مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات عامة

نظرات في حديث:” من صام يوما في سبيل الله بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفا”

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد:

فلا شك أن عبادة الصيام من أعظم القربات، وأجل الطاعات التي يثاب عليها المسلم، خصوصا إذا لازمها الإخلاص، وموافقة السنة، لما تتضمنه هذه العبادة من الصبر على الجوع والعطش، والتجمل بالأخلاق الفاضلة، والتنزه عن الرذائل، وحمل النفس على الخير والعطاء.

وأنها من العبادات التي تقي المسلم من عذاب الله تعالى، وقد وردت عدة أحاديث نبوية في فضل الصيام، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” من صام يوما في سبيل الله بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفا”.

ولأهمية هذا الحديث النبوي الشريف خصصته بهذا المقال؛ حيث سأتناول فيه باختصار تخريجه من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وشرح معاني ألفاظه من خلال الرجوع إلى شروح العلماء.

فأقول وبالله التوفيق:

التخريج:  أخرجه من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: البخاري  في كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل الصوم في سبيل الله (ص: 702)(2840)، ومسلم في كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق (1/ 512)(1153)، والترمذي في كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في فضل الصوم في سبيل الله (3/ 266)(1623)، وقال: “هذا حديث حسن صحيح”، والنسائي في كتاب: الصيام، باب: ثواب من صام يوما في سبيل الله عز وجل (4 /173)(2249)، وابن ماجه في كتاب: الصوم، باب: في صيام يوم في سبيل الله (2 /613)(1717)، وأحمد في المسند (18/ 114)(11560). واللفظ للبخاري.

وأما المعاني المستفادة من ألفاظ هذا الحديث من خلال شروح العلماء فهي كالآتي:

1-قوله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوما):

قال الطيبي (743هـ):”(من صام يوما) إلى آخره… يعني: من جمع بين تحمل مشقة الصوم ومشقة الغزو يكون له هذا التشريف، وأما لو كان في السفر فإن لم يلحقه ضعف يمنعه عن الجهاد، فالصوم أفضل… ويحتمل أن يكون معناه من صام يومًا لله ولوجهه”[1].

2- وقوله صلى الله عليه وسلم:(في سبيل الله):

قال ابن الأثير :” فالسبيل: في الأصل الطريق ويذكر ويؤنث، والتأنيث فيها أغلب. وسبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه. وأما ابن السبيل فهو المسافر الكثير السفر، سمي ابنا لها لملازمته إياها “[2].

وقال النووي(676هـ): “فيه فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول على من لا يتضرر به ولا يفوت به حقا، ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه. ومعناه: المباعدة عن النار والمعافاة منها. والخريف: السنة، والمراد سبعين سنة”[3].

وقال الفاكهاني (734هـ):”ظاهرُه في الغزو والجهاد، ويحتمل أن يريد بسبيل اللَّه: طاعتَه؛ لأن كل ما يُتقرب به إلى اللَّه -تعالى- فهو في سبيل اللَّه، وكأنه عبَّر بذلك عن إخلاص النية وحسنِ القصد، وكأن الأول أظهرُ بالنسبة إلى العرف، وإن كان قد جاء في بعض الأحاديث جعل الحج، أو سفره من سبيل اللَّه، فإن حملناه على الغزو، فلاجتماع العبادتين فيه، لكن قيل: يُحمل على مَنْ لم يتضرر بالصيام، ولا يفوِّت حقا، ولا يختل أمرُ قتاله ولا غيره من مهمات غزوه”[4].

وقال الملا علي القاري الهروي (ت1014هـ):”من صام يوما في سبيل الله: أي في الجهاد أو في طريق الحج، أو العمرة، أو طلب العلم، أو ابتغاء مرضاة الله”[5].

3- وقوله صلى الله عليه وسلم: (بعد الله وجهه عن النار):

قال القاضي عياض (544هـ):” وقوله فى فضل الصوم فى سبيل الله: “باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً”: مبالغة فى الإخبار عن البعد عنها، والمعافاة منها”[6].

وقال الفاكهاني(734هـ):” ومعنى المباعدة من النار: المعافاة منها -عافانا اللَّه منها بمنِّه وكرمه”[7].

وقال العيني (855هـ) :” وأول النووي وغيره المباعدة من النار على المعافاة منها، دون أن يكون المراد البعد بهذه المسافة المذكورة في الحديث. قلت: لا مانع من الحقيقة على ما لا يخفى، ثم هذا يقتضي إبعاد النار عن وجه الصائم، وفي أكثر الطرق إبعاد الصائم نفسه، فإذا كان المراد من الوجه الذات، كما في قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) [8]. يكون معناهما واحدا، وإن كان المراد حقيقة الوجه يكون الإبعاد من الوجه فقط، وليس فيه أن يبقى الجسد أن يناله النار، إلأ أن الوجه كان أبعد من النار من سائر جسده، وذلك لأن الصيام يحصل منه الظمأ ومحله الفم؛ لأن الري يحصل بالشرب في الفم”[9].

وقال الكوراني (894هـ) :” وأما التعبير بالوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء”[10].

وقال المناوي (1031هـ) :” (عن النار) أي نجاه منها، أو عجل إخراجه منها قبل أوان الاستحقاق، عبر عنه بطريق التمثيل ليكون أبلغ؛ لأن من كان مبعدا عن عدوه بهذا القدر لا يصل إليه ألبتة “[11].

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي:”وأراد بالوجه ذاته، وإنما عبّر به؛ لأن الإنسان أول ما يواجه الشيء يكون بوجهه، فإذا أبعد اللَّه وجهه عن مواجهة النار، فبالأحرى إبعاد سائر أجزائه عنها. واللَّه تعالى أعلم “[12].

4- وقوله صلى الله عليه وسلم: (سبعين خريفا):

قال عياض (544هـ):”والمراد مسيرة سبعين خريفًا، وكثيرًا ما جاءت السبعون عبارة عن التكثير واستعارة للنهاية في العدد”[13].

وقال القرطبي (656هـ):”وقوله: (سبعين خريفًا)؛ أي: سنة، وهو على جهة لمبالغة في البُعد عن النار، وكثيرًا ما تجيء (السبعون) عبارة عن التكثير، كما قال تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)[14][15].

وقال زكريا الأنصاري المصري(926هـ):”وذكر السبعين؛ للمبالغة ولا ينافيه رواية: مائة عام، ولا رواية: خمسمائة عام لجواز أن الله تعالى أعلم نبيه – صلى الله عليه وسلم – بالأدنى ثم بما بعده على التدريج، أو أن ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه، أو المراد بالمباعدة كما قاله النووي وغيره المعافاة من النار لا البعد بهذه المسافة”[16].

وقال الأمير الصنعاني (1182هـ):”والسبعون لمطلق التكثير لا لتعيين القدر”[17].

وقال ابن الملقن (804هـ):”وهو مبالغة في البعد عنها، والمعافاة منها، وكثيرًا ما يجيء السبعون عبارة عن التكثير”[18].

وقال البرماوي(831هـ):” ذكر السبعين للمبالغة على نحو: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض)[19][20]. وقال أيضا :” والخريف السنة، لأنها تستلزم الخريف”[21].

وقال السيوطي (911هـ):”سبعين خريفا: أي: عاما، …هو من باب إطلاق الجزء على الكل؛لأن الخريف بعض فصول السنة”[22].

والحمد لله رب العالمين.

**********************

هوامش المقال:

[1]–  شرح مشكاة المصابيح المسمى: الكاشف عن حقائق السنن (5 /1611). 

[2]–  النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 338-339). 

[3]– شرح مسلم (8/ 47).  

[4]– رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (3 /489).  

[5]– مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 491).  

[6]– إكمال المعلم (4 /115).   

[7]– رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (3 /489)

[8]– القصص: 88.

[9]– عمدة القاري شرح صحيح البخاري (14/ 134). 

[10]– الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (5/ 428).

[11]–  فيض القدير شرح الجامع الصغير (6 /161). 

[12]–  شرح سنن النسائي المسمى «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»  (21 /126).

[13]– إكمال المعلم (4/ 115).  

[14]– التوبة: 80.  

[15]– المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم(3 /217).  

[16]–  منحة الباري (5/ 651-652) . 

[17]– التنوير شرح الجامع الصغير (10 /277). 

[18]–  التوضيح لشرح الجامع الصحيح (17/ 473) 

[19]–  هود: 107

[20]–  اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (8/ 437). 

[21]– اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (8/ 437).  

[22]– التوشيح شرح الجامع الصحيح (5 /1928).  

لائحة المصادجر والمراجع:

  1. إكمال المعلم بفوائد مسلم: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل، ت: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة الأولى، 1419 هـ – 1998م.
  2. التنوير شرح الجامع الصغير: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، ت: د. محمَّد إسحاق محمَّد إبراهيم، مكتبة دار السلام، الرياض، الطبعة: الأولى، 1432 هـ – 2011 م.
  3. التوشيح شرح الجامع الصحيح: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، ت: رضوان جامع رضوان، مكتبة الرشد – الرياض، الطبعة: الأولى، 1419 هـ – 1998 م.
  4. التوضيح لشرح الجامع الصحيح: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري، بإشراف مجموعة من الأساتذة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1429هـ/2008م.
  5. الجامع الكبير – سنن الترمذي: لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي ، ت: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي – بيروت، 1996م.
  6. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه: محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير، بيروت، الطبعة: الأولى ، 1423هـ/2002م.
  7. رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام: أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي، تاج الدين الفاكهاني ، ت: نور الدين طالب، دار النوادر، سوريا، الطبعة: الأولى، 1431 هـ – 2010 م.
  8. السنن: ابن ماجه محمد بن يزيد القزويني، ت: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد – محمَّد كامل قره بللي – عَبد اللّطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية الطبعة: الأولى، 1430 هـ – 2009م.
  9. شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بـ (الكاشف عن حقائق السنن): شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، ت: د. عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز (مكة المكرمة – الرياض)، الطبعة: الأولى، 1417 هـ – 1997 م.
  10. شرح سنن النسائي المسمى «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»: محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي، دار آل بروم للنشر والتوزيع ، الطبعة: الأولى 1424هـ/2003م.
  11. صحيح مسلم بشرح النووي، مؤسسة قرطبة، الطبعة: الثانية ، 1414هـ/1994م.
  12. عمدة القاري شرح صحيح البخاري: أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى ، دار الفكر، بيروت. بدون تاريخ.
  13. فيض القدير شرح الجامع الصغير: زين الدين محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي المناوي القاهري، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1391هـ/1972م.
  14. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري: أحمد بن إسماعيل بن عثمان بن محمد الكوراني الشافعي ثم الحنفي المتوفى 893 هـ، ت: الشيخ أحمد عزو عناية، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى، 1429 هـ – 2008 م.
  15. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح: شمس الدين البِرْماوي، أبو عبد الله محمد بن عبد الدائم بن موسى النعيمي العسقلاني، ت: لجنة مختصة من تين بإشراف نور الدين طالب، دار النوادر، سوريا، الطبعة: الأولى، 1433 هـ – 2012 م.
  16. المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب، الطبعة: الثانية، 1414 هـ– 1994م.
  17. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، ت: الشيخ جمال عيتاني، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ – 2001م.
  18. المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ: لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت: نظر محمد الفاريابي، دار طيبة، الطبعة: الأولى، 1427هـ/2006م.
  19. المسند: لأبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، ت: شعيب الأرنؤوط ، وعادل مرشد، وآخرون،  مؤسسة الرسالة ، الطبعة: الأولى، 1416هـ/1995م.
  20. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي ، ت: محيي الدين ديب ميستو – أحمد محمد السيد – يوسف علي بديوي – محمود إبراهيم بزال، دار ابن كثير، دمشق – بيروت، ودار الكلم الطيب، دمشق – بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 هـ – 1996 م.
  21. منحة الباري بشرح صحيح البخاري المسمى «تحفة الباري»: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي المصري الشافعي، ت: سليمان بن دريع العازمي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض – المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1426 هـ – 2005 م.
  22. النهاية في غريب الحديث والأثر: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، ت: طاهر أحمد الزاوى – محمود محمد الطناحي، المكتبة الإسلامية – بيروت، 1383هـ – 1963م.

*راجع المقال الباحث: عبد الفتاح مغفور

Science

د. محمد بن علي اليــولو الجزولي

  • أستاذ باحث مؤهل بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط.
  • حاصل على الدكتوراه: تخصص مناهج الدراسات العلمية للسيرة النبوية شعبة الدراسات الإسلامية، جامعة ابن زهر أكادير، من خلال بحث بعنوان:” مرويات الشمائل النبوية في طبقات ابن سعد الزهري البغدادي (230هـ): جمع ودراسة”، عام 2012م.
  • أستاذ باحث بمركز الأبحاث التابع لشركة ابن القيم للتعليم والبحث العلمي بأكادير(سابقا).
  • مهتم بالتراث الإسلامي، وعلوم السيرة النبوية والحديث الشريف، شاركت في ندوات وطنية ودولية، وأنجزت عدة أبحاث ومقالات منشورة في مجلات محكمة ومواقع إلكترونية، وتحقيقات في طور النشر بحول الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق