مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

الإرشاد إلى تقريب الاعتقاد

إعداد:

الدكتور عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

الدكتور مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

 

بعد أن بين الشارح الأوصاف الواجبة للرسل عليهم الصلاة والسلام المضمنة في قول ابن عاشر:

 يَجِبُ لِلرُّسْـــلِ الْكِرامِ الصِّدْقُ                    أَمانَةٌ تَبْلِيـــــــــــغُهُمْ يَحِـــقُّ

شرع في بيان ما يستحيل عليهم من الأوصاف التي تضمنها قول الناظم رحمه الله:

مُحـــالٌ الْكَـــذِبُ وَالمَنْهـــــــِىُّ                    كَعَدَمِ التَّبْلِيــــغِ يا ذَكِــــــــيُّ

قال الشارح رحمه الله مستكملا بيان مفهوم المنهي ومعنى استحالته على مقام النبوة والرسالة  مع بيان ما يجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام:

(كعدم) أي كاستحالة عدم (التبليغ) لشيء مما أمروا بتبليغه عمدا أو نسيانا. (يا ذكي) تتميم للبيت، وفي التنزيل: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) الآية، قال البيضاوي:” معناه وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك فما أديت شيئا من الرسالة؛ لأن كتمان بعضها يضيع ما أدى منها؛ لترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض به، أو فكأنك ما بلغت منها شيئا، كقوله: ( فكأنما قتل الناس جميعا ) من حيث إن كتمان البعض والكل سواء في الشناعة واستجلاب العقاب، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:” بعثني الله  برسالته فضقت بها ذرعا، فأوحى الله لي إن لم تبلغ رسالتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت. اهـ قال الأسيوطي في حواشيه: أخرجه إسحاق بن راهويه من مسند أبي هريرة وأبو الشيخ عن الحسن مرسلا، ثم قال البيضاوي:” وظاهر الآية يوجب تبليغ ما أنزل، ولعل المراد ما يتعلق بمصالح العباد، وقصد بإنزاله إطلاعهم عليه، فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه. اهـ ويؤيده ما في حديث ابن عباس في الإسراء عند ابن سبع في شفاء الصدور أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وعلمني، يعني الله تعالى ليلة المعراج علوما شتى، فعِلْم أخذ عليّ كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد غيري، وعلم خيرني فيه، وعلم أمرني بتبليغه إلى الخاص والعام من أمتي. اهـ ومن المخير فيه ما هم أن يكتبه صلى الله عليه وسلم لهم في مرض موته، فحال بينه وبين ذلك تنازعهم واختلافهم عنده فلم يكتبه كما في الصحيح؛ إذ لو كان ذلك مما يجب تبليغه ما تركه لاختلافهم، وقد عاش بعد ذلك أياما، ولو كان مما يمتنع إفشاؤه ما هم بكتبه لهم.

 (يجوز في حقهم) عليهم الصلاة والسلام (كل عرض) حال بشري (ليس مؤديا لنقص) في مراتبهم العلية (كالمرض) والجوع والفقر ظاهرا، مع الغنى بالله باطنا، والأكل والشرب والنكاح والنسيان في غير ما أمروا بتبليغه، أوفيه بعد التبليغ، أو في العبادة بشرط التنبيه على الفور، وقيل يجوز تأخيره مدة الحياة، وقيل يمتنع النسيان فيها وما ورد مؤول، ويجوز النوم ولكن لا يستولي على قلوبهم، ولا ينافيه نومه صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح كسائر الصحب في قضية الوادي حتي ضربتهم الشمس في جباههم كما في الصحيح؛ لأن طلوع الفجر من مدركات العين لا القلب، وقد قال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي. وقيل خرج في هذه المرة عن عادته فنام قلبه لما أراد الله تعالى من بيان سنة النائم عن الصلاة، كما قال: فلو شاء الله لأيقظنا ولكن أراد أن تكون سنة لمن بعدكم. وفي بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث في نومه حاضرَ القلب كما هو في يقظته، وهو صريح في عدم وقوع الاحتلام له، واختلف في الجواز، وصوب القول بالمنع، وفي قوله: “عرض” رد على النصارى في وصفهم عيسى ببعض الصفات القديمة كالعلم القديم، وفي قولنا: “بشري” رد على الجهلة في قولهم أن البشرية تنافي الرسالة، وأنه لا يليق بها إلا صفات الملكية حتى قالوا: [أبشر يهدوننا إن أنتم إلا بشر مثلنا] [ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق]، ولا شبهة لما توهموه، وفي كون الرسل بشرا رحمة ولطف عظيم بالأمم المرسل إليهم؛ ليسهل بسبب الموافقة النوعية تلقيهم عنهم، وتأتي مخالطتهم وحفظ أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ليقتدى بهم فيفاز بالسعادة، ولذا قال تعالى:( لقد من الله على المومنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم)، وفي قوله: “ليس مؤديا لنقص” رد على اليهود وجهلة المؤرخين والمفسرين في تجويز بعض النقائص في خلقة أو غيرها؛ فقد آذنت بنو إسرائيل موسى إذ كانوا يجتمعون في الغسل ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه السلام حييا لا يرى من جسده شيء، فكان يغتسل وحده، فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من عجب في جلده إما برص وإما أدرة وإما آفة، فخلا يوما يغتسل، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فجمح في إثره يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، حتى انتهى لملأ من بني إسرائيل عريانا فرأوه أحسن ما خلق الله، فقالوا والله ما به من بأس، فقام الحجر فطفق به ضربا، ففيه أثر الضرب ست أو سبع نديات كما في الصحيح، فبرأه الله مما قالوا كما في التنزيل، ولم يروا عورته على الصحيح، ولكن رأوه مؤتزا مبتل الإزار والأدرة، أي انتفاخ الخصيتين تظهر من تحت الإزار المبتل بالماء، فلما لم يروا شيئا علموا أنه غير آدر، ورأوا بقية جسده صافيا، فالواجب كونهم عليهم الصلاة والسلام على أكمل الأحوال  خلقا وخلقا وأحوالا وأفعالا. ويستحيل أن يلحقهم نقص من جهة الخلقة كالأنوثة والصمم؛ لأنه لا معنى للنبوة إلا الوحي، فكيف تعطل حاسته ويسد بابه؟ هذا لا يعقل، والبكم لأنه مانع من التبليغ، والعمى على الصحيح، قيل ولم يعم نبي قط، وما ذكر عن شعيب لم يثبت، وأما يعقوب فإنما حصل له ضعف في نور بصره ثم زال، وقيل غير ذلك مع الاتفاق على عدم استمرار ذلك العارض، ويستحيل أيضا أن يلحقهم نقص من جهة الخلق بالضم كالجبن، والبخل، والخور، وهو الضعف، والفهاهة، وهي ضد الفصاصة، والغلظة، والبله، والفظاظة، فيجب لهم كمال الذكاء والفطنة، وكذا يستحيل أيضا في حقهم الأحوال الدنيئة المخلة بحكمة البعثة كالجنون، والبرص، والجذام، ولم يك داء أيوب جذاما، بل روى أنه أول من أصابه الجدري. وكدناءة الآباء، وعهر الأمهات، والحرف الدنيئة كالحجامة، وما يخل بالمروءة كالأكل على الطريق، وكذا يستحيل عليهم كل فعل محرم أو مكروه كما مر.

 

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ

 سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227

 على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين.

 ص100 ـ 101.

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق