مركز الدراسات والبحوث في الفقه المالكيدراسات محكمة

أحكام الوباء في الفقه الحنفي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد:

فمن النوازل القديمة المتجددة، التي تعم بها البلوى في بعض الأزمنة، وتجتاح البشرية على حين غرة، نازلة الوباء والطاعون.

وقد حدثت في البلاد الإسلامية، كسائر بلاد العالم، منذ القديم، ولم تزل تنزل بالناس عموما، والمسلمين خصوصا إلى يوم الناس هذا.

ولما كانت هذه النازلة حدثا عابرا غير قار، لكنه متكرر ومتجدد، ويفرض على الناس وضعا استثنائيا غير مألوف ولا معهود، لا في أمر عباداتهم ولا عاداتهم، لما يحدثه من فتك في الأرواح، اهتم فقهاء الإسلام، على تعدد مذاهبهم، بتحرير جملة من الأحكام الشرعية ذات الصلة بالوباء والطاعون، لحماية الأنفس، وحفظ المهج، وصيانة أمن المجتمع المسلم؛ تأسيا بالهدي النبوي، وعملا بمقاصد الشريعة.

ولئن اتفقت المذاهب الفقهية، إجمالا، في توجيه الأحاديث الواردة في الموضوع، بما يناسب العقيدة، ويدفع التعارض الظاهري عن نصوص الشريعة، فإنها اختلفت في بعض المسائل الفقهية، ومنها الإجراءات الاحترازية من تفشي الوباء وتمدده، وكذا ما يحدثه من ضرورة تستدعي التخفيف والتيسير في بعض أمور الدين، فضلا عما يشرع لرفعه، وما لا يشرع.

وهذا البحث يروم الكشف عن معالم فقه الوباء في المذهب الحنفي، بَدْءاً من توجيههم لما ورد في الباب من نصوص، ومرورا بما بنوه على هذا التوجيه من أحكام فقهية ذات الصلة بانتشار الأوبئة وتمددها، ثم مرورا بموقفهم مما يشرع لرفعها، وانتهاء عند حكم بعض المسائل التي تقع زمن الوباء، ولذلك وسمته بـ«أحكام الوباء في الفقه الحنفي»، وتناولته من خلال المباحث الآتية:

المبحث الأول: تعريف الوباء والفرق بينه وبين الطاعون

وفيه ثلاثة مطالب:                 

المطلب الأول: الوباء في اللغة

المطلب الثاني: الوباء في الاصطلاح

المطلب الثالث: الفرق بين الوباء والطاعون

المبحث الثاني: مسلك الأحناف في توجيه الآيات والأحاديث في باب الوباء والعدوى.

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: الآيات والأحاديث ذات الصلة بالوباء والعدوى

المطلب الثاني: توجيه النصوص الواردة في الوباء والعدوى في علاقتها بالقدر

المبحث الثالث: حكم التدابير الوقائية من انتشار الأوبئة وتمددها

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: الدخول لبلد الوباء.

 المطلب الثاني: الخروج من أرض الوباء.

المبحث الرابع: ما يشرع من العبادات لرفع الوباء

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: حكم الصلاة لرفع الوباء

المطلب الثاني: حكم القنوت لرفع الوباء

المبحث الخامس: مسائل فقهية مختلفة زمن الوباء

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: دفن الموتى بالوباء في قبر واحد.

المطلب الثاني: من طلق زوجته حال فشو الوباء

 

المبحث الأول: تعريف الوباء

المطلب الأول: الوباء في اللغة:

 الوباء بالهمز: يمد ويقصر، ويجمع الممدود على أوبئة، مثل متاع وأمتعة، والمقصور على أوباء، مثل سبب وأسباب. يقال: وَبِئَت الأرض تَيْبأ وتَوْبأ وَبَأً، إذا كثُر مرضها. ويقال أيضا: وُبئت بالبناء للمفعول وَبْئاً، فهي موبوءة، أي: ذات وباء كثير([1]).

ومن المعاني التي ورد بها الوَباءُ في المعاجم اللغوية: المرض العام، والطاعون، والإيماء([2]).

المطلب الثاني: الوباء في الاصطلاح

عرف الوباء في الاصطلاح بعدة تعاريف، منها ما تغيى الكشف عن حقيقته وخصائصه الذاتية، كتلك التي وردت عن الحكماء القدامى، ومنها ما نظر إلى ما ينشأ عنه من آثاره عامة، كتعريف بعض الفقهاء، فمن تعاريف الحكماء:

1ـ تعريف ابن سيناء (ت: 428هـ): «الوباء ينشأ عن فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده»([3]).

2 ـ تعريف ابن النفيس (ت: 687هـ): «الوباء: فساد يعرض لجوهر الهواء، لأسباب سماوية أو أرضية، كالماء الآسن والجيف الكثيرة»([4]).

تعريف داؤود الأنطاكي (1008ه): «الوباء حقيقة: تغير الهواء بالعوارض العلوية، كاجتماع كواكب ذات أشعة، والسفلية كالملاحم، وانفتاح القبور، وصعود الأبخرة الفاسدة، وأسبابه مع ما ذكر تغير فصول الزمان، والعناصر، وانقلاب الكائنات، وذكروا له علامات، منها الحمى، والجدري والنزلات والحكة والأورام»([5]).

فالظاهر من هذه التعاريف أن حقيقة الوباء هي: ما ينشأ عن فساد الهواء وتغيره، كما في تعريف ابن سينا، أو هي التغير والفساد نفسه الذي يعرض للهواء؛ جراء أسباب عدة، منها ما هو من فعل الإنسان، ومنها ما هو خارج عن قدرته وطاقته.

ومن تعاريف الفقهاء للوباء:

1ـ تعريف ابن نجيم الحنفي (ت 1005هـ): « الوباء اسم لكل مرض عام»([6]).

2 ـــ ما أورده أبو عبد الله الخرشي المالكي (ت: 1101هـ) حيث قال: «والوباء: كل مرض عام. وقال بعض: هو مرض الكثير من الناس في جهة من الأرض دون سائر الجهات، ويكون مخالفا للمعتاد من الأمراض في الكثرة وغيرها، ويكون نوعا واحدا»([7]).

وواضح من خلال هذين التعريفين أن الفقهاء عرفوا الوباء بالأعراض العامة التي يسببها، ككونه مرضا يعم الناس، أو يشمل أكثرهم في جهة معينة من الأرض دون سائر الجهات.

ومن تعاريف الوباء عند المعاصرين أنه: «كُلُّ مرضٍ شديد العدوى، سريع الانتشار من مكان إلى مكان، يصيب الإنسان والحيوان والنّبات، وعادة ما يكون قاتلاً كالطّاعون»([8]).

وعرفته الموسوعة الطبية الحديثة بأنه: «كل مرض يصيب عددا كبيرا من الناس في منطقة واحدة، في مدة قصيرة من الزمن، فإن أصاب المرض عددا عظيما من الناس في منطقة جغرافية شاسعة سمي وباء عالميا»([9]).

المطلب الثالث: الفرق بين الوباء والطاعون:

تبين لنا مما سبق في تعريف الوباء أنه يرد في اللغة بمعنى الطاعون. قال الخليل: الوباء: الطّاعون([10]). وكذلك الطاعون لغة، تارة يطلق على ما يحدثه في الكائن الحي من فتك، وهو الموت([11])، وتارة أخرى يطلق على الوباء نفسه. قال ابن الأثير (ت: 606هـ): «الطاعون: المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان»([12]).

أما في الاصطلاح فقد عرف بتعاريف، منها تعريف ابن سينا وغيره أنه: مادة سمية تُحدث وَرما قتالا يحدث في المواضع الرخوة، والتغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط، وخلف الأذن([13]).

وقد أورد له ابن حجر العسقلاني عدة تعاريف، ثم عقب عليها بقوله: «والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونا بطريق المجاز لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت»([14]).

فيظهر من هذا النص بجلاء أن هناك فرقا وتباينا بين الحقيقة الاصطلاحية لكل من الوباء والطاعون، فحقيقة الوباء، كما سبق، هي المرض العام الذي يسببه التغير والفساد الذي يلحق الهواء، في حين أن الطاعون ورم ينشأ عن هيجان الدم وتدفقه على عضو من الأعضاء.

ويرى ابن القيم ــ رحمه الله ـ أن هذه الأورام والقروح هي آثار الطاعون، وليست الطاعون نفسه، ولكن الأطباء لما لم يدركوا منه إلا الأثر الظاهر، جعلوه نفس الطاعون([15]).

أما أصل الطاعون الذي يفترق به عن الوباء، والذي عجز عن إدراكه الأطباء، فهو كونه من طعن الجن ووخزهم. وهذا لا يتعارض مع ما قالوه من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه؛ لأن طعن الجن أمر باطني، ويتسبب في هيجان الدم وتدفقه، وهو أمر لا يدرك بالعقل، وإنما يعرف من الشارع، ولذلك لم يتحدث عنه الأطباء([16]).

ومن الأدلة الشرعية الدالة على هذه المغايرة بينهما حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «فناء أمتي بالطعن والطاعون» فقيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهداء»([17]).

هذا عن الانفصال الجوهري بين حقيقتي الوباء والطاعون، أما الفروق الخارجية الناشئة عن كل منهما، فأهمها أن الوباء يدخل المدينة المنورة وغيرها، في حين أن الطاعون لا يدخلها، كما لا يدخلها المسيح الدجال، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل المدينة المسيح، ولا الطاعون»([18])، وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها الذي فيه: «قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله»([19]).

ولما كان الطاعون يكثر زمن الوباء، وفي البلاد الوبيئة، عُبر عنه بالوباء، وكذلك سمي الوباء العام الناشئ عن فساد الهواء طاعونا مجازا، لاشتراكهما في عموم المرض، أو كثرة الموت([20]).

وبناء على ما سبق تقرر لدى جل الفقهاء أن طبيعة العلاقة بين الوباء والطاعون تتجلى في العموم والخصوص، فكل طاعون وباءٌ، وليس كلُّ وباء طاعوناً، فالوباء أعم، والطاعون أخص([21]).

المبحث الثاني: مسلك الأحناف في توجيه الآيات والأحاديث في باب الوباء والعدوى.

المطلب الأول: الآيات والأحاديث ذات الصلة بالوباء والعدوى

ما ورد في موضوع الوباء والعدوى من آيات وأحاديث وعلاقة ذلك بالقدر على قسمين:

القسم الأول: ما ظاهره نفي العدوى وعدم الجدوى من الاحتراز.

هناك جملة من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي وردت في القدر، والتي مفادها عدم الجدوى من التحرز من أي شيء، وأن ما قدر على الإنسان سيصيبه لا محالة، علاوة على ما ورد في نفي العدوى صراحة، وأنها لا أثر لها في الإصابة بالمرض.

فمن الآيات قول ربنا سبحانه: ﴿قُل لن يصيبَنَا إِلاَّ مَا كتَبَ اللهُ لَنا([22])، وغيرها مما في معناها. أما الأحاديث فمنها:

أولا: حديث عبادة بن الصامت الذي يقول فيه النبي ﷺ «وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك»([23]).

ثانيا: حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ: «لن ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل»([24]). وغير هذين الحديثين مما يفيد أنه لا ينفع مع القدر شيء، لا التحرز ولا غيره.

ثالثا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لا عدوى ولا صفر، ولا هامة» فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل، تكون في الرمل كأنها الظباء، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله ﷺ: «فمن أعدى الأول»([25]).

رابعا: حديث جابر أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة، وقال: «كل ثقة بالله وتوكلا عليه»([26]).

القسم الثاني: ما ظاهره إقرار العدوى والأمر بالاحتراز منها.

على خلاف القسم الأول، فقد وردت عدة آيات قرآنية عامة، وكذا أحاديث نبوية، تأمر بأخذ الحذر، ومنها ما يقر العدوى صراحة، ويحث على التحرز منها.

فمن الآيات قوله تعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إلى التَّهْلُكَةِ﴾([27]).

وقوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾([28]) في غير موضع.

وقوله تعالى: ﴿ وأَعِدُّواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم من قُوَّةٍ ومن رباط الخَيْل﴾([29]).

وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الأخذ بالأسباب ودفع المضرة.

أما الأحاديث فمنها ما يلي:

الحديث الأول: «لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِح»([30]).

الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عباس الطويل، وفيه: «أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشأم، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه. فأخبروه أن الوبأ قد وقع بالشأم. قال ابن عباس… فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان. إحداهما مخصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان غائبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علما. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه. وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه». قال: فحمد الله عمر ثم انصرف»([31]).

الحديث الثالث: حديث أبي هريرة وفيه رسول الله ﷺ قال: «… وفر من المجذوم كما تفر من الأسد»([32]).

الحديث الرابع: حديث فروة بن مسيك، قال: قلت يا رسول الله أرض عندنا يقال لها أرض أبين، هي أرض ريفنا، وميرتنا، وإنها وبئة، أو قال وباؤها شديد فقال النبي: «دعها عنك، فإن من القرف([33]) التلف»([34]).

المطلب الثاني: توجيه النصوص الواردة في الوباء والعدوى في علاقتها بالقدر

قد اختلف علماء الإسلام منذ القديم، وتعددت مسالكهم في توجيه الآيات والأحاديث التي ظاهر بعضها نفي العدوى، في حين ظاهر بعضها الآخر إقرار العدوى والأمر بالاحتراز منها.

ومسالكهم إجمالا في التعامل مع مثل هذه النصوص التي ظاهرها التعارض تؤول إلى ثلاثة، وهي:

أولا: مسلك النسخ.

ثانيا: مسلك الترجيح.

ثالثا: مسلك الجمع.

ومسلك الجمع بين النصوص هو الذي استقر عليه رأي جمهور علماء الإسلام في هذا الباب، وإن كانت أوجه الجمع قد تختلف من عالم لآخر.

وإذا كان فقهاء الأحناف من جملة علماء الإسلام الذين سلكوا مسلك الجمع في هذا الباب، فإنهم أنفسهم لم يكونوا على رأي رجل واحد في النظر إلى أوجه الجمع بين تلك الآيات والأحاديث، فداخل المذهب الحنفي نلحظ  أن هناك توجيهين متقاربين لما ورد في نفي العدوى وإقرارها:

التوجيه الأول: أن حديث «لا عدوى»، وغيره مما يتوافق مع مفهوم القدر، محمول على حقيقته، وهي نفى العدوى([35]).

والدليل على هذا التوجيه هو نفى رسول الله ﷺ للعدوى في أحاديث كثيرة صحيحة. وكذلك قوله ﷺ: «فمن أعدى الأول»، ومعناه: أنه لو كان إنما أصاب الثاني ما أصابه إنما بسبب عدوى الأول، لما أصاب الأول شيء؛ لأنه لم يكن معه ما يعديه، ولكنه لمَّا كان ما أصاب الأول، إنما كان بقدر الله عز وجل، كان ما أصاب الثاني، كذلك([36]).

والذي نصر هذا التوجيه هو الإمام الطحاوي، وتبعه جل الأحناف، وعضده أيضا بما ورد في حديث جابر أن رسول الله ﷺ وضع يد المجذوم في القصعة التي كان يأكل منها، مع أنه ﷺ كان يتحرز مما من شأنه الإهلاك، كإسراعه ﷺ حينما مر بحائط مائل، قال أبو جعفر: «فَدَلَّ فِعلُ رسول الله على نفي الإعداء، لأنه لو كان الإعداء مما يجوز أن يكون، لما فعل النبي ﷺ ما يخاف ذلك منه؛ لأن في ذلك جر التلف إليه، وقد نهى الله عز وجل عن ذلك فقال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ ومر رسول الله ﷺ بهدف مائل فأسرع، فإذا كان يسرع من الهدف المائل، مخافة الموت، فكيف يجوز عليه أن يفعل ما يُخاف منه الإعداء؟»([37]).

أما حديث «لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِح»، وما يضاهيه في المعنى مما ظاهره إقرار العدوى، فمحمول عندهم على الخوف من الطيرة، ونسبة التأثير لغير الله، وليس على الخوف من الإعداء؛ إذ لو أُورد مُمرض على مصح، فأصابه بقدر الله ما أصاب الأول،  لقال الناس أعداه الأول، فَكُره إيراد المصح على الممرض، وكذا العكس، خوف هذا القول([38]).

ومثل هذا التوجيه ذكره الطحاوي في أحاديث النهي عن القدوم على أرض الطاعون، أو الخروج منها فرارا، مبينا أيضا أن النهي ليس للخوف من الطاعون، وإنما هو نهي عن الأسباب التي من أجلها يتطير الناس، وذلك كأن يَقدم عليه رجل، «فيصيبه بتقدير الله عز وجل عليه أن يصيبه، فيقول لولا أني قدمت هذه الأرض ما أصابني هذا الوجع، ولعله لو أقام في الموضع الذي خرج منه لأصابه، فأُمر أن لا يقدمها، خوفا من هذا القول.

وكذلك أُمر أن لا يخرج من الأرض التي نزل بها، لئلا يسلم فيقول: لو أقمت في تلك الأرض، لأصابني ما أصاب أهلها»([39]).

ودليله في هذا التوجيه هو نهي أهل الموضع الذي وقع فيه الطاعون من الخروج منه. ووجه الاستدلال بهذا النهي أن الخوف على من كان بالأرض الموبوءة، كالخوف على غيرهم، فلما مُنع أهلُ الموضع الذي وقع فيه الطاعون من الخروج منه، ثبت أن المعنى الذي من أجله منعهم من القدوم ليس هو الخوف من الإعداء بالطاعون([40]). وقد عزز الطحاوي ما ذهب إليه بعدة آثار مروية عن الصحابة رضوان الله عليهم([41]).

تلك هي خلاصة التوجيه الأول لما ورد في نفي العدوى وإثباتها عند جمهور الحنفية.

والإمام الطحاوي ــ رحمه الله ـــ مع كونه أول المرجحين لهذا التوجيه من الحنفية، فهو يقر بالاختلاف في تحديد علة النهي عن إيراد الممرض على المصح أو العكس، وكذا النهي عن القدوم على أرض الوباء، وهذا ما أشار إليه بقوله: «فذهب قوم إلى هذا [أي: حمل النهي على خوف الإعداء]، فكرهوا إيراد الممرض على المصح، وقالوا: إنما كره ذلك، مخافة الإعداء، وأمروا باجتناب ذي الداء والفرار منه. واحتجوا في ذلك أيضا بما روي عن عمر في الطاعون، في رجوعه بالناس فارا منه»([42])، لكنه لم يرتض هذا التوجيه، ولم يسلمه كما أسلفت.

التوجيه الثاني: أن أخذ الحذر لا ينافي القدر.

وخلاصة هذا التوجيه أن الآيات والأحاديث الواردة في إثبات القدر، وكذا ما ورد منها في نفي العدوى، لا تنافي أخذ الحذر، وعدم الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، بل الأخذ بالأسباب الاحترازية واجب، وإن كانت غير موجبة للنجاة.

والدليل أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أهمل الأسباب والاستعداد، وإنما نفى عنها التأثير كما في حديث العدوى، وهذا النفي معتبر في كل حمية واحتراز واستعداد من غير تخصيص، فضلا عن كون الآيات الواردة في النهي عن اقتحام الضرر عامة في كل ضرر، ويدخل في عمومها التحرز من الوباء، ومن ادعى التخصيص بغير الوباء لزمه البيان([43]).

ولعل أول من مال إلى هذا التوجيه من الحنفية هو بدر الدين العينى (ت: 855هـ)، فقد ذهب إلى تقديم حديث أبي هريرة: «فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد» على حديث جابر الذي فيه: «أخذ النبي -عليه السلام- بيد مجذوم فوضعها في القصعة، وقال: بسم الله، ثقة بالله وتوكلًا على الله»، ورأى أن حديث جابر لا يُقاوِم حديث أبي هريرة وما في معناه من حيث الصحة، مبرزا أنه على تقدير صحة حديث جابر، فإنه ليس فيه أن النبي ﷺ أكل معه، وإنما أذن له ولم يأكل. وعلى تقدير أكله معه، فإنه ﷺ «أراد أن يُعْلم أن هذه الأمراض لا تُعدي بطبعها، ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه، كما في سائر الأسباب؛ ففي حديث جابر ونحوه نفي ما كان يعتقده الجاهلي، وأن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال في حديث أخر: “فمن أعدي الأول” وفي حديث أبي هريرة ونحوه أَعْلَم أن الله جعل ذلك سببًا لذلك، فحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله تعالى»([44]).

وقال أيضا في شرحه لحديث الطاعون: «والمراد أن هجوم المرء على ما يهلكه منهي عنه، ولو فعل لكان من قدر الله، وتجنبه ما يؤذيه مشروع، وقد يقدر الله وقوعه فيما فر منه، فلو كان فعله أو تركه لكان من قدر الله، وحاصل الكلام أن شيئا ما لا يخرج عن القدر»([45]).

وقد دافع عن هذا التوجيه حمدان بن عثمان خوجه (1255هـ) في رسالته «إتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز عن الوباء»، وهو أحد علماء الجزائر الحنفية المتأخرين، وقد عايش جملة من الأوبئة، كما حكى ذلك في كتابه، ولاحظ أن الناس لا يعبؤون بالاحتراز منها؛ بسبب سوء فهمهم لما ورد في القدر، وكذا استنادهم إلى توجيه الإمام الطحاوي لأحاديث العدوى والطاعون، دون غيره من توجيهات العلماء، فقد قال بعد ما أورد توجيه الطحاوي لحديث: «لا يوردن ممرض على مصح»، الذي سبق ذكره ما نصه: «والمتعصبون في زماننا جمدوا في هذه المسألة على هذا التوجيه [يعني توجيه الطحاوي]، لا يعرفون غيره، ويقولون: نُهي عن القدوم كيلا تتغير عقائد العوام، فإذا ما ذكر لهم كلام غير الطحاوي أنكروه ولم يعتمدوه…ثم إن قول الطحاوي ـ رحمه الله ـ: إنه لو لم يورده لأصابه لكون الله قدره محل نظر ومناقشة؛ إذ يتلمح منه أن الله قدر الإصابة ولم يقدر الورود، بل الواقع أنه قدر الإصابة نتيجة عن الورود، فلا بد من وقوعهما مرتبين»([46]).

فاللائح من هذا النص أن النهي الوارد عما يسبب الإعداء، كإيراد الممرض على المصح والعكس، وكذا القدوم على أرض الوباء على حقيقته، بخلاف ما ذهب إليه الطحاوي في التوجيه الأول.

وعليه فيكون المسلم منهيا شرعا عن الإقدام على ذلك الفعل، حتى وإن قويت عقيدته، وسلم من نسبة التأثير لغير الله.

والحاصل أن التوجيهين معا يتفقان في التسليم بالقدر، ونفي التأثير الذاتي للعدوى، لكنهما يختلفان في تكييف النهي عما من شأنه الإعداء، وحكم الإقدام عليه، فظاهر التوجيه الأول جواز ذلك لمن سلمت عقيدته، بخلاف التوجيه الثاني. وسيأتي مزيد تفصيل لحكم هذه المسألة في المبحث الموالي.

المبحث الثالث: حكم التدابير الوقائية من انتشار الأوبئة وتمددها:

تحدث الفقهاء قديما، عن قضيتين اثنتين لهما ارتباط وثيق بالتدابير الوقائية من انتشار الأوبئة وتمددها، وبينوا حكمهما الشرعي، وهما: الدخول لبلد الوباء، والخروج منها.

 فإذا وقع الوباء في بلد، أو إقليم، أو ناحية، فقد يحتاج من كان خارجها إلى الدخول إليها لغرض، كالتجارة أو الزيارة، أو نحو ذلك.

وكذلك من كان داخلها قد يحتاج إلى الخروج فرارا، أو لغرض التداوي ونحو ذلك، وفي هذا المبحث سنتناول حكم هذا الدخول والخروج في المذهب الحنفي، من خلال مطلبين اثتنين:

المطلب الأول: الدخول لبلد الوباء.

قد اختلف فقهاء الإسلام في حكم الدخول لبلد الطاعون مطلقا، سواء كان لغرض التجارة أو الزيارة، أو غيرهما.

والأصل الذي انطلقوا منه، والذي كان مثار اختلافهم، كما سبق، هو تحديد علة الأحاديث الواردة في النهي عن القدوم لأرض الطاعون في علاقتها بأحاديث نفي العدوى.

وقد سبق لنا الكشف عن التوجيه الذي ارتضاه علماء الأحناف لتلك الآيات والأحاديث، والذي يهمنا هنا هو الأحكام الفقهية التي استنبطوها في ضوء تلك التوجيهات.

والناظر في المؤلفات الحنفية في الفروع الفقهية يجد أنهم لم يبسطوا القول في حكم هذه المسألة، وإنما أشاروا إليها إشارات وجيزة، في معرض سوقهم لتلك الأحاديث السابقة، وجلهم يكتفي بنقل رأي الإمام الطحاوي.

والحاصل من تلك الإشارات أنهم لم يطلقوا في حكم الدخول لبلد الوباء، لا بالجواز ولا بالحرمة، كما عزا إليهم ذلك بعض الباحثين([47])، وإنما أناطوا حكمه بمدى متانة عقيدة الشخص وعدمها، فإن قويت عقيدته جاز له الدخول، وإلا فيحرم.

قال الإمام السرخسي (ت: 483هـ) بعد ما أورد حديث عبد الرحمن بن عوف في الطاعون وقبول عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ له، قال: «وذكر الطحاوي ــ رحمه الله تعالى ــ في مشكل الآثار هذا الحديث فقال: تأويله أنه إذا كان بحال لو دخل فابتلي وقع عنده أنه ابتلي بدخوله، ولو خرج فنجي وقع عنده أنه نجي بخروجه فلا يدخل ولا يخرج؛ صيانة لاعتقاده، فأما إذا كان يعلم أن كل شيء بقدر، وأنه لا يصيبه إلا ما كتب الله تعالى فلا بأس بأن يدخل ويخرج»([48]).

وهذا النص نفسه نجده عند الإمام الطحطاوي في حاشيته، فقد قال ـ رحمه الله ـ: «إن كان بحال لو دخل وابتلى به وقع عنده أنه ابتلى بدخوله ولو خرج فنجا وقع عنده أنه نجا بخروجه، لا يدخل ولا يخرج، صيانة لاعتقاده، فأما إذا كان يعلم أن كل شيء بقدر الله تعالى، وأنه لا يصيبه إلا ما كتب الله عليه فلا بأس بأن يدخل ويخرج»([49]).

فهذا يبرز بجلاء أن حكم الدخول لأرض الطاعون أو الوباء عند جل الأحناف مناط بحال الشخص الداخل، ومدى الخوف عليه من فساد المعتقد أو عدمه، ولا يبدو منه أي تعميم لحكم الجواز أو الحرمة.

بيد أن بعض المتأخرين منهم مال إلى ترجيح الحرمة، ورأى أنه لا تعارض بين الإيمان بالقدر، والأخذ بالأسباب([50]).

المطلب الثاني: الخروج من أرض الوباء.

ما تقدم ذكره من تفصيل في حكم القدوم على أرض الوباء يستصحب أيضا في حكم الخروج منها. قال علاء الدين الحصكفي (ت: 1088هـ): «وإذا خرج من بلدة بها الطاعون: فإن علم أن كل شئ بقدر الله تعالى فلا بأس بأن يخرج ويدخل»([51]).

لكن هناك من الأحناف من فصل في مسألة الخروج بين ما كان فرارا، وما كان لغرض التداوي ونحوه. ورأى أن الخروج من أرض الوباء إذا كان فرارا منه فهو حرام، وإذا لم يكن كذلك فهو مباح، وهذا ما ذهب إليه الطحاوي، واستدل عليه بقوله: «وفي حديث أسامة الذي رويناه عن رسول الله ﷺ وإذا وقع بأرض وهو بها فلا يخرجه الفرار منه، دليل على أنه لا بأس أن يخرج منها، لا عن الفرار منه»([52]).

وتبعه في هذا التفصيل بدر الدين العينى، فقد قال أثناء شرحه لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنه: «وتقديره: لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلا فرارا منه، فأباح الخروج لغرض آخر كالتجارة ونحوها»([53]).

وهناك أقوال أُخَر في تفسير علة المنع من الخروج من أرض الوباء، حكى بعضها الطحطاوي بقوله: «وقيل: المنع من الخروج خوفا من تعطل المرضى الذين في تلك الأرض؛ لأن الناس إذا فروا عنهم تعطلت أحوالهم وأحوال من يموت منهم. وقيل: جبرا لخاطر الفقير الذي لا يجد ما يعنيه إلا على الخروج. وقيل: غير ذلك»([54]).

المبحث الرابع: ما يشرع من العبادات لرفع الوباء في الفقه الحنفي:

يشتمل هذا المبحث على مطلبين:

المطلب الأول: حكم الصلاة لرفع الوباء

قد اتفق فقهاء الأمصار على مشروعية الصلاة لنوع واحد من التغيرات الكونية المخيفة والمفزعة، وهي صلاة الكسوف؛ لما ورد فيها من أحاديث. قال علاء الدين السمرقندي الحنفي (ت: نحو 540هـ): «الصلاة مشروعة في الكسوفين جميعا، كسوف الشمس وكسوف القمر للأحاديث الواردة في هذا الباب»([55]).

أما الصلاة لغير الكسوف من الشدائد والنوازل، فاختلفوا في ذلك، ومذهب الحنفية استحباب الصلاة في كل مُفزع، كالريح الشديدة، والزلازل، والأمطار الدائمة، والأوبئة العامة. وقد نص على ذلك غير واحد منهم. قال حافظ الدين النسفي (ت: 710هـ)، معددا الأسباب التي تشرع من أجلها الصلاة فرادى: «كالخسوف والظّلمة والرّيح والفزع»([56]). وقد تعاقب شراح هذا المتن على إدراج الأوبئة والأمراض العامة كالطاعون في قوله: «والفزع»، الذي تشرع من أجله الصلاة.

قال الزيلعي (ت: 743 هـ): «والزلازل والصواعق وانتثار الكواكب، والضوء الهائل بالليل، والثلج والأمطار الدائمة، وعموم الأمراض، والخوف الغالب من العدو، ونحو ذلك من الأفزاع والأهوال؛ لأن ذلك كله من الآيات المخوفة»([57]).

وقال صاحب البحر الرائق مُعَّددا ما يندرج في الفزع: «…وعموم الأمراض، والخوف الغالب من العدو، ونحو ذلك من الأفزاع والأهوال؛ لأن ذلك كله من الآيات المخوفة، والله تعالى يخوف عباده ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى الطاعة التي فيها فوزهم وخلاصهم، وأقربُ أحوال العبد في الرجوع إلى ربه الصلاةُ»([58]).

وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار: «(قوله: ومنه الدعاء برفع الطاعون)، أي: من عموم الأمراض، وأراد بالدعاء الصلاة لأجل الدعاء»([59]).

وقال الطحطاوي: «كلمتهم متفقة على أنهم يصلون فرادى ويدعون في عموم الوباء والأمراض. قال في النهر وهو شامل للطاعون»([60]).

وقد استدلوا على استحباب الصلاة لدفع الوباء بقوله ﷺ: «إذا رأيتم شيئا من هذه الأهوال فأفزعوا إلى الصلاة»([61]) . والوباء عندهم من الأفزاع والأهوال التي تنزل بالناس؛ بدليل كل النصوص الفقهية السابقة.

المطلب الثاني: حكم القنوت في الصلاة لرفع الوباء

القنوت في اللغة يطلق على عدة معان، منها([62]):

الدعاء في الصلاة، وطول القيام فيها، وإقامة الطاعة، والخشوع والخضوع، وغير ذلك. ويحمل هذا اللفظ عند وروده على المعنى الذي يحتمله السياق الذي ورد فيه([63]).

والمراد بالقنوت هنا: الدعاء بعد تكبير في قيام في الصلاة([64]).

وقد اختلف الفقهاء في حكم القنوت في الصلاة المفروضة من غير سبب، فمنهم من أثبته في بعض الفرائض، ومنهم من نفاه، كما اختلفوا أيضا في القنوت من أجل رفع الوباء. وفي هذا المطلب بيان لحكم القنوت في الفريضة عند الحنفية أولا، وحكمه لصرف الوباء ثانيا.

أولا: حكم القنوت في الفريضة:

القنوت في الصلوات المفروضة عند الأحناف منسوخ ، في صلاة الفجر وغيرها. قال الطحاوي ـ رحمه الله ـ: «وقد أجمعوا أن ذلك منسوخ من صلاة العشاء الآخرة بكماله، لا إلى قنوت غيره، فالفجر أيضا في النسخ كذلك. فلما كشفنا وجوه هذه الآثار المروية عن رسول الله ﷺ في القنوت، فلم نجدها تدل على وجوبه الآن في صلاة الفجر لم نأمر به فيها، وأمرنا بتركه، مع أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قد أنكره أصلا»([65]).

وقال بدر الدين العيني: «وتقرير الكلام أن يقال: إنا لا ننازع أن هذه الأحاديث قد رويت على نحو ما ذكرنا، ولكن كل واحد له معنى، ومعاني الكل ترجع إلى معنى واحد، وهو انتساخ القنوت في الفجر»([66]).

والقول بنسخ القنوت في صلاة الفجر محمول عندهم على ما كان من غير بلية أو فتنة تنزل بالناس، أما في النوازل فحكمه مستمر، وهو محمل قنوت من قنت من الصحابة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام([67]).

ثانيا: حكم القنوت لرفع الوباء

قد سبقت الإشارة أن القنوت لدفع الأوبئة مسألة خلافية، والذي عليه مذهب الحنفية، أن القنوت في الصلاة لرفع الوباء مستحب. قال ابن نجيم المصري (ت: 970هـ): «فالقنوت عندنا في النازلة ثابت، وهو الدعاء برفعها. ولا شك أن الطاعون من أشد النوازل»([68]). وقال ابن عابدين (ت: 1252هـ): «(قوله إلا لنازلة) قال في الصحاح: النازلة: الشديدة من شدائد الدهر، ولا شك أن الطاعون من أشد النوازل»([69]).

والفريضة التي يشرع فيها القنوت عندهم لصرف الوباء هي صلاة الفجر دون غيرها من الفرائض، فقد نقل غير واحد من الأحناف عن الطحاوي قوله: «إنما لا يقنت عندنا في صلاة الفجر من غير بلية، فإن وقعت فتنة أو بلية فلا بأس به، فعله رسول الله – ﷺ»([70]). وقد تعقبه ابن عابدين بقوله: «وهو صريح في أن قنوت النازلة عندنا مختص بصلاة الفجر دون غيرها من الصلوات الجهرية أو السرية. ومفاده: أن قولهم بأن القنوت في الفجر منسوخ معناه: نسخ عموم الحكم، لا نسخ أصله»([71]).

وقال الطحطاوي في حاشيته: «قوله: (وهو مذهبنا وعليه الجمهور)، أي: القنوت للحادثة، وإن خصصناه بالفجر لفعله ﷺ، وعممه الجمهور في كل الصلوات»([72]).

المبحث الخامس: مسائل فقهية مختلفة زمن الوباء

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: دفن الموتى بالوباء في قبر واحد.

الأصل أن الميت يدفن في قبر مستقل لا يشاركه فيه غيره، فلا يجوز أن يدفن اثنان فصاعدا في قبر واحد إلا للضرورة، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء([73]).

والدليل على هذا الأصل هو: «عمل الأمة على دفن الواحد في قبر واحد من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا»([74]). وقد نص غير واحد من فقهاء الحنفية على أن مَن أوصى بأن يدفن مع شخص معين في قبر واحد، لا تنفد وصيته، ولا يراعى شرطه؛ عملا بهذا الأصل الذي يقضي بعدم الجواز([75]).

أما إذا كانت هناك ضرورة لدفن أكثر من ميت في قبر واحد، فإنهم صرحوا بجواز ذلك. قال السرخسي: «وإذا وقعت الحاجة إلى دفن اثنين أو ثلاثة في قبر واحد فلا بأس بذلك»([76]). وقال علاء الدين السمرقندي: «ولا ينبغي أن يدفن الرجلان والثلاثة في قبر واحد لعمل الأمة على دفن الواحد في قبر واحد من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا فأما عند الحاجة فلا بأس به»([77]).

ودليلهم في هذا الجواز عند الضرورة هو: أن «النبي  ﷺ  أمر يوم أحد أن يدفن جماعة من الشهداء في قبر واحد وأن يجعل بين كل ميتين حاجز من التراب»([78]). وقد أطلق جل فقهاء الأحناف في الضرورة، ولم يحدوها بحد، فتحمل على المتبادر من مفهومها. وبعضهم مثل لها بقلة الدافنين، أو ضعفهم، أو اشتغالهم بما هو أهم، ولم يجعلوا منها دفن الرجل مع الرجل قريبه، ولا ضيق محل الدفن في تلك المقبرة مع وجود غيرها. قال الطحطاوي: «ومن الضرورة المبيحة لجمع ميتين فصاعدا في قبر واحد …قلة الدافنين أو ضعفهم أو اشتغالهم بما هو أهم، وليس منها دفن الرجل مع الرجل قريبه ولا ضيق محل الدفن في تلك المقبرة مع وجود غيرها وإن كانت تلك المقبرة مما يتبرك بالدفن فيها»([79]).

ولا شك أن كثرة الموتى في الوباء، وهي مسألتنا هذه، أو نحو ذلك من أسباب الموت العام مما يندرج في الضرورة المبيحة لجواز دفن ميتين فأكثر في قبر واحد، بل قد يكون ذلك أولويا.

المطلب الثاني: من طلق زوجته حال فشو الوباء

من الفروع الفقهية التي اختلف فيها علماء الإسلام، طلاق المريض مرضَ الموت، هل يقع أو لا، مع اتفاقهم على أنه يقع إن صح من مرضه. والذين قالوا: إن طلاق المريض يلزم اختلفوا أيضا هل ترثه زوجته إن مات أم لا؟([80]).

ومذهب الحنفية أن طلاق المريض يقع، لكن لا تترتب عليه كل الآثار الشرعية، ومنها عدم التوارث بين الرجل ومطلقته في مدة العدة، فإذا مات الرجل من ذلك المرض الذي طلق فيه، ومطلقته في العدة، فإنها ترثه([81]).

وكما يسمونه طلاق المريض، يعبرونه عنه أيضا بـ«طلاق الفار»؛ لفراره من إرثها، فيعاملونه بنقيض قصده إلى حين إتمام عدتها بشروط يذكرونها في ذلك([82]).

وحدُّ المرض الذي يكون به فارّاً من إرث زوجته منه: أن يغلب على حاله الهلاك، ويكون صاحب فراش قد أضناه المرض([83]).

فهذه المسألة منصوص عليها في المذهب الحنفي، وهي محل اتفاق بينهم، لكنهم اختلفوا في مَن طلَّق حالَ فشو الوباء والطاعون، هل يلحق بالمريض الفار، أم بالصحيح؟ فمنهم من رأى أنه يعطى حكم الصحيح لا المريض؛ تخريجا على من طلق وهو محصور، أو في صف القتال. قال ابن نجيم: «إنما كانت قواعدنا أنه في حكم الصحيح؛ لأنهم قالوا في باب طلاق المريض: لو طلق الزوج وهو محصور، أو في صف القتال، لا يكون في حكم المريض، فلا ميراث لزوجته؛ لأن الغالب السلامة …وغاية الأمر في الطاعون أن يكون من نزل ببلدهم كالواقفين في صف القتال»([84]).

وجل فقهاء الأحناف ذهبوا هذا المذهب، فخرجوا مسألة المطلق حال فشو الطاعون على مَن طلق وهو في صف القتال، وبذلك لا يُعتبر فارّاً، ولا يكون لزوجته ميراث إن مات في عدتها.

بيد أن بعضهم لم يرتض هذا التخريج ولم يسلمه، ورأى أنه «لا مماثلة بين من هو مع قوم يدفعون عنه في الصف، وبين من هو مع قوم هم مثله، ليس لهم قوة الدفع عن أحد حال فشو الطاعون»([85]).

  وذهب ابن عابدين إلى التفصيل في المسألة، وجعل العبرة بغلبة خوف الهلاك، حيث قال: «إذا دخل الطاعون محلة أو دارا يغلب على أهلها خوف الهلاك كما في حال التحام القتال، بخلاف المحلة أو الدار التي لم يدخلها، فينبغي الجري على هذا التفصيل، لما علمت من أن العبرة لغلبة خوف الهلاك»([86]).

وعلى هذا التفصيل، فإن من غَلَبَ على حاله خوفُ الهلاك، كمن دخل الطاعون إلى داره أو قريته، يعطى حكم المريض، وأما غيره فلا. وهذا كله عندهم فيمن لم يطعن، أما المطعون إذا طَلَّق فلا خلاف عندهم أنه يندرج في المريض، ويعطى حكمه([87]).

فهرس المصادر والمراجع

القرآن الكريم

  • اتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز عن الوباء لحمدان بن عثمان خوجه (1255هـ)، طبعة حجرية (د ط و ت).
  • الموسوعة الطبية الحديثة نقلا عن مقال بعنوان: «الأحكام الفقهية المتعلقة بالأوبئة التي تصيب البشرية» لمحمد بن سند الشاماني، ضمن مجلة جامعة طيبة، العدد: 18، سنة (1440ﻫ).
  • الْأَشباهُ وَالنَّظائِرُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَة النُّعْمانِ لإبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (ت: 970هـ)، وضع حواشيه وخرج أحاديثه: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، سنة (1419 هـ – 1999 م).
  • البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (ت: 970هـ)، وفي آخره: تكملة البحر الرائق لمحمد بن حسين بن علي الطوري الحنفي القادري (ت بعد 1138 هـ)، وبالحاشية: منحة الخالق لابن عابدين، دار الكتاب الإسلامي، ط2، (د ت).
  • بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (ت: 595هـ)، دار الحديث – القاهرة، (د ط)، سنة (1425هـ – 2004 م).
  • تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبي الفيض، مرتضى، الزَّبيدي (ت1205هـ)، مجموعة من المحققين. دار الهداية ، (د ط ت).
  • تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لعثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي (ت: 743 هـ)، مع حاشية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن يونس الشِّلْبِيُّ (المتوفى: 1021 هـ)، المطبعة الكبرى الأميرية – بولاق، القاهرة، ط1، سنة (1313 هـ)، ثم صورتها دار الكتاب الإسلامي ط2.
  • تحفة الفقهاء لمحمد بن أحمد أبي بكر علاء الدين السمرقندي (ت: نحو 540هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط2، سنة (1414 هـ – 1994 م).
  • حاشية ابن عابدين المسماة: منحة الخالق على البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (المتوفى: 970هـ)، وفي آخره: تكملة البحر الرائق لمحمد بن حسين بن علي الطوري الحنفي القادري (ت بعد 1138 هـ).
  • حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح لأحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي (ت 1231 هـ)، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، سنة (1418هـ – 1997م).
  • الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار لمحمد بن علي بن محمد الحِصْني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي (ت: 1088هـ)، تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، ط1، سنة (1423هـ- 2002م).
  • درر الحكام شرح غرر الأحكام لمحمد بن فرامرز بن علي الشهير بملا – أو منلا أو المولى – خسرو (ت: 885هـ)، دار إحياء الكتب العربية، (د ط و ت).
  • الذخيرة، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (ت: 684هـ)، تحقيق: محمد حجي: جزء 1، 8، 13، وسعيد أعراب: جزء 2، 6، ومحمد بو خبزة: جزء: 3 – 5، 7، 9 – 12،  دار الغرب الإسلامي،ط1، سنة (1994م).
  • رد المحتار على الدر المختار لمحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (ت: 1252هـ)، دار الفكر-بيروت، ط2، سنة (1412هـ – 1992م).
  • سنن أبي داود السِّجِسْتاني (ت275هـ)، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت، (د. ط. ت)
  • شرح السنة لأبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (ت: 516هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي – دمشق، بيروت، ط2، سنة (1403هـ – 1983م).
  • شرح سنن النسائي المسمى «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»، محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي، دار المعراج الدولية للنشر [جـ 1 – 5]، دار آل بروم للنشر والتوزيع [جـ 6 – 40]، مع اختلاف بعض الأجزاء في سنوات الطبع.
  • شرح مختصر خليل لمحمد بن عبد الله الخرشي المالكي أبي عبد الله (المتوفى: 1101هـ)، دار الفكر للطباعة ، (د ط و ت).
  • شرح معاني الآثار لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المصري المعروف بالطحاوي (ت: 321هـ)، حققه وقدم له: محمد زهري النجار – محمد سيد جاد الحق، وراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي، عالم الكتب، ط1، سنة (1414 هـ، 1994 م).
  • صحيح البخاري = الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، لمحمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. دار طوق النجاة، ط/1، سنة (1422هـ).
  • صحيح مسلم = المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، لمسلم بن الحجاج أبي الحسن النيسابوري (ت261هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
  • الطب النبوي لمحمد بن أبي بكر بن أيوب المشهور بابن قيم الجوزية (ت: 751هـ)، دار الهلال، (د ط و ت).
  • عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج لسراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد المشهور بـ «ابن الملقن» (ت: 804 هـ)، ضبطه على أصوله وخرج حديثه وعلق عليه: عز الدين هشام بن عبد الكريم البدراني، دار الكتاب، إربد – الأردن، سنة (1421 هـ – 2001 م).
  • عمدة القاري شرح صحيح البخاري لمحمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى (ت: 855هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت، (د ط وت).
  • العين، للخليل بن أحمد أبي عبد الرحمن الفراهيدي (ت170هـ)، تحقيق: مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي. دار ومكتبة الهلال. (د. ط. ت).
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر، أبي الفضل العسقلاني، دار المعرفة، سنة (1379ﻫ)، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي.
  • القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادى، تحقيق: مكتب تحقيق التراث بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي. مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، ط/8، سنة (1426ﻫ/2005م).
  • القانون في الطب، لأبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا الفيلسوف (ت: 428هـ)، وضع حواشيه محمد أمين الضناوي ( )
  • كنز الدقائق لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (ت: 710هـ)، تحقيق: سائد بكداش، دار البشائر الإسلامية، ودار السراج، ط1، سنة (1432هـ – 2011م).
  • لسان العرب، لمحمد بن مكرم جمال الدين ابن منظور(ت 711ﻫ)، دار صادر، ط/3، (سنة1414ﻫ).
  • المبسوط لمحمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت: 483هـ)، دار المعرفة – بيروت، ( د ط)، سنة (1414هـ – 1993م).
  • مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لعبد الرحمن بن محمد بن سليمان المعروف بداماد أفندي (ت: 1078هـ)، دار إحياء التراث العربي، (د ط و ت).
  • المجموع شرح المهذب لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: 676هـ)، دار الفكر، (د ط و ت).
  • المحكم والمحيط الأعظم، لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (ت: 458هـ)، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، ط1، سنة (1421 هـ – 2000 م).
  • المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، لأبي المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (ت: 616هـ)، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، سنة (1424 هـ – 2004 م).
  • مختار الصحاح لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (ت: 666هـ)، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت – صيدا، ط5، سنة (1420هـ / 1999م).
  • مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت: 241هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط1، سنة (1421 هـ – 2001 م).
  • مشارق الأنوار على صحاح الآثار لعياض بن موسى بن عياض بن عمرون أبي الفضل، اليحصبي السبتي، (ت: 544هـ)، المكتبة العتيقة ودار التراث، (د ط و ت).
  • المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، لأحمد بن محمد أبي العباس الفيومي الحموي (ت نحو 770هـ)، المكتبة العلمية – بيروت، (د.ت).
  • معجم اللغة العربية المعاصرة لأحمد مختار عبد الحميد عمر (ت: 1424هـ) بمساعدة فريق عمل، عالم الكتب، ط1، سنة (1429 هـ – 2008 م)
  • معجم لغة الفقهاء لمحمد رواس قلعجي – حامد صادق قنيبي، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، سنة (1408 هـ – 1988 م).
  • المغني لابن قدامة لعبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (ت: 620هـ)، مكتبة القاهرة، (د ط و ت).

الموطأ للإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (ت: 179هـ)، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة (1406 هـ – 1985 م).

  • النتف في الفتاوى لأبي الحسن علي بن الحسين بن محمد السُّغْدي، حنفي (ت: 461هـ)، تحقيق: المحامي الدكتور صلاح الدين الناهي، دار الفرقان ومؤسسة الرسالة – عمان الأردن / بيروت لبنان، ط2، سنة (1404 ﻫ – 1984م).
  • نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار لمحمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى (ت: 855هـ)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – قطر، ط1، سنة (1429 هـ – 2008 م).
  • النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الشيباني الجزري ابن الأثير (ت: 606هـ)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى – محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية – بيروت، سنة (1399هـ – 1979م).
  • النهر الفائق شرح كنز الدقائق لسراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت 1005هـ)، تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، ط1، سنة (1422هـ – 2002م).
  • النهر الفائق شرح كنز الدقائق، لسراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت 1005هـ). تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، ط1، سنة (1422هـ – 2002م).

([1]) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (10/ 566)، والمصباح المنير، مادة  (وبء)، (2/ 646)، والقاموس المحيط، باب الهمزة، فصل الواو (ص: 55)، وتاج العروس (1/ 478).

([2]) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (10/ 566) والقاموس المحيط، باب الهمزة، فصل الواو (ص: 55).

([3]) فتح الباري لابن حجر (10/ 133).

([4]) تاج العروس (1/ 478).

([5]) تاج العروس (1/ 478)،  ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/ 262).

([6]) النهر الفائق شرح كنز الدقائق (1/ 375). وانظر: حاشية ابن عابدين المسماة: منحة الخالق على البحر الرائق شرح كنز الدقائق (2/ 181).

([7]) شرح مختصر خليل للخرشي (4/ 154).

([8]) معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 2392).

([9]) الموسوعة الطبية الحديثة (3/ 2392)، نقلا عن مقال بعنوان: الأحكام الفقهية المتعلقة بالأوبئة التي تصيب البشرية (ص:143).

([10]) العين (8/ 418).

([11]) مختار الصحاح (ص: 190).

([12]) النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 127). وانظر: ولسان العرب (13/ 267).

([13]) القانون في الطب (3/ 164).

([14]) فتح الباري لابن حجر (10/ 180).

([15]) انظر: الطب النبوي لابن القيم (ص: 31).

([16]) فتح الباري لابن حجر (10/ 181) بتصرف يسير.

([17]) مسند الإمام أحمد مخرجا (32/ 293).

([18]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، الحديث رقم: (5731)، (7/ 130).

([19]) صحيح البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، الحديث رقم: (1889)، (3/ 23).

([20]) انظر: الطب النبوي لابن القيم (ص: 30)، وفتح الباري لابن حجر (10/ 181).

([21]) انظر: الطب النبوي لابن القيم (ص: 31)، النهر الفائق (1/ 376)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (2/ 183).

([22]) سورة التوبة، الآية: 50.

([23]) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، رقم الحديث: [4699]، (4/ 225).

([24]) مسند الإمام أحمد، حديث معاذ بن جبل، رقم الحديث: [22044]، (36/ 370)]..

([25]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا صفر، وهو داء يأخذ البطن، رقم الحديث: [5717]، (7/ 138).

([26]) سنن أبي داود، كتاب الطب، باب في الطيرة، رقم الحديث: [3925]، (4/ 20).

([27]) سورة البقرة، الآية: 193.

([28]) سورة النسا، الآية: 69.

([29]) سورة الأنفال، الآية: 60.

([30]) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري، كتاب الطب، باب لا هامة، رقم الحديث: [5771]، (7/ 138).

([31]) رواه الإمام مالك في الموطأ عن ابن شهاب، كتاب الجامع، ما جاء في الطاعون، رقم الحديث: [3329].

([32]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الجذام، رقم الحديث: [5707]، (7/ 126).

([33]) قال البغوي: «والقرف: هو مداناة الوباء، وليس هذا من باب العدوى، وإنما هو من باب الطب، فإن استصلاح الأهوية معينة على صحة الأبدان، وفسادها مضر مسقم كالمطاعم والمشارب، وكل ذلك بإذن الله ومشيئته جلت عظمته». شرح السنة (5/ 255).

([34]) سنن أبي داود، كتاب الطب، باب في الطيرة،  رقم الحديث: [3923]، (4/ 19).

([35]) العدوى اسم من الإعداء، كالرعوى والبقوى، من الإرعاء والإبقاء، يقال: أعداه الدَّاءُ يُعدْيِه إِعْداءً، وهو أن يصيبه مثل ما أصابه. انظر: نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (14/ 59).

([36]) بتصرف يسير من شرح معاني الآثار (4/ 310).

([37]) شرح معاني الآثار (4/ 310).

([38]) بتصرف يسير من شرح معاني الآثار (4/ 310).

([39]) شرح معاني الآثار (306⁄4).

([40]) شرح معاني الآثار بتصرف (306⁄4).

([41]) انظر: شرح معاني الآثار (305⁄4).

([42]) شرح معاني الآثار (4/ 303).

([43]) اتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز عن الوباء (ص: 16ـ17).

([44]) نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (14/ 92).

([45]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (21/ 259).

([46]) اتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز عن الوباء(ص: 28).

([47]) انظر مقال بعنوان: “الأحكام الفقهية المتعلقة بالأوبئة التي تصيب البشرية”، ضمن مجلة طيبة، العدد: 18، (ص: 135)، وفيه أن حكم الدخول لبلد الطاعون أو الخروج منه فرارا هو الحرمة عند جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

([48]) المبسوط للسرخسي (10/ 166).

([49]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: 547).

([50]) انظر: نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (14/ 92)، واتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز عن الوباء(ص: 28).

([51]) الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: 760).

([52]) شرح معاني الآثار (4/ 310).

([53]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (16/ 59).

([54]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: 547). وانظر: المجموع شرح المهذب (5/ 44)، وعجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (1/ 399).

([55]) تحفة الفقهاء (1/ 181).

([56]) كنز الدقائق (ص: 193).

([57]) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 230).

([58]) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (2/ 181). وانظر أيضا: النهر الفائق شرح كنز الدقائق (1/ 375)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 139).

([59]) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (2/ 183).

([60]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: 547).

([61]) انظر: المبسوط للسرخسي (2/ 75). والحديث أصله في صحيح البخاري لكن بلفظ مخالف لهذا، ونصه: «إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى الصلاة»، أبواب الكسوف، باب: لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته، الحديث رقم: (1058).

([62]) انظر: المحكم (6/ 338)، و مشارق الأنوار (2/ 186)، والمصباح المنير (2/ 517)، مادة: (ق ن ت).

([63]) النهاية في غريب الحديث والأثر (4/ 111).

([64]) معجم لغة الفقهاء (ص: 371).

([65]) شرح معاني الآثار (1/ 249).

([66]) نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (4/ 334).

([67]) الأشباه والنظائر (ص: 331)، و(رد المحتار) (2/ 11).

([68]) الأشباه والنظائر (ص: 331).

([69]) رد المحتار (2/ 11).

([70]) رد المحتار (2/ 11)

([71]) رد المحتار (2/ 11)

([72]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: 377).

([73]) انظر: المبسوط للسرخسي (2/ 65)، و تحفة الفقهاء (1/ 256)، والذخيرة للقرافي (2/ 479)، المغني لابن قدامة (2/ 420).

([74]) تحفة الفقهاء (1/ 256).

([75])  درر الحكام شرح غرر الأحكام (2/ 430)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (6/ 657).

([76])  المبسوط للسرخسي (2/ 65).

([77])  تحفة الفقهاء (1/ 256).

([78])  المبسوط للسرخسي (30/ 107).

([79])  حاشية على مراقي الفلاح (ص: 612). وانظر: رد المحتار (2/ 233).

([80]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/ 101).

([81]) انظر: تحفة الفقهاء (2/ 186).

([82]) انظر: الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: 226)، النتف في الفتاوى للسغدي (1/ 335).

([83]) انظر: المبسوط للسرخسي (6/ 169)، والمحيط البرهاني في الفقه النعماني (3/ 412)، والدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: 226).

([84]) الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: 333). وانظر أيضا: النهر الفائق شرح كنز الدقائق (2/ 406)، والدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: 227).

([85]) درر الحكام شرح غرر الأحكام (1/ 380).

([86]) رد المحتار على الدر المختار (3/ 390).

([87]) رد المحتار على الدر المختار (3/ 390).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق