وحدة الإحياءمفاهيم

نقض المفهوم المغلوط للخلافة في فكر داعش وأخواتها من التنظيمات المتطرفة

لا يخفى على أحد ما يمر به العالم بصفة عامة، والأمة الإسلامية بصفة خاصة في الآونة الأخيرة من ارتباك في المشهد، وأزمات سياسية طاحنة، وصراعات أمنية مفزعة، ومعارك فكرية اصطلى بنيرانها الشرق الإسلامي، مما نتج عن جميع ذلك ممارسات خطيرة وظواهر محزنة؛ كالتكفير، والإرهاب، والعنف، والإلحاد وغير ذلك مما كان سببا أصيلا، وركنا ركينا في تهديد السلم العالمي، وضرب استقرار كثير من المجتمعات الإنسانية في مقتل، حتى أصبح العالم كله، إن لم تتداركه رحمة الله، مهددا بالدخول في دوامة الفوضى المدمرة، والعنف الذي لا يبقي ولا يذر.

وانطلاق من المسؤولية الشرعية إزاء الإنسانية عامة والأمة الإسلامية والعربية خاصة، فقد رأت مكتبة الإسكندرية، بالاشتراك مع الرابطة المحمدية للعلماء بالمملكة المغربية الشقيقة، تنظيم الملتقى العالمي يلتقي فيه علماء الأمة، ومفكروها؛ وذلك لمناقشة الكثير من المفاهيم، وبيان وجه الحق فيها، وتقرير الأحكام الشرعية إزائها من خلال “نقض أسس التطرف ومقولاته: مقاربات وتَجَارب”.

 ولما كان الأزهر جامعة بمصر، وجامعة القرويين في المغرب، وجامعة الزيتونة في تونس جامعات عريقة بحكم تخصصها الشرعي الأصيل ووسطية منهجها، فقد أنيرت لمواجهة الأفكار المنحرفة، والمفاهيم الخاطئة حول كثير من تلك القضايا التي تشبثت بأطرافها وتمسكت بها جماعات العنف والإرهاب المدمر.

 وقد شرُفْت بتكليف الأزهر لي بكتابة هذه الورقة مساهمة متواضعة مني في نقض المفهوم المغلوط للخلافة عند داعش وأخواتها من الجماعات المتطرفة، ولما كان مفهوم الخلافة من المفاهيم التي كثر حولها لفظُ هذه الجماعات، رأيتُ من الواجب أن أجلي وجه الحق فيها، وذلك بإيراد كلام أهل العلم فيما يُثار حولها من شبهاتهم المغلوطة، وفهمهم السقيم، وإخراجهم لها عن مضمونها الصحيح، وتحميلها ما لا تحتمل؛ مخالفين في ذلك قوانين اللغة وقواعد الشريعة السديدة القائمة على الجمع بين صحيح المنقول، وصريح المعقول، وفهمِ الواقع الذي ينبغي أن يُسْلك في مثل هذه المقامات الدقيقة.

إن بعض الجماعات المتشددة التي ظهرت على الساحة الآن مثل: (داعش) وأخواتها؛ كطالبان، وبوكو حرام وغيرها تدعو إلى هجرة المجتمعات الإسلامية، واعتزالها، ويحكمون عليها بالكفر، لأنهم مقيمون في بلاد كافرة، ويرون وجوب الهجرة منها، وينادون بتكوين دولة الخلافة، وينصبون واحدا منهم أميرا عليهم، كما صنعت داعش في بلاد العراق والشام، ويأخذون له البيعة، ويحاربون من أجل تحقيق غرضهم، فيهلكون الحرث والنسل، ويقتلون الأطفال والنساء والشيوخ، بل ويقتلون الحيوانات والطيور، ويهدمون البيوت، والمدارس، ودور العبادة، كالمساجد والكنائس وغيرها، بل وصل بهم الإجرام إلى هدم أضرحة الصالحين، والاعتداء الغاشم على آثار الأمم الماضية التي تمثل للبشرية جمعاء قيمة عالية وثروة نفيسة لأنها تحكي لنا تاريخ أمم سبقتنا عمرت الأرض، وارتقت بهم الحياة.

ومما ينبغي التأكيد عليه أنه قد كان للمسلمين في العصور الأولى للإسلام إمام واحد أو خليفة واحد أيام كانت دولةُ الإسلام دولة واحدة، ودولةُ الروم دولة واحدة، ودولة الفرس دولةً واحدة، ولكن هذا النظام السياسي قد تغير وتبدل، وأصبح العالم في عصرنا دولا وأقطارا، لكل منها حدود جغرافية واضحة المعالم لا تستطيع دولة من الدول أن تتخطاها، وإلا حدثت حروب، ومواجهات مسلحة يتولى أمرها، وشرحها القوانين الدولية لدول العالم كله.

إن حدود البلاد الموجودة الآن على خارطة الكوكب الأرضي قد تم ترسيمها، وفقا لاتفاقيات دولية تُلزم الدول جميعها بأن تحترم كل دولة حدود الدولة الأخرى، ولا تعتدي عليها، وقد مر على هذا الترسيم زمان استقرت فيه الأوضاع القانونية، وأصبحت تمثل مراكز حقوقية قائمة، فإذا قامت دولة أو جماعة أو تنظيم بالاعتداء عليها، واغتصبت مساحة من أرضها، فإن ذلك الاستيلاء يعد اعتداء سافرا على حدود تلك الدولة، وهو يمثل نقضا للعهد، وخيانة للوعد.

وبناءً على هذا فإنه لا يوجد في الإسلام ما يوجب نظاما معينا، وإنما الواجب هو أن تكون هناك دولة ملتزمة ذات هيئات ومؤسسات يحكمها دستور عام ويمثلها رئيس أيا ما كان لقبه: خليفة أو إماما أو أميرا أو رئيسا للدولة أو رئيسا للجمهورية أو أي لقب آخر يفيد هذا المعنى، فلا مشاحة في الاصطلاح، فإذا وجدت الدولة نالولايات التي يقوم نظامها السياسي على حفظ الدين، والاختيار الحر للحاكم، وحرية الرأي والشورى، والعدل، وعلى مسؤولية رئيس الدولة فهذا يحقق المراد من فكرة الخلافة  مهما كانت التسمية التي تطلق عليها.

يغاية ما هنالك أن تكون هناك روابط تلك الدولة بأخواتها من الدول اقتصادية وسياسية وقانونية تقوم على أسس واقعية ورؤية مستقبلية على أن تجتمع فيما بينها تحت مظلة دولية واحدة تحكم فيما بينها عند النزاع، وتنظم علاقات أطرافها وقت السلم، ويكون ذلك الالتزام هو المصدر الرئيس لتنظيم علاقات تلك الدول.

وقد يزعم هؤلاء الواهمون من (الدواعش) وأمثالهم أن دولة الخلافة ستقام قريبا وبالتالي ستكون هناك خلافة، وقد استندوا في زعمهم هذا على عدة أحاديث أغلبها واهية منها: قوله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها تبارك وتعالى إذا شاء، ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون مُلكا عاضا فتكون مُلكا ما شاء الله، ثم يرفعه إذا شاء أن يرفعه مُلكا جَبْريَّةً، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”.

 أقول: هذا الحديث أخرجه البزار، وقد تكلم العلماء بما يدل على عدم صحته وضعف رواته، ومن المقرر عند العلماء أن مثل هذه الأحاديث لا يُعتمد عليها في تقرير الأحكام الشرعية، كيف وأمر انتظام الدولة من أهم الأحكام؟ وبهذا يكون مستندهم من حيث عدم صحته وضعفُ رواته ساقطا عن درجة الاعتبار بالكلية. ولو سلمنا بصحة الحديث الذي اعتمدوا عليه في مدعاهم، فإن أقصى ما يفيده هو الإخبار عن أمر قدري كوني، والخطاب القدري لا يترب عليه تكليف شرعي كما هو معلوم ضرورة.

سلمنا أن في الحديث دلالة على أنه من قبيل الخطاب الشرعي، لكن الذي لا نسلمه بحال من الأحوال أن يكون هذا أمرا تكليفيا من سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لفئة بعينها وجماعة بعينها.

هذا هو سبيل النقض الذي سلكناه في مناقشة دليل الدواعش، أما سبيل المعارضة لهم، فإن ثمة أحاديث وردت في السنن المعتبرة تفيد عدم وقوع خلافة ثانية تأتي موصوفة بأنها على منهاج النبوة بعد الخلافة الأولى، منها: ما وراه أبو داود أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: “خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يُؤتي اللهُ المُلك أو مُلكه من يَشَاء”.

إن هذه الدعوة التي أطلقتها داعش حول إقامة الخلافة في العراق والشام ترتب عليها آثار سلبية، فهناك نداءات تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي من (فيس بوك، وتويتر، وجيميل) ونحوها تدعو الشباب إلى الهجرة من مجتمعاتهم، وأوطانهم، وتدعي أن المجتمعات الإسلامية الآن مجتمعات جاهلية وكافرة، ومعوجة السلوك إلى الحد الذي يخشى المسلم فيه على دينه وخُلُقه؛

 من هذا المنطلق يرى المضللون من الدواعش وغيرهم أن الهجرة من المجتمعات الإسلامية واجبة كوجوب الهجرة من مكة قبل الفتح الذي صارت به دار إسلام. والعجيب أنهم يستدلون على هجر المجتمعات بالآيات الواردة في الهجرة زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، في بداية الإسلام حين كان المؤمنون قلة والكفار كثرة، وكان من المفروض، آنذاك، أن تهاجر بضعفها من بلاد الكفار المتسلطين عليهم بالإيذاء والتجويع، والترهيب إلى بلاد آمنة تؤويهم، وتحترم دينهم الجديد وما يأمر به من شعائر وشرائع.

واليوم يحاول هؤلاء الخارجون على شريعة الإسلام أن يطبقوا الآيات التي وردت في هجرة المسلمين الأوائل، الذين كانوا يعيشون في مجتمعات كافرة تحتقرهم وتُذلُّهم، على المواطنين اليوم في مجتمعاتهم المسلمة التي تحترمهم، وتحترم الإسلام شعائر وأحكاما، ويكفي أن دساتير هذه المجتمعات اليوم تنصُّ على أن الإسلام هو دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع لأحكامها وقوانينها.

ورغم كل هذه الفروق الهائلة بين ظروف هجرة المسلمين الأوائل، وبين استقرار المجتمعات الآن، وانعدام هذه الظروف، إلا أن هؤلاء الضالين يستدلون على دعواهم الفاسدة، ومقولاتهم الباطلة في الدعوة إلى هجرة الشباب المسلم من بلاده، بل يصورون لهم أن هذه الهجرة متى تمت فهي صريح الإيمان وتمامه وكماله، ويذمون المقصرين فيها.

ولو تدبروا حديث عائشة، رضي الله عنها، التي تقول فيه وقد سئلت عن الهجرة فقالت: “لا هجرة اليوم؛ كان المؤمن يفر بدينه إلى الله وإلى رسوله، صلى الله عليه وسلم، مخافة أن يفتن، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء”.

أقول لو تدبروا هذا الحديث ما رفعوا عقائرهم، ولا هرفوا بما لم يعرفوا. فالحديث نص صريح قطع الدلالة، واضحها في أن الهجرة كانت محددة بالفترة التي سبقت فتح مكة، وأن النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد أن اطمأن إلى أن مكة أصبحت دار إسلام وأمان للمسلمين منع الهجرة منها وإليها وإلى الأبد، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية…”.

فأين هي هذه البلدة المسلمة التي تمنع المسلمين من تطبيق شعائر دينهم؟ وإعلان شرائعه وإظهارها؟ وأين هذا القطر المسلم الذي يعذب المسلمين ويجبرهم على ترك دينهم إلى دين آخر حتى نطلب من المواطنين الهجرة والرحيل إلى بلد آخر؟ وحتى نحكم على المقيمين فيه بأنهم كفار ماداموا لم يخرجوا من هذا القطر؟

إن هؤلاء (خوارج العصر) مخطئون في حكمهم على المجتمع المسلم بالكفر؛ لأن الحكم على بلد بأنه بلد إسلام أو بلد كفر يتوقف على توفر الأمن للناس على دينهم وأنفسهم من عدمه. بل لو عاش المسلم في بلد ليس له دين أو دينه غير دين الإسلام ومارس شعائر دينه بحرية فهو في دار إسلام، ولا تجوز عليه الهجرة منه.

إن هؤلاء مخطئون بلا شك في حكمهم على المجتمع بالكفر؛ إذ كيف يكون بلد تدوي فيه صيحاتُ المؤذن الله أكبر الله أكبر من فوق منارات مساجده خمس مرات في اليوم والليلة وتقام فيه الصلوات، وتُمارس فه شعائر الدين في أمن واطمئنان، كيف يكون دار كفر يُدعى إلى الهجرة منه؟ ويُحارب ولاة الأمر فيه؟

وإنا لنتساءل: هل تعرض أحد من هؤلاء للفتنة المؤدية لتغيير عقيدته؟ وهل مُنع أحد منهم من الصلاة أو الصوم أو الحج أو ممارسة حقوقه المشروعة في العمل، والتعليم والتعلم، وتولي الوظائف؟

وكيف يسوغ في منطق كل ذي منطق، ومَن عنده من احترام العقل أدنى نصيب أن يحكم على بلد أنه غير إسلامي وهو يُعلن ويقر في دستوره الرسمي أن دين الدولة هو الإسلام؟

وإن الحكم بالكفر على مسلم لهو أمر جد خطير تترتب عليه آثار دنيوية وأخروية فمن آثاره الدنيوية: التفريق بينه وبين زوجه، وعدم بقاء الأولاد المسلمين تحت سلطان أبيهم الكافر، ومحاكمته أما القضاء، وعدم إجراء أحكام المسلمين عليه من غسل وصلاة جنازة، ومناكحة، وميراث، وعدم دفنه في مقابر المسلمين.

ومن آثاره الأخروية إذا مات على كفره فإنه ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (البقرة: 160-161)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 47).

ومن ثم يجب أن يُتجنب الحكم بالتكفير على أحد لما فيه من الخطورة، ومن ثم حذرنا الله تعالى منه، ونهى عن التعجل به، أو إقراره إلا بعد التأكد من أسبابه دون أدنى شبهة فلأن يخطئ الإنسان في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة، وهذا الحكم ليس من شأن الأفراد مهما بلغ علمهم، ومعرفتهم بالدين، بل هو شأن القضاء والمؤسسات التي يُسند إليها أمر الحكم على الناس.

إن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان، ودليل ساطع ويقين قاطع لا يعتوره شك، ومن ثم فإن العلماء تورعوا عن التكفير.

ومن الآثار الخاطئة المترتبة على فهمهم الخاطئ للخلافة هو اهتمام هذه الجماعة بأمر حمل السلاح، وزعمهم أنه الوسيلة الوحيدة للجهاد من أجل نشر دعوة الإسلام، والحق أن هذه الجماعة شغلت نفسها بسلاح واهن ضعيف عن أسلحة هي في غاية القوة والخطورة، حاربنا بها العدو، ونحن عنها غافلون.

وأما مستندهم فيما ذهبوا إليه ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأهل مكة قبل الهجرة: “والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح”. فهو حديث واهٍ ضعيف يرده العقل والنقل.

أما الأول؛ فلأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كيف يصرح بذلك في بدء الدعوة، وهو منفر منها لا مرغب فيها، وكيف يقوله وهو في حالة ضعف لا يستطيع حماية نفسه فضلا عن حماية أتباعه القلة؟ ولماذا تركه قريش وهم يعلمون ما جاء به ليحقق ما يريد ولم يتغذوا به قبل أن يتعشى بهم كما يقولون؟

وأما الثاني؛ فلمنافاته لآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 106). وحديث: (إنما أنا رحمة)، وما يماثله من نصوص وأحداث تدل على رقة قلبه وعظيم رحمته ولو كان النبي، صلى الله عليه وسلم، متعطشا للدماء، وبخاصة من قريش ما عفا عنهم وهو قادر عليه غير منازع عند فتح مكة، بل منّ عليهم تفضلا منه ورحمة.

ولعل الذين ينادون بالجهاد عن طريق حمل السلاح يقصدون الجهاد لتغيير الوضع الحالي للمجتمعات الإسلامية، نقول لهم: إن وسيلة الإصلاح لن تؤمن عاقبتها إذا كانت قائمة على العنف، فإن للقوة إعدادها وتخطيطها الكبير الجبار وكذلك لدراسة كل الظروف القائمة أهميتها في القيام بمثل هذه الحركة، ولا يجوز أن يفهم من هذا الكلام أننا نهون من شأن الجهاد بمعناه العام فإنه ماض إلى يوم القيامة في ميادينه الواسعة، وأساليبه المتعددة لقوله صلى الله عليه وسلم: “والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور حائر، ولا عدل عادل”؛ فهو يدل بعمومه على بقاء الجهاد في الميادين السلمية التي لا يحمل فيها سلاح، وذلك مستمر إلى يوم القيامة، حيث لا ينتهي الأمر بأداء العبادات، والكفاح ضد كل ما يضعف الفرد، والمجتمع ماديا ومعنويا.

ومن الآثار المترتبة على المفهوم الخاطئ للخلافة عند “داعش” ومثيلاتها: تقسيمهم العالم إلى دار إسلام ودار كفر، وهذا خطر عظيم، والناظر في هذا التقسيم يجده قائما في القديم لدى الفقهاء على الاجتهاد المحض من واقع الأمر في زمانهم، وليس هناك نص من قرآن أو سنة فيه.

والمحققون من العلماء قالوا: إن مدار الحكم على بلد بأنه بلد إسلام أو بلد كفر هو الأمن على الدين حتى لو عاش المسلم في بلد ليس له دين أو دينه غير الإسلام ومارس شعائر دينه بحرية فهو في دار إسلام، بمعنى أنه لا تجب عليه الهجرة منها.

قال الشيخ أبو زهرة رحمه الله: “إن للفقهاء رأيين في دار الإسلام ودار الحرب والراجح منهما ما ذهب إليه أبو حنيفة من القول أن مدار الحكم هو أمن المسلم فإن كان آمنا بوصف كونه مسلما فالدار دار إسلام، وإلا فهي دار حرب، وقال: إنه الأقرب إلى معنى الإسلام ويوافق الأصل في فكرة الحروب الإسلامية وأنها لدفع الاعتداء”.

Science
الوسوم

د. عبد الفتاح عبد الغني محمد العواري

عميد كلية أصول الدين-جامعة الأزهر

جمهورية مصر العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق