مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

نيران العرب (الحلقة الثالثة)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه، وبعدُ :

فهذه هي الحلقة الثالثة نستأنف فيها الكلام عن نيران العرب ببعض ما ورد عنهم في ذلك ومبلغ ما يكون من قدرها عندهم، وقد تكلمنا في الحلقة الثانية عن نار القِرى، وإنما أفردناها لوحدها لعظيم منزلتها عند العرب، وههنا نعرض لأربعِ نيران كما جاءت في النظم.

قلت:

ثُمَّتَ نَارٌ لِلْوَرَى مُؤَلِّفَهْ === وَهْيَ الَّتِي تُوقَدُ بِالْمُزْدَلِفَهْ

وَالْحَرَّتَيْنِ ثُمَّ الِاسْتِمْطَارِ === كَذَاكَ نَارُ الْحَرْبِ لِلْإِنْذَارِ

1- نار المزدلفة:

ونارٌ أخرى يذكرونها، وهي النار التي توقَد بالمزدلفة، قال العسكري: «أولُ مَن أوقدَ النارَ بالمزدلفة حتى يراها من يندفع من عرفة فهي تُوقَدُ إلى الآن، قُصَيٌّ»(1).

وقد اجتهدت في تطلُّب عِلة إيقاده لهذه النار، فلم أجد ما يشفي. والذي يغلب على الظن أن إيقادها كان في الجاهلية، بحيث يكون المَبيت بالمزدلفة ليلا، فيحتاج الحَجيج إذا أفاضوا مِن عرفة أن يستدلُّوا في طريقهم، فإذا أبصروا النار شغلتهم عَمّا هم فيه، فيَمْضُون إليها لا يَلوون على شيء.

وهذه النار لم يذكروها جميعا ولم يتعرّضوا للتفصيل فيها كثيرا، إنما ذكروها عن العسكري في الأوائل، وقد أغفلها الجاحظ مع كثرة تحرّيه لذكر ما هذا سبيلُه.

2- نار الحرّتين:

وهذه النار كانت ببلاد عبس، وهي نار عظيمة، قيل: كان يُستضاء بها من مسيرة ثلاثة أيام(2). وقد بعث الله إليها خالد بن سنان فأطفأها، قالوا: «وكانت ببلاد بني عبس، فإذا كان الليلُ فهي نارٌ تسطع في السماء. وكانت طيّئ تنفش بها إبلها من مسيرة ثلاث، وربما ندرت منها العنق، فتأتي على كل شيء فتحرقه، وإذا كان النهار فإنما هي دخان يَفُور»، في خبر أورده الجاحظ في الحيوان، وعنه الثعالبي وغيره(3).

قال الشاعر(4):

كَنَارِ الْحَرَّتَيْنِ لَهَا زَفِيرٌ === يُصِمُّ مَسَامِعَ الرَّجُلِ السَّمِيعِ

والحَرّتان: حَرَّةُ ليلى لِبَني مُرّة، وحَرَّةُ النار لغَطَفان، قاله في المُزهر(5).

وخالد بن سنان ذكروا أنه نبي، قال الجاحظ: «ولم يكن في بني إسماعيل نبي قبله، وهو الذي أطفأ الله به نار الحرتين»(6). وأورده الدارقطني، فقال: ذُكر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «ذاك نبي ضيعه قومه»(7)، ومثله ما أورده في الإصابة وأُسْدِ الغابة وغيرهما، وذكره ابن دريد أيضا في الاشتقاق.

3- نار الاستمطار:

كانت عادتهم في الجاهلية إذا أجدبوا أنهم يجمعون ما استطاعوا من البقر فيعقدون في أذنابها وبين عراقيبها السلع والعشر، ثم يصعدون بها إلى الجبال والأماكن المرتفعة فيوقدون فيها النار للاستمطار، يزعمون أن ذلك من أسباب السُّقيا، قال الشاعر(8):

لَا دَرَّ دَرُّ رِجَالٍ خَابَ سَعْيُهُمُ === يَسْتَمْطِرُونَ لَدَى الْأَزْمَاتِ بِالْعُشَرِ

أَجَاعِلٌ أَنْتَ بَيْقُورًا مُسَلَّعَةً === ذَرِيعَةً لَكَ بَيْنَ اللهِ وَالْمَطَرِ

والبيقور مأخوذة من البقر كما فسرها الجاحظ(9)، والسلع شجر مُرّ، والعُشَرُ ضرب من الشجر له صمغ، على ما في معاجم اللغة.

وقد وصف أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ هذه العادة في أبيات له على طولٍ بها، ولا أرى بأسا من إثباتها ههنا لِما فيها من تصوير لهذه العادة الجاهلية التي كانت عندهم، قال(10):

سنَةٌ أَزْمَةٌ تَخَيَّلُ بِالنَّا === سِ تَرَى لِلْعِضَاهِ فِيهَا صَرِيرَا

لَا عَلَى كَوْكَبٍ يَنُوءُ وَلَا رِيـ === ـحٍ جَنُوبٍ وَلَا تَرَى طُخْرُورَا

إِذْ يَسُفُّونَ بِالدَّقِيقِ وَكَانُوا === قَبْلُ لَا يَأْكُلُونَ خُبْزًا فَطِيرَا

وَيَسُوقُونَ بَاقِرَ السَّهْلِ لِلطَّوْ === دِ مَهَازِيلَ خَشْيَةً أَنْ تَبُورَا

عَاقِدِينَ النِّيرَانَ فِي شُكُرِ الْأَذْ === نَابِ عَمْدًا كَيْمَا تَهِيجَ الْبُحُورَا

فَاشْتَوَتْ كُلُّهَا فَهَاجَ عَلَيْهِمْ === ثُمَّ هَاجَتْ إِلَى صَبِيرٍ صَبِيرَا

فَرَآهَا الْإِلَهُ تُرْشَمُ بِالْقَطْ === رِ وَأَمْسَى جَنَابُهُمْ مَمْطُورَا

فَسَقَاهَا نَشَاصُهُ وَاكِفَ الغَيْـ === ـثِ مُنَهٍّ إِذْ رَادَعُوهُ الْكَبِيرَا

سَلَعٌ مَا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَا === عَائِلٌ مَا وَعَالَتِ الْبَيْقُورَا

سنة أزمة: شديدة القحط، وتخيّل بالناس: تخدعهم وتشتبه عليهم من شدة ذلك، والطخرور: السحاب الرقيق المتفرق، والباقر: جماعة البقر، وشُكُر الأذناب: شَعَرُها، والصبير فيه أقوال، منها أنه الذي يصير بعضه فوق بعض، والنشاص: السحاب المرتفع، والواكف: الهاطل، والمُنَهِّي: فاعل مِن نَهَّى، إذا بلغ النهاية، وسلع وعشر، مرّ تفسيرهما، وعالَ: أثقل، يُريد أن هذه السنة المُجدبة أثقلت البقر بما حمّلتها من السلع والعُشر.

فهذا كان حالهم في الجاهلية إذا انقطع عنهم الغيث وأجدبت الأرض ورَجَوا أن يُسْقَوْا، فإنهم يفعلون ذلك.

4- نار الحرب:

يقصدون بها نار الحرب التي كانوا يوقدونها حقيقةً، وهي بخلاف نار الحرب التي يذكرونها على سبيل المجاز، وسيأتي بيانُها في موضعها إن شاء الله.

أما هذه فهي التي يوقدونها عند الحرب لإنذار العدوّ، وتسمى أيضا نار الإنذار، ونار الأُهبة. وهم في ذلك يُريدون أنهم إذا توقّعوا حربا أوقدوها على اليَفاع والأماكن المرتفعة تَأَهُّبا لأي عدو، ولإنذار أصحابهم بذلك ليجتمعوا إليهم.

وقريب من هذا ما تفخر به العرب، فيقولون: هو موقد نار، وهو مسعر نار، يُريدون أنه سبب في نُشوب الحرب أو في زيادة توقّدها، ومنه قول ابن دريد في مقصورته(11):

وَإِنْ رَأَيْتَ نَارَ حَرْبٍ تَلْتَظِي === فَاعْلَمْ بِأَنِّي مُسْعِرٌ ذَاكَ اللَّظَى

غير أن الإسلام ينهى عن ذلك ويُنَفِّرُ منه، لئلا يكون دَمٌ بين الفريقين، إلا أن يُعلم أن ذلك مما أمر الله به، كما في وَقعة بدر وغيرها.

وفي حديث الحديبية حينما رَدَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أبا بصير بعد الصلح، فخَلا برجل من المشركين أتى في طلبه فقتله، فلمّا أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَيْلُ امِّهِ مِسْعر حربٍ لو كان له أحد»(12). كَرِهَ أن تعود الحربُ بينهم وبين قريش بعد الذي كان بينهم من الصلح.

وكذلك يمدحون مَن يُطفِئ الحرب ويسعى في تحمّل دِيات الفريقين، وفي ذلك يقول زهير بن أبي سُلمى في هرم بن سنان والحارث بن عوف المُرِّي لمّا سعَيا في الصلح بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء(13):

سَعَى سَاعِيَا غَيْظِ بْنِ مُرَّةَ بَعْدَمَا === تَبَزَّلَ مَا بَيْنَ الْعَشِيرَةِ بِالدَّمِ

أي: تشقّق بالدم، ثم قال:

تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا === تَفَانَوْا، وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشِمِ

وقد فصّل الجاحظ في هذه وجعلها نارا واحدة في حال، ونارين اثنتين في حال أخرى(14)، ذلك أنهم يوقدون نارا واحدة أول الأمر، وأوردَ فيها قولَ عمرو بن كلثوم:

وَنَحْنُ غَدَاةَ أُوقِدَ فِي خَزَازٍ === رَفَدْنَا فَوْقَ رِفْدِ الرَّافِدِينَا

وإذا جدّ الأمر أوقدوا نارين اثنتين، وفيهما قولُ الفرزدق:

لَوْلَا فَوَارِسُ تَغْلِبَ ابْنَةِ وَائِلٍ === سَدَّ الْعَدُوُّ عَلَيْكَ كُلَّ مَكَانِ

ضَرَبُوا الصَّنَائِعَ وَالْمُلُوكَ وَأَوْقَدُوا === نَارَيْنِ أَشْرَفَتَا عَلَى النِّيرَانِ

والحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه، وعلى وآله وصحبه جميعا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) الأوائل لأبي هلال العسكري: (ص: 35).

 (2) الإصابة لابن حجر: 2/310.

(3) الحيوان: 4/476، وانظر ثمار القلوب أيضا: (ص: 573).

(4) أنشده الجاحظ في الحيوان: 4/478، وهو في ثمار القلوب للثعالبي (ص: 573)  برواية قريبة.

(5) المزهر للسيوطي: 2/164.

(6) الحيوان للجاحظ: 4/476.

(7) المؤتلف والمختلف للدارقطني: 3/82.

(8) البيتان كما في الحيوان للجاحظ (4/468) للوَرل الطائي، ويُنسبان لغيره.

(9) الحيوان للجاحظ (4/468).

(10) ديوان أمية بن أبي الصلت: (ص: 396)، وهي كذلك في الحيوان للجاحظ: 4/466، ولم يورد منها البيت الثاني.

(11) انظر شرح ابن دريد على مقصورته: (ص: 70).

(12) صحيح البخاري عند حديث الحديبية: 3/193، رقم الحديث: 2731.

(13) شعر زهير بن أبي سلمى: (ص: 14).

(14) الحيوان: 4/474.

****************

المراجع والمصادر:

  • الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية.
  • الأوائل لأبي هلال العسكري، تحقيق محمد السيد الوكيل، دار البشير.
  • ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، لأبي منصور الثعالبي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف.
  • الحيوان للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل.
  • ديوان أمية بن أبي الصلت، تحقيق عبد الحفيظ السطلي، المطبعة التعاونية بدمشق.
  • شرح مقصورة ابن دريد الأزدي، لابن دريد، باعتناء عبد الله إسماعيل الصاوي، مطبعة الصاوي.
  • شعر زهير بن أبي سلمى، تحقيق فخر الدين قباوة، دار الآفاق الجديدة.
  • صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة.
  • المؤتلف والمختلف لأبي الحسن الدارقطني، تحقيق د. موفق بن عبد الله بن عبد القادر، دار الغرب الإسلامي.
  • المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للسيوطي، تحقيق فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق