد الله بن محمد ابن بَطَّة العكبري. تحقيق: مجموعة من الباحثين.دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض ط/ من 1415 إلى 1426.

-الإحكام في أصول الأحكام. علي بن أحمد بن حزم الأندلسي أبو محمد. دار الحديث – القاهرة. الطبعة الأولى ، 1404.

-تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها.  أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر.  دراسة وتحقيق: علي شيري.  دار الفكر بيروت. ط1/ 1419-1998 م

-تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة. علي بن محمد بن عراق الكناني. حققه وراجع أصوله وعلق عليه: عبد الوهاب عبد اللطيف- عبد الله محمد الصديق. دار الكتب العلمية بيروت لبنان. ط2 /1401-1971.

-جامع بيان العلم وفضله. أبو عمر يوسف ابن عبد البر القرطبي. تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني. دار الكتب العلمية. ط2/ 1428-2007.

-جمع الجوامع المعروف بالجامع الكبير. السيوطي. دار السعادة للطباعة. ط 1426-2005.

-سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة. محمد ناصر الدين الألباني. مكتبة المعارف الرياض ط 1/ 1412-1992.

-العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. عبد الرحمن بن علي بن الجوزي. قدم له وضبطه: خليل الميس. دار الكتب العلمية – بيروت. ط1/ 1403- 1983.

-الفردوس بمأثور الخطاب. أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي. تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول. دار الكتب العلمية. ط/ 1406 – 1986.

-الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. محمد بن علي الشوكاني. تحقيق: عبد الرحمن المعلمي. إشراف: زهير الشاويش. المكتب الإسلامي. ط3/ 1407-1987.

-الكامل في ضعفاء الرجال. أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني تحقيق: لجنة من المختصين. ط1 /1404-1984. دار الفكر بيروت.

-الكفاية في علم الرواية. أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي. تحقيق وتعليق: أبو إسحاق إبراهيم بن مصطفى الدمياطي.دا الهدى مصر ط1/ 1423-2003.

-المدخل إلى السنن الكبرى. البيهقي. دراسة وتحقيق: د محمد ضياء الرحمن الأعظمي. أضواء السلف. ط2 /1420.

-المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة. محمد بن عبد الرحمن السخاوي. دراسة وتحقيق: محمد عثمان الخت. دار الكتاب العربي. ط1 /1405-1985.

-المنتخب من مسند عبد بن حميد. أبو محمد عبد بن حميد بن نصر. تحقيق وتعليق: أبو عبد الله مصطفى العدوي. دار بلنسية ط2 /1423-2002.

-موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر. ابن حجر العسقلاني. تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي- صبحي السيد جاسم السامرائي. مكتبة الرشد الرياض. ط3/ 1419-1998.

-ميزان الاعتدال في نقد الرجال. شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: الشيخ علي محمد – عوض والشيخ عادل أحمد عبدالموجود. دار الكتب العلمية. ط1/ 1416-1995.

*راجع المقال الباحث:  عبد الفتاح مغفور

Science

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق