مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات عامة

أربعون حديثا في الأشهر الثلاثة: شعبان، رمضان، شوال -الخمسة الثالثة: ما جاء في شهر رمضان-

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا  محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد؛

فقد تناولت في المقالين السابقين ما جاء من أحاديث في شهر شعبان، ولما قرب شهر رمضان الفضيل، سأنتقل إلى إيراد ما جاء من أحاديث هذا الباب، وهي خمسة كذلك، مرتبة على الحروف. الحديث الأول: «أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان»، الحديث الثاني: «أنه –أي: أبا سلمة رضي الله عنه- سأل عائشة رضي الله عنها، كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة»، الحديث الثالث: «كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم»، الحديث الرابع: «ما منعك أن تحجين معنا؟ قالت: كان لنا ناضح، فركبه أبو فلان وابنه، لزوجها وابنها، وترك ناضحا ننضح عليه، قال: فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان حجة»، الحديث الخامس: «من صام رمضان وصلى الصلوات وحج البيت -لا أدري أذكر الزكاة أم لا- إلا كان حقا على الله أن يغفر له».

وهذا أوان الشروع في المطلوب، وهو سبحانه وتعالى المعين الودود.

الحديث الأول: عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان».

التخريج: رواه: أحمد في مسنده واللفظ له، رقم الحديث: 16984، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: 18649، وشعب الإيمان، رقم الحديث: 2053[1].

الحكم: قال الهيثمي (المتوفى عام: 807هـ): “فيه عمران بن داود القطان، ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبان، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وبقية رجاله ثقات”[2].

التعليق: قال ابن حجر (المتوفى عام: 852هـ): “هذا كله مطابق لقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾([3])،  ولقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾([4])، فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة، كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول ﴿اقرأ باسم ربك﴾([5])[6].

وقال المناوي (المتوفى عام: 1031 هـ): “إن ما ذكر من إنزاله –أي: القرآن- في تلك الليلة -أي: ليلة خمس وعشرين-؛ أراد به إنزاله إلى اللوح المحفوظ، فإنه نزل عليه فيها جملة، ثم أنزل منه منجما في نيف وعشرين سنة، وسِرُّه كما قال الفخر الرازي[7]: أنه لو نزل جملة واحدة، لضلت فيه الأفهام، وتاهت فيه الأوهام: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾[8]، فهو كالمطر لو نزل دفعة لقلع الأشجار وخرب الديار”[9].

الحديث الثاني: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه: «أنه سأل عائشة رضي الله عنها، كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا».

التخريج: رواه: البخاري في صحيحه، واللفظ له؛ كتاب: التهجد، باب: قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره، رقم الحديث: 1147، وكتاب صلاة التراويح، باب: فضل من قام رمضان، رقم الحديث: 2013، كتاب: المناقب، باب: كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه، رقم الحديث: 3569، ومسلم في صحيحه؛ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الليل، وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، وأن الوتر ركعة، وأن الركعة صلاة صحيحة، رقم الحديث: 738، ومالك في موطئه، رقم الحديث: 394/118[10].

الحكم: متفق عليه.

التعليق: قال ابن عبد البر (المتوفى عام: 463هـ): “أكثر الآثار على أن صلاته كانت بالوتر إحدى عشرة ركعة، وقد روي ثلاث عشرة ركعة؛ فمنهم من قال: فيها ركعتا الفجر، ومنهم من قال: إنها زيادة حفظها من تقبل زيادته بما نقل منها، ولا يضرها تقصير من قصر عنها؛ وكيف كان الأمر فلا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حد محدود، وأنها نافلة وفعل خير وعمل بر؛ فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر” [11].

الحديث الثالث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم».

التخريج: رواه: البخاري في صحيحه؛ كتاب: الصوم، باب: لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضا في الصوم والإفطار، رقم الحديث: 1947، واللفظ له، ومسلم في صحيحه؛ كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر، وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم، ولمن يشق عليه أن يفطر، رقم الحديث: 1118، ومالك في موطئه، رقم الحديث: 1033/ 311[12].

الحكم: متفق عليه.

التعليق: قال الباجي (المتوفى عام: 474هـ): “يريد أن كل إنسان منهم كان يفعل من ذلك بقدر اختياره وبحسب قوته، ويرى أن الصوم والفطر له جائز؛ ولذلك لم يعب الصائم على من أفطر، لاعتقاده جواز الفطر، ولم يعب المفطر على الصائم صومه لاعتقاد جواز الصوم”[13].

الحديث الرابع: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار – سماها ابن عباس فنسيت اسمها -: «ما منعك أن تحجين معنا؟ قالت: كان لنا ناضح، فركبه أبو فلان، وابنه لزوجها، وابنها، وترك ناضحا ننضح عليه، قال: فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان حجة».

التخريج: رواه: البخاري في صحيحه واللفظ له؛ أبواب: العمرة، باب: عمرة في رمضان، رقم الحديث: 1782، ومسلم في صحيحه؛ كتاب: الحج، باب: فضل العمرة في رمضان، رقم الحديث: 1256[14].

الحكم: متفق عليه.

التعليق: قال الكرماني (المتوفى عام: 786هـ): “إن قلت: ظاهره يقتضي أن عمرة في رمضان، تقوم مقام حجة الإسلام، فهل هو كذلك؟ قلت: معناه كحجة أي: لها ثواب حجة، والقرينة: الإجماع على عدم قيامها مقامها. فإن قلت: العمرة في رمضان إذا كانت نافلة لا يكون لها ثواب حجة الفريضة، قلت: إذا سلمنا عموم لفظ: (عمرة)، فلا بد من رعاية الجنسية، أي: عمرة فريضة كحجة فريضة، ونافلة كنافلة، لما علم من القواعد: أن نفل لا يصل ثوابه قط إلى ثواب الفرض” [15].

الحديث الخامس: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان وصلى الصلوات وحج البيت -لا أدري أذكر الزكاة أم لا- إلا كان حقا على الله أن يغفر له، إن هاجر في سبيل الله، أو مكث بأرضه التي ولد بها. قال معاذ: ألا أخبر بهذا الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذر الناس يعملون؛ فإن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلى الجنة وأوسطها، وفوق ذلك عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس».

التخريج: رواه: الترمذي في سننه؛ كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنة، رقم الحديث: 2530 [16].

الحكم: قال الترمذي (المتوفى عام: 279هـ): “هكذا رُوي هذا الحديث عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، وهذا عندي أصح من حديث همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت، وعطاء لم يدرك معاذ بن جبل، ومعاذ قديم الموت، مات في خلافة عمر”[17].

التعليق: قال المباركفوري (المتوفى عام: 1414هـ): “الإنسان أرغب في دفع المضرة من جلب المنفعة، فإذا علم أن الإقرار والتصديق، والعمل بالفرائض، والاجتناب عن المعاصي، يكفي له في نجاته من العذاب، وتخليصه منه، ذهب يقنع ويتكاسل عن السنن والمستحبات، ولا يجتهد في تحصيل الدرجات العليا، وهذا أمر كأنه جبل عليه، لا شك أن الاكتفاء بالفرائض والواجبات، والتقاعد عن السنن والنوافل، نقيصة وحرمان عن المدارج العالية، فمنع النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً أن يخبر به؛ لئلا يتكلوا وليجتهدوا في معالي الأمور … فيه ذكر الفرائض أيضاً، والتحريض على الدرجة العلياء … فظهر أنه لم يرد في الحديث المجمل الاتكال عن الفرائض، كيف وترك الفرائض لا يرجى من عوام المؤمنين، وشأن الصحابة أرفع” [18].

هذه خمسة أحاديث أولى: فيما جاء في شهر رمضان، وفيما يلي الخمسة الثانية: فيما جاء في أحاديث الباب إن شاء الله تعالى.

***************

جريدة المراجع

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (الجزء: 21) لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم القرطبي، تحقيق: سعيد أحمد أعراب، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط- المغرب، 1410/1990.

الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (الصحيح) لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، اعتناء: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى: 1422، مصورة عن المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق- مصر، 1313.

الجامع لشعب الإيمان لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد، الرياض- السعودية، الطبعة الأولى: 1423/2003.

السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، تحقيق : محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الثالثة: 1424/2003.

السنن لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، تعليق وتخريج: محمد بن ناصر الدين الألباني، اعتناء: مشهور آل سلمان، مكتبة المعارف، الرياض- السعودية، الطبعة الثانية: 1429/2008.

عجائب القرآن لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى: 1404/1984.

فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، بولاق- مصر، الطبعة الأولى: 1300، مصورة عن مكتبة ابن تيمية القاهرة.

فيض القدير شرح الجامع الصغير لزين الدين محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين المناوي القاهري، دار المعرفة، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية: 1391/1972 مصورة عن المكتبة التجارية الكبرى- مصر، 1356.

الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري لشمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، الطبعة ثانية: 1401/1981، مصورة عن  المطبعة البهية المصرية، مصر، الطبعة أولى: 1356/1937.

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لأبي الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، تصوير دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان، عن مكتبة القدسي، القاهرة- مصر.

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لأبي الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام المباركفوري، منشورات إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء، الجامعة السلفية، بنارس- الهند، الطبعة الثالثة: 1404/1984.

المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصحيح) لأبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة- مصر، الطبعة الأولى: 1412/1991 مصورة عن دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان.

المسند لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق: جماعة من الباحثين، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى: 1421/2001.

المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد سليمان بن خلف بن سعد القرطبي الباجي الأندلسي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة- مصر، الطبعة الثانية، مصورة عن مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى: 1332.

الموطأ لمالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، منشورات مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، أبو ظبي- الإمارات، الطبعة الأولى: 1425/2004.


[1] ) المسند (28 /191)، السنن الكبرى (9/ 317)، شعب الإيمان (3 /521-522).

[2] ) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 197).

[3]) سورة البقرة، الآية: 185.

[4]) سورة القدر، الآية: 1.

[5]) سورة العلق، الآية: 1.

[6] ) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (9 /3-4).

[7] ) في عجائب القرآن (ص: 85).

[8] ) سورة الحشر، الآية: 21.

[9] ) فيض القدير شرح الجامع الصغير (3 /57).

[10] ) صحيح البخاري (2 /53، 3 /45)، صحيح مسلم (1 /509)، الموطأ رواية يحيى الليثي (2 /164).

[11] ) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (21/ 69-70).

[12] ) صحيح البخاري (3 /34)، صحيح مسلم (2/ 787)، الموطأ رواية يحيى الليثي (3 /421).

[13] ) المنتقى شرح الموطأ (2 /50).

[14] ) صحيح البخاري (3 /3)، صحيح مسلم (2/917).

[15] ) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (9/ 7).

[16] ) السنن (ص: 569).

[17] ) السنن (ص: 569).

[18] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1 /89-90).

*راجع المقال الباحث: محمد إليولو

Science

يوسف أزهار

  • باحث بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسير ة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصل على شهادة الإجازة في الأدب شعبة الدراسات الإسلامية سنة 2006 من جامعة الحسن الثاني – عين الشق- الدار البيضاء.
  • له مشاركات في تحقيق مخطوطات الحديث والسيرة، ومقالات منشورة بموقع المركز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق