مركز الدراسات القرآنيةشذور

يوم تعلم كل نفس ما أحضرت وتجد ما عملت وتنظر ما قدمت فتوفى ما كسبت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم المرسلين.
وبعد، فالمرء مستخلف في هذه الدنيا لعمارتها بما أمر به الله تبارك وتعالى وارتضاه من الخيرات والمكرمات، مجتنبا ما يكره وينهى عنه من السيئات والمنهيات، مدعنا لشرعه تعالى متبعا صراطه المستقيم. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
فالإنسان يعيش في هذه الدنيا فترة من الدهر قد تطول أو تقصر وفق مشيئة الله تعالى، وهو منشغل بضرورات حياته وحاجياتها ومتطلباتـها ساعيا إلى أن يعيش حياة السعادة والطمأنينة، لكنه يتغافل في كثيـر من الأحايين أن ما ينشغل به من الأعمـال في دنياه هي نفسها ما يحدد مستقبله الدائم وحياته الخالدة في آخرته؛ فيستسلم للشهوات واللذات واقتراف المعاصي والآثام، دون التفكر فيما يعقب ذلك من الندم والحسرة يوم لا ينفع الندم ولا تجدي الحسرة، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39].
في ذلك اليوم يرفع الغطاء ويكشف الستار، ويحصل علم اليقين الذي لا يشوبه شك ولا ريب، وتتحقق المعرفة الجازمة والإدراك الحقيقي؛ فتعلم كل نفس علما يقينيا ما أحضرت كما أخبر الله تعالى في سورة التكوير: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: 14]، فهو علم مبني على رؤية صحائف أعمال الناس المنشورة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:10] وقراءة كتاب أفعالهم المسجلة المدونة، قال تعالى: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19]؛ إذ يرى كل إنسان رأي عين ما أحضر وأعد من خير أو شر، بتفاصيله وجزئياته فتشحذ ذاكرته ولا ينسى شيئا ولا تخفى منه خافية ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18] إن كان خيرا سُر به وفرح وإن كان شرا تمنى لو نسيه وفقد ذكره. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30].
فسورة التكوير عرضت أهوال ذلك اليوم وصورت مشاهده المفزعة المخيفة تصويرا فنيا بديعا بليغا كأنها تقع الآن ويراها الناس رأي عين. فعن ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ ‏ “‏إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ” ‏ ‏وَ”إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ” ‏ ‏وَ”إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ”». رواه الترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث حسن غريب.
ففي خضم هذه الأهوال العظام والوقائع الشداد التي تفزع القلوب خوفا وروعا والنفس ذعرا وهلعا في ذلك اليوم المهيب تعلم كل نفس كل ما أحضرت وأعدت من أعمال فاضلة وأفعال شنيعة. فـ”ما” في قوله تعالى: ﴿ما أَحْضَرَتْ﴾ من ألفظ العموم كما ذكر الأصوليون يشمل كل ما قدمت يدا الإنسان خفية وعلنا سرا وجهرا ليلا ونهارا…مدة العمر الذي قد يقصر أعواما وقد يطول أحقابا، شبابا وشيبا، سليما وسقيما، فرحا وحزينا، مسرورا ومغموما، فتحاسب كل نفس على تفاصيل ودقائق الأعمال المكتوبة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فالملائكة يكتبون ما يصدر من الإنسان؛ إن خيرا فخير وإن شرا فشر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7، 8]. فإخبار الله تعالى بهذه الأهوال ووصفها بهذا الهيئة المخيفة، تحذير للعباد من التهاون في التكاليف والغفلة عن الصراط المستقيم طريق الجنة والنعيم، ومن اتباع طريق الغواية والضلالة المؤدي إلى سوء العاقبة والمصير ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [28: آل عمران].
وهذه الأعمال المسجلة وإن نسيها صاحبها و تغافل عنها أو استصغرها واستهان بها فإن الله تعالى لا يضل ولا ينسى، والكتبة الحافظون لا يتركون صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10) كِراماً كاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾ [الانفطار: 10- 14].
ففي يوم الحساب يجد كل فرد منا ما عمل مدونا في صحيفة أعماله وتنشر أمام الملأ فيفخر بها ويسر أو يفضح ويذل. قال عز وجل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30]﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]، ويومئذ يصيح الإنسان وهو هلوع جزوع: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]، ويومئذ تشهد عليه جواره بما عمل من خيرات واقترفت من أوزار ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24]، و﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]، و﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]، فمن كان من أهل الخير والصلاح المستعدين ليوم عظيم بأعمال جليلة وأفعال مرضية يأخذ كتابه بيمينه ويحاسب حسابا يسيرا، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (20) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (21) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (22) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (23) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (24) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (25)﴾ [الحاقة: 20-25].
وأما من كان من أهل الشر والضلال والغواية الغافلين عن ذلك اليوم المشهود، ولم يولوا أي اهتمام وعناية بما أخبرهم الله تعالى ووصفه من أهوال يوم الحساب، وركنوا إلى التلذذ بمتاع الدنيا الزائل وكانوا في أهليهم مسرورين مغرورين ظانين أن لن يرجعوا إلى ربهم للحساب ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا(15)﴾ [الإنشقاق: 13-15] فسيأخذ كتابه بشماله وراء ظهره بتضجر وهلع وقلب طافح بالحسرة والأسى وتمنى لو لم يؤت كتابه. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (26) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (27) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (28) مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ (29) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [سورة الحاقة 25-29]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (11) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (12) وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: 11-12].
والحاصل أن الآية الكريمة: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [ التكوير: 14] ومثيلاتها؛ كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾[الإنفطار: 5]، وقوله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [ النبأ: 40]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6]، تستحث الإنسان على بذل الجهد والوسع لبناء مستقبله الأبدي، ومصيره السرمدي فيبادر إلى استغلال أوقاته فيما يفيده فائدة حقيقية من أصناف الأعمال الجليلة وأنواع الخيرات الجميلة فيما بينه وبين خلقه وفيما بينه وبين إخوانه والناس أجمعين؛ استعدادا ليوم تعلم كل نفس ما أحضرت في صحائفها، وما أعدته عند المحاسبة، وعند ميزان الأعمال التي يستحق بها الجنة أو النار؛ حتى لا يصيب الإنسان الغافل بصدمة يوم القيامة، فيجد أن ما اجتهد فيه لا يصلح لذلك المشهد، ولم يحقق له إلا المتعتة الزائفة واللذة الزائلة، وهذا ما حذر به الله تعالى عباده ونبههم إليه إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 18، 19]، وقال جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

Science

د. مصطفى اليربوعي

باحث بمركز الدراسات القرآنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق